منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - قراءة في مسرحية " أم نعمة " للدكتور مصطفى عطية
عرض مشاركة واحدة
قديم 27-03-2010, 01:18 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
د.مصطفى عطية جمعة
أقلامي
 
إحصائية العضو







د.مصطفى عطية جمعة غير متصل


افتراضي رد: قراءة في مسرحية " أم نعمة " للدكتور مصطفى عطية

إليكم نص الدراسة :
قراءة في مسرحية ( أم نعمة ) للدكتور مصطفى عطية :
عندما يكون المكان : ملاذا ، ووحشا ، وأزمة ، وموتا
بقلم : أ. ماجد سعدو
"أمّ نعمة" نصّ مسرحيّ ( يمزج بين المونودراميّ والحواريّ في طبيعته السّرديّة بأسلوب رشيق مدروس من خلال توزيعها في خمسة مشاهد : الأوّل والثّالث تظهر فيهما بعض الأصوات المهدّئة والمساندة للشّخصيّة الرئيسيّة لتختفي تماماً في المشهد الخامس (الأخير)، وكلّها مشاهد ( فرديّة ) . بينما يعتمد المشهدان الثّاني والرّابع (الزوجيّان) على الحوار في تشكيل الشخصيّات وإدارة الصراع الذي يكشف الكثير من الأمور الإشكاليّة في المجتمع المصريّ خاصّة والمجتمع العربيّ عامّة ، منها : السكن والاستغلال والفساد السياسيّ والتطبيع والفقر والخصخصة إضافة إلى الأزمات الاقتصاديّة التي يدفع ثمنها الشريحة الكبرى البسيطة والفقيرة الشريحة الوسطى من طبقات المجتمع والتي أسّس بنيانها على شفا جرف هار يمكن أن ينهار بها في نار الصراعات الصغرى والكبرى على امتلاك كلّ شيء .
وفي هذا التقسيم تناسب كبير بين رقم المشهد وطبيعة الحوار فيه ، الأمر الذي يعكس صورة لشخصية الكاتب المنظّمة والأنيقة ( وأرجو أن لا يخرجني هذا الكلام من ميدان الموضوعية و يوقعني في مطبّ الإطراء لأني أعرف هذه الشخصية تماماً في "المسرحية الكبرى"!).
كما تظهر في النصّ عناية كبيرة بتفصيلات المكان والديكور والملابس والملامح الجسديّة للشخصيّات وما يعبّر عن الحالة النفسيّة التي تعيشها . وهو يبدأ بداية صاخبة تناسب الحدث المنطلق الذي بنيت عليه الأحداث الأخرى للمسرحيّة ، وهو انهيار مباني حيّ الدويقة الذي تهاوت وراءه الأحداث الثانويّة ، ثم لا يلبث الإيقاع أن يميل إلى الهدوء النسبيّ مع ميل الحوار إلى توصيف الحالة ودقائق الزمان والمكان لتبدو في النصّ سرديّة أقرب إلى الروائيّة منها إلى المشهد الدراميّ ، ويتجلّى الملمح الروائيّ في استخدام تقنية روائيّة أخرى في طريقة عرض الأحداث من خلال الخطف خلفاً ؛ حيث تبدأ الأحداث من نهايتها بصرخات أمّ نعمة وبكائها وهي تملأ الركام من حولها وتعرض لنا الأحداث المتداعية إلى ذهنها بدءاً بالأحداث القريبة والعودة إلى الماضي الأبعد فالأبعد ، وهي أحداث ذهنيّة لا تدخل ضمن إطار (الفعل المسرحيّ) إلّا من خلال الحالة الهستيريّة التي تؤدّيها شخصيّة أمّ نعمة بين البكاء والضحك بين معاناة الحاضر وتذكّر جمال الماضي الذي لن يعود .
ولا يخفى الدّور الّذي أدّاه مونولوج أمّ نعمة في رسم تاريخ هذه الشّخصيّة بدقّة ( كشخصيّة نصّيّة ) بحيث يصل المتلقّي إلى حالة ( الاندماج ـ التّماهي ) معها بأبعادها الإنسانيّة وينسى إلى حدٍّ ما ما تجسّده من رمز وبعد دلاليّ ، فهي :
1. داخل النصّ : :"أمّ نعمة " شخصيّة رئيسيّة كلّفها الكاتب مهمّة الرّاوي المشارك في الأحداث ، وهي أمّ و جدّة ذات شخصيّة ريفيّة مصريّة بسيطة المنشأ مرتبطة بجذورها وعاداتها وصفات أهل الريف (الصعيد) وقد بدا هذا في حديثها عن زوجها من الصعيد الجواني وهي تساعده وأصحابَه في بناء البيت وحمل الرمل و رصّ الطوب وخلط الإسمنت ، وفي حديثها عن ابنها محمود الطويل الأسمر الجاد الذي تحمّل المسؤوليّة من صغره وكان يخفّف عن أمّه وكان رجلاً مثل أبيه ،إضافة إلى صورة الفتاة الصعيدية المؤدّبة الوفيّة المتعلّمة التي تصون العرض وتحمي العيال وتختلف عن مهازل البنات اللواتي يراهنّ في شرم الشيخ وهي صورة ابنة أخيها أمين التي ظهرت في سردها قصة ابنها توفيق ونيّته الزواج منها على خلاف أخويه محمود وإبراهيم اللذين تزوّجا من القاهرة امرأتين كان لهما دور كبير في إدارة الصّراع الأسريّ بين الأخوين للسيطرة على البيت وعلى شقّة (مساكن سوزان مبارك ) في المشهد الرابع .
2. وراء النصّ : تمثّل مصر( الزمان والمكان والإنسان )في وحدة عضويّة لا يمكن فصل جزء منها عن الآخر ، فهي الماضي الطالع من أعماق النيل من خضرة الريف البريء المحافظ على أصالته وارتباطه بكيانه الاجتماعيّ المتماسك الذي تقف فيه المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل في البناء وهي الأمّ التي يلجأ إلى حضنها الكبير والصغير ، وحبّهم لها وارتباطهم بها سبب دمارهم وهلاكهم بتلك الصخرة المعنويّة ( غدرت بنا يا حجارة الجبل ، أكلت سنين عمري ،البيت ، والولد ، والحفيد ، هل ذنبنا أننا تمسكنا أن نعيش تحتك ؟ ) ، وهي الحاضر المازوخيّ الذي يجلد ذاته ويحمّلها إثم كلّ مصيبة تقع على رأسه ، الحاضر الذي بلغ الستّين من العمر وقد حوّل الجبل الغاضب مستقبلها المنشود مجسّداً بأبنائها إلى ماض من الركام والصور المأساويّة . هذه هي الدائرة: صراع بين البناء والهدم ، بين الرغبة والخوف ، بين الريفيّ الصعيديّ الهادئ البسيط الذي يصوّره الكاتب بشيء من المودّة والألفة ، والمدنيّ المزدحم الصاخب المليء بالجديد والغريب .
ومن هنا تتبلور صورة البطل الحقيقيّ ألا وهو البيت بمفهوميه : المكانيّ الجامد والاجتماعي المتحرّك ، البطل الذي بناه الكاتب بأسلوبه ثم هدمه بأداة الصراع صراع الشخصيّات الأخرى على حصصها منه ، فالبيت الإنسانيّ قد انهار قبل انهيار البيت الحجريّ على شفاه أمّ نعمة، البيت الذي من المفترض أن تكون قد بنته مع زوجها حجراً حجراً وطفلاً طفلاً هذا البيت الرمز ، البيت الأسرة والمجتمع الذي يحتاج عمراً بأكمله لإتمامه يتحوّل إلى ركام في لحظات وقد هدمه جبل حجارته تغضب على الناس وتهدم البيوت كلّها حجارةً وإنساناً حيث يتحوّل الجبل أيضاً إلى جبل غير عاديّ جبل رامز إلى الخوف والركون إلى الواقع المرير الذي يجب أن يعتاد عليه البسطاء ليتحمّلوا ما هو أسوأ منه ويحمّلوا ذواتهم إثم كل ما يحدث لهم من مصائب ، حيث نرى أمّ نعمة تجعل نفسها سبباً في فراق أبنائها وموتهم ،وهنا يغدو الحب والألفة والدفء ـ وكلّها تصبّ في شعور الانتماء ـ إلى سبب للموت والهلاك . فهل كان الحبّ حبّاً ؟ أو أنّه كان ظرفاً مكانيّاً تدور داخله حالة معقّدة من الصّراع بدءاً بالصّراع الذّاتيّ في شخصيّة أمّ نعمة مروراً بالصّراع المجتمعيّ بكلّ أشكاله وانتهاء بصراع الكاتب مع نصّه ضمن فضاءات زمنيّة متشابكة ومتواترة تحمل بحركتها وتموّجاتها بين الحاضر والماضي إيقاع النصّ .
فالصّراع هنا كما ذكرت ينطلق من الذاتي الخاصّ ، وينتقل تدريجيّاً ليغطّي أبعاداّ إنسانيّة أكبر على الرّغم من أنّ الأثر الذي يمكن أن تحدثته صرخات أمّ نعمة في البداية قد يدخل المتلقّي ضمن حالة أشبه بالصدمة صدمة التحوّل من التلقّي التحليليّ العقليّ إلى التّلقّي العاطفيّ المفعم بالشفقة ، وهو شعور مطلوب في النصوص المصنّفة ضمن المسرح التراجيدي ؛ فقد بدأت حالة الصراع الأساسية تشتعل وتأخذ بعداً أعمق من تصوير اليوميّ والذّاتيّ والاجتماعيّ الخاصّ المؤطّر بالأسرة وطبيعة اجتماعاتها وسهراتها من خلال التّركيز على المشكلات الاقتصاديّة وغلاء سعر الطعام الرئيسي ( الفول ): الفول صار عزيز على الناس كيلو الفول ب 9 جنيهات . فالفقر في الماضي أصبح حالة يُتَحسَّر عليها بعد هذا الغلاء لأنّ الإحساس بالفقر والحاجة بات أكبر ، مع أنّه ليس من الضروريّ أن تعاني هذه الأسرة الفقر بحسب تحليل طبيعة عمل الأبناء وأجورهم ، وطبيعة البيت الواسع الذي يتسع خمس أسر كلّ منها في غرفة إضافة إلى صالة للعيال والجدة ورغبة الأبناء في الإنجاب . فبعد الحديث عن بناء الإنسان بالفول والحبّ والدفء والبيت الواسع وامتزاج العاطفيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ يبدأ الحديث عن بناء البيت الماديّ الذي تحوّل بعد عمر من الشقاء والبرد إلى مقبرة .
كما نلمح البعد الدينيّ واضحاً جدّاً في النصّ من خلال الزّمن المختار للحدث المنطلق (شهر رمضان ) والأحداث الذهنيّة التي عرضها مونولوج أمّ نعمة مثل : الأذان ، الصّيام ، صلاة الفجر والسنّة والرضا بقضاء الله ... والكثير الكثير من الجمل ، أضف إلى ذلك (صوت إمام المسجد ) :
_ عيالك في الجنّة يا أمّ نعمة ، وأنت في الجنّة أيضاً ، تعالي معنا ، صلّي واستغفري ربك ، وادعي لهم بالمغفرة .
وفي هذا توثيق للكثير من الملامح الإسلاميّة في شخصيّة مجتمعنا ، وعمق علاقته بالقضاء والقدر والإيمان الدافع إلى الصبر والقناعة وتجميل الحياة مهما بلغت قسوتها وهذه على إيجابيّتها في رسم صورة ناصعة لفكر الكاتب وشخصيّة المجتمع إلّا أنّ هناك سلبية ، أظن أن الكاتب قصد رسمها، هي تجاوز مرحلة الرضا إلى مرحلة التواكل والخنوع للواقع الذي تفرضه يد بشريّة انتهازيّة متسلطة هدفها تحقيق مصالحها وأرباحها المكدّسة على آلام المستضعفين قال المندوب ، مندوب حزب الحكومة : أعطونا أصواتكم ، وعيوننا لكم . قلت لهم : أنا طول عمري في الدويقة ، هنا في هذه العزبة ، وأهلها وحجارتها تعرفني وتعرف عيالي . قال المندوب : طيب ، أعطونا أصواتكم ، ونعطيكم الشقق . قلت : معقول ، أترك بيت دورين ، وفيه البقالة ، وأترك ناسي الطيبين ، وأحشر نفسي وعيالي في شقة .
قال المندوب ، وكان معه في يومها سعادة البك الكبير ، الذي فاز في الانتخابات ، طيب : سجلوا أسماءكم ، وخذوا الشقق ، وأنتم قاعدون في البيوت.
محفوظ : الموضوع سهل ، وأنا أرى أن تستغلوا ما يعرضه الحزب الوطني عليكم ، خصوصا أن النائب هنا يحتاج لأصواتكم .
يحيي : وهذه الحسنة الوحيدة لعضو مجلس الشعب هنا ، تعالوا شوفوا النائب في دائرتنا ، لا صوت ولا صورة .
إبراهيم : مندوب الحزب قابلني ، ووعدني أنه ينهي موضوع الشقتين ، شقة لي وشقة لأمك بسرعة ، وسيحتاج ...
أم نعمة : يحتاج ماذا ... ؟
إبراهيم : يأخذ ألفين جنيه ، وينهي الموضوع كله ، وأنا جاهز إن شاء الله .)

والمشكلة ليست مشكلة إبراهيم ( الابن الأوسط من الذكور ) وحده.

وختاما ، فإن المشكلة تظهر في أنّ الجميع يعيشون في الهواء في سكن مؤقّت مجهول المصير، معرّض للسقوط في أيّ وقت ، إمّا بصخور الجبل أو بالتّنكيس الرسميّ من البلديّة ، أو بالصّراع الداخليّ الأسريّ على حصص البيت .








 
رد مع اقتباس