"ورتل القرءان ترتيلا"
نعلم أن الكتاب العزيز يخاطب النفس والأحاسيس كما يخاطب العقل، وكذلك أن حالة العقل تتأثر بحالة القلب ونفسية المرء، وبحالة الجسم أيضا، فالمتألم تفكيره يختلف عن الهادئ المترنم
والمرء حين تنفتح عليه المعاني بفضل الله تعالى يكون من أسباب ذلك تلاوة الكتاب أو سماعه بشكل طيب
والمبالغة والتطرف تؤدي للعكس، فيكون الانشغال بالشكل، وهو ما أحسه لدى من استهوتهم المقامات، وصيروا التلاوة نجما في فلكها
وباتوا يؤصلون لجواز ذلك على قول من قال به وهم الأقلون، بل وحملوه فوق ما حمله هؤلاء وجعلوه قطعة فنية
وضايقني ذلك لعلمي بمبالغة الشباب في الأمر وأن هذا كلام
قد يزيد الإغراق في هذا، فقد باتوا يكتبون اسم السورة ومعها مقام كذا على اليوتيوب
وسمعت في حلقة توثيقية عن حياة الشيخ الشحات أنور في ذكرى رحيله
أن الشيخ الشحات محمد أنور قال أنهم أوقفوا قبوله في الإذاعة حتى يدرس عامين في معهد الموسيقى علم المقامات!!
وقد قرأت بشأن هذا الأمر
أن الإمام ابن رجب قال أن "أكثر السلف منع هذا وبعضهم جوزه" وشرح ابن القيم رحمه الله أن من جوزه عنى من جرى منه ذلك بالسليقة بلا تكلف وقال كلاما رائعا كروعة ابن القيم دوما
وأنوه لأن النفس-نفسي الخاطئة وجل من أعرفهم- تأنف كلمة المقامات وما شابه، وهذا بسبب بعدها عن كتب السلف وبعدهم عنها،
وبسبب الواقع الذي تربينا فيه سواء كثرة المغنين ومجونهم، أو كثرة المقرئين باللحن كأنهم موسيقيون يعزفون، وحولهم كذلك من لا
يعي معنى اللفظ، ويذهب ليتلذذ بالنغم
ويفرح بالكلمة وإن كانت نذارة رهيبة
وهذه بلادنا
ولكن هذا هو الحال، ولعل سببه عدم حزن القارئ، أو عدم مراعاته لأن هذا ليس أغنية تنفع فيها كل الألوان، إضافة لجهل السامع،
وربما عدم نيته التدبر إلا من رحم الله
وحتى في القراء الجدد-أهل الالتزام- من يفقد وقاره ومنهم من صرح باعتماده المقامات في صفحته على الشبكة! ولم نر أحدا من قراء السلف السبعة أو تلامذتهم قال إن هذه منقبة! أو مستحبة
وكنت أحسب أن شعور المرء بالأيات -المرء الواعي -سيجعله حتما لا يبتهج، أو يخلط في الترنم بين الرجاء والخوف والقصص
دونما تعلم للمقامات
وهذا من خلال مشاهداتي، وفهمي أن السلف كانوا يدرجون على تعلم القرءان وتلقيه دون ذكر لهذه الأشياء- وإن كانت مطمورة
ضمنا في السياق فكل كلام هو بنغمة ما- وإلا فماذا بقي للقارئ إن كان سيستحضر أحكام التلاوة والمقامات !
ولعل هذا سبب في أنهم لم يجعلوها مستحبة ولا واجبة، فلو كانت هي التحبير لباتت من علوم الألة مثلا
وأزكي نقلا عن الشيخ عبد الفتاح القارئ جعل فيه الحزن شرطا-دون تقييد بمواطن- لأنه صفة ثابتة مطلقة عن النبي صلى الله
عليه وسلم ومن بعده أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وجل الأفاضل المهديين
وهذا الحزن ليس ثابتا في كل القراءات المعاصرة للأسف، وأحسبه ليس في المقامات كلها كما قال فضيلته
حيث فسر عبقري الأمة الشافعي رحمة الله عليه الترتيل بالترنم والتحزن، دونما تفضيل لأهل التقسيم وخبرائه، ودونما تخصيص
لآيات باستحضار التحزن فيها والله تعالى أعلى وأعلم.
يسر الله الخير لنا جميعا، وهدانا بفضله ومنه وجعل لنا في كل أمر فرقانا
وعلمت خلال ملفي فيديو وصلاني بالبريد الالكتروني بتراجع شيخ المقارئ المصرية ومعه شيخ مقارئ قطر الشيخ عبد الرشيد
صوفي والدكتور أيمن سويد وربما شيخ ءاخر فاز في مسابقة المزامير عن موضوع الألحان عامة، وعما جرى بمسابقة المزامير
خاصة، ولعل هذا منعا لفتنة ظهرت ومبالغات كانت مغلقة أبوابها
وكنت أتساءل لماذا منعه من منعه من السلف، وقد مررت بنقل -سأضعه أدناه- حين كنت أبحث عن مسألة في المرض والألم
والصبر الجميل! فوصلت إلى روضة في طبقات الحنابلة، ومنها للكلام عن الألحان!، وعزمت على وضعه
وبداية أقررت لنفسي بأن التكلف في أمر كثيرا ما يكون مسألة تقديرية، حسب الذوق -الذوق المعتدل نسبي- وحسب الحال"الشخص
والبيئة" والوسط.. والحس العربي"في القرون الفاضلة" عادة ما يفضله الأئمة حين تكون المسألة دون نص صريح، وكثيرا ما قرأت أن
ما استحسنه العرب فهو حسن، وربما كان وقوف الأئمة تأسيا بمن سبق من هذا الباب
فقد فتحوا بلاد المقامات والنغمات ووصلوا لفارس والروم في عصر الخلافة الراشدة، وترجمت كتب اليونان في عهد عمر بن عبد
العزيز الراشد رضي الله عنه، ولم يتجهوا لأخذ الألحان عنهم، ولا عن أهل أي مصر فتح، أو لتحري تعلمها للتحسين، رغم إقرارهم
بمشروعية التحبير والعمل على إيجاده، ولكن التحري بقوانين أكثر تكلفا من التقليد لمن يحسن التحزن والترنم، وأكثر تكلفا من
التطريب بالسليقة-وكلاهما فيه تحر واجتهاد- وهذا دون قوانين وضوابط واشتقاقات نغمية، وأسماء وتركيبات قد تصرف المرء
أحيانا عن التدبر "أو تشغل ذهنه بقدر ما قد يشتته"
فقلت لعل الامتناع كان تأسيا بالصحابة الذين لم يثبت عنهم ولا عن القرون الأولى ذلك
أو كان سدا للذريعة كي لا يحدث ما جرى الأن من صخب وصياح وتلذذ باللحن لا المعنى
ومن مبالغة وانشغال زائد بالأداء، أو أمورا كما جرى في المسابقة، مما جعل أحد الشيوخ ينكر الأمر جملة وتفصيلا واسما ومعنى
في فيديو، وينكر على ابنه كذلك، وقال لا نقول ألحان بل نقول حسن الصوت وكفى، ونغلق الباب" ولست أدعو لتقليده ولا غيره بل
لتأمل الحدث بعين صافية"
وكما قلت دوما هناك مساحة رمادية -إن صح التعبير- للمكلفين، تتفاوت فيها الأفهام والأحاسيس، وكل امرئ حسيب نفسه فيها ولا
سلطان لأحد على أحد
(1/208) عبد الرحمن أبو الفضل المتطبب وقيل أبو عبد الله البغدادي:
ذكره أبو محمد الخلال فقال: كانت عنده مسائل حسان عن أبي عبد الله وكان يأنس به أحمد بن حنبل وبشر بن الحارث ويختلف
إليهما.
نقلت: من كتاب أبي بكر الخلال أخبرني جعفر بن محمد العطار قال: سمعت أبا الحسن محمد بن محمد بن أبي الورد يقول كان عبد
الرحمن المتطبب عندي فقال: دخلت على أبي عبد الله فقلت: ما تقول في قراءة الألحان قال: بدعة بدعة.
قال الخلال وأخبرني المروذي قال: سمعت عبد الرحمن المتطبب يقول قلت: لأبي عبد الله في قراءة الألحان فقال: يا أبا الفضل اتخذوه
أغانيا اتخذوه أغانياً.
قال الخلال وأخبرني محمد بن أبي هارون الوراق قال: سمعت عبدان الحذاء قال: سمعت عبد الرحمن المتطبب قال: سألت أبا عبد الله
عن هذه الألحان فقال: اتخذوه أغانيا لا تسمع من هؤلاء.
الكتاب :
1/206طبقات الحنابلة
المؤلف : أبو الحسين ابن أبي يعلى ، محمد بن محمد (المتوفى : 526هـ)
الناشر : دار المعرفة - بيروت__________________