عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 18-03-2010, 12:03 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
افتهان الزبيري
أقلامي
 
الصورة الرمزية افتهان الزبيري
 

 

 
إحصائية العضو







افتهان الزبيري غير متصل


افتراضي رد: المناضل / ضافي موسى الجمعاني

المقدم علي أبو نوار:
كان علي أبو نوار ضابطاً معروفاً في الجيش الأردني. دخل الجيش بعد أن أكمل دراسته الثانوية في مدينة السلط. عمل في فلسطين مع وحدات الجيش التي كانت تعمل تحت إمرة الانتداب البريطاني في فلسطين. عمل أيضاً ضابط ركن في أحد ألوية المشاة أثناء حرب عام 1948. وقد تطوع أن يقود إحدى الكتائب حينما أخلي قائدها بسبب جراحه إلا أن تطوعه لم يقبل. كان من بين ضباط وفد المفاوضات المهمين إلى محادثات رودس هذا الوفد الذي كان يرأسه (رياض المفلح) وكيل وزارة الداخلية في حينه - ويرأس الجانب العسكري فيه اللواء أحمد صدقي الجندي. رأيته مرة واحدة قبل أن يصبح رئيساً للأركان، وهو يخرج من مكتب قائد كتيبة مدفعية الميدان الأولى وكان في حينه برتبة نقيب، ضابط أنيق،وسيم، متناسق التكوين وكان قبل أن يستدعيه الملك حسين ليعينه كبيراً لمرافقيه ويرفعه إلى رتبة مقدم، ملحقاً عسكرياً في سفارة الأردن في باريس. وقد أبعد الرائد علي أبو نوار عن الجيش كملحق عسكري وأنت لا تعرف الأسباب لهذا الإبعاد، فالسبب المعلن أو الذي سرب إلى أفواه الدعاة قد لا يكون السبب الصحيح، وفي الوقت الذي أبعد فيه الرائد علي أبو نوار ابعد كذلك ملحقاً عسكرياً الرائد محمود الروسان إلى واشنطن،وفي باريس تعرف الملك حسين على الرائد علي أبو نوار الملحق العسكري في السفارة الأردنية كان الملك حينها يدرس في الكلية العسكرية البريطانية في (ساند هرست) ويقضي إجازته بين باريس ولندن. لم يكن المقدم علي أبو نوار من بين تنظيم الضباط الأحرار، ومع ذلك فإن عوامل عدة جعلته على علاقة وثيقة ببعض قادة تنظيم الضباط منهم الملازم الأول مازن العجلوني الذي عمل في إمرته بعيد حرب عام 1948 في منطقة رام الله وكذلك بعد تعينه كبير مرافقي الملك حسين. وكان على علاقة بمحمود المعايطة وشاهر اليوسف وعلى علاقة وثيقة مع الرائد قاسم الناصر آنذاك وكلهم عايشوا الكارثة في فلسطين، مع أنني حقيقة لا أعرف مدى تأثره هو بهذه الكارثة. كان ضباط مدينة السلط خمسة من أصل ثلاثة عشر عضواً هم قيادة تنظيم الضباط. والعشائرية لم تغادر واقعنا حتى بعد أن لحقها التطور من عشيرة إلى قرية إلى بلدة. يصبح من هو من هذه القرية ينتسب إليها وكذلك البلدة فكل من هو من مدينة السلط هو (سلطي)، وهكذا فإنني أكاد أكون الوحيد في قيادة التنظيم من لا يعرف المقدم علي في حينه. وأيضاً ليس متأثراً بأي من العوامل التي أشرت إليها خاصة، وأنا تقريباً أصغر المؤسسين سناً ورتبة. جرى بيني وبينه اتصال هاتفي قبل أن ألقاه وأتعرف عليه. وقد جرى الاتصال (بالصدفة المرتبة)، فقد اتصل بقيادة بطارية المدفعية التي أقودها يسأل عن الملازم فوزي أبو نوار، وهو أبن عمه ويعمل في إمرتي في حينه. سلم علي بحرارة وسألني عن حالي بمودة مما أقنعني أن الهدف هو التحدث إلي.
الاتجاه السياسي لقادة تنظيم الضباط الأحرار:
إنني أكتب الآن بعد خبرة طويلة، ونمو في الوعي فكرياً وسياسياً وممارسة عملية، إلا أنني لن أدخل هذه الخبرة بتقييمي هذا، بعد أن نخل الطريق الطويل والصعب صفات هؤلاء الرفاق على جميع الصعد. خلال الواقع الذي فرضته قوى عاتية علينا. وسأقتصر في تقيمي للمرحلة التي تعاونا فيها وضمن معرفتي الذاتية للرفاق في تلك المرحلة. لقد كانت اتجاهات هؤلاء السادة وطنية والأشمل عروبية، وقد انقسموا في التزامهم السياسي والعقائدي إلى نوعين، ملتزم بحزب سياسي أو غير ملتزم إلا بتنظيم الضباط الأحرار، وشكل غير الملتزمين أكثرية. وفي واقع كواقع تكويننا الفكري والثقافي والسياسي آنذاك كانت العلاقات الشخصية هي الأكثر تأثيراً، وكانت الكتلة الأساسية البارزة هي كتلة الضباط البعثيين وهم شاهر اليوسف ومحمود المعايطه وضافي الجمعاني، كأساس. فهؤلاء الثلاثة كانوا متقاربين التزاما ورفقة سلاح وعلاقات شخصية. ومن ثم يدخل معهم في الالتزام الحزبي ولو شكلاً قاسم الناصر وتركي الهنداوي، وكان المهندس شوكت الشبول أقرب إلى الشيوعيين وكان المهندس جعفر الشامي قومياً عربياً وكذلك (ماسوني). أما الذين لم يكن لهم التزام سياسي حزبي فهم - الرائد محمود الروسان - النقيب أحمد زعرور - الملازم أول غازي العربيات والملازم أول نذير رشيد - والملازم أول عبد الله قاعد والملازم أول مازن العجلوني.
وقبل أن أدخل في صلب الذكريات السياسية على القارئ أن يعرف أنني لا أستهدف الإساءة إلى أحد أو المساس به. وحينما أتحدث عن الأردن ككيان ودوره غير الإيجابي بل السلبي في مقاومة ضياع فلسطين، وحركة نهوض العرب من خلال واقعه وموقعه، والقوى التي تفرض عليه هذا الواقع ومن خلاله، فأنا لا أستهدف الإساءة إلى الملك حسين كذات وكإنسان. ولكن كون الملك حسين ملكاً على الأردن وقيادته في كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولهذا فدوره أساس في هذه الذكريات. ولابد أن يكون في العديد من مواقعها محورياً، سلباً، أو إيجاباً، فالهاشميون عترة (رسول الله) كانوا أكبر المضحين وآثارهم شاهد على ذلك (بغض النظر عن دوافع هذه التضحيات). وفي تاريخ العرب الحديث ثورة (الحسين بن علي) أبرز الشواهد على أن العرب لم يموتوا. ويكفي فيصل فخراً إضافة إلى انتمائه العروبي قبل الثورة ودوره البارز فيها. أنه أسس العراق الحديث وحقق له الشرعية.ومع كل هذا الإرث العظيم فلا يحق لأي هاشمي أن يدعي حق الوراثة السياسية بعد هذا التطور في الزمن والواقع في كل ميادين الحياة وأبعادها، فلكل إنسان في هذه الأمة حق القيادة من خلال الفعل المتميز، والإيمان والقدرة على القيادة ودفعها باتجاه هدفها المنشود في التحرر والتوحد والعدالة.
الوضع السياسي في الأردن بعد هزيمة انضمامه إلى حلف بغداد:
يتأثر الأردن تأثراً بالواقع السياسي السليم وطنياً وقومياً إن كان في مصر أو سورية. وفي تلك الظروف كانت (ثورة يوليو) في أوج تحديها للاستعمارين القديمين الإنكليزي والفرنسي/ هذا الفعل المتحدي جعل من عبد الناصر بطلاً قومياً ومن صوت العرب الذي كان يدعوه الإنكليز(the voice of uenon ) صوت الجائعين للكرامة. وأثناء اضطرابات حلف بغداد، قال أحد قادة كتائب المشاة الإنكليز (الكتيبة السابعة/ بادية) ماذا أستطيع أن أفرض بهؤلاء الجنود الذين يتحلقون حول الراديو لسماع صوت العرب وأحمد سعيد وكانت واجبات هذه الكتيبة فرض منع التجول على مدينة الزرقاء. ويجب أن أنبه هنا أنه خلال مسار (ثورة يوليو) والتناقض في قمة السلطة بين محمد نجيب وجمال عبد الناصر كانت قيادة تنظيم الضباط إلى جانب محمد نجيب. وبقيت غير واثقة من عبد الناصر لفترة. لقد كانت شخصية جمال عبد الناصر في تلك المرحلة غير واضحة ودوره في الثورة غير معروف وكان تقييمنا له أنه ضابط متطلع إلى السلطة،يستهدف فرض دكتاتورية عسكرية. وهذا لم ينتج في جانبه الأهم عن تقييم شخصيتي جمال عبد الناصر ومحمد نجيب، بل بسبب الأسلوب الذي تعامل به عبد الناصر مع الأحزاب بعد ذلك. وخاصة (حزب الوفد) وعلى الأخص مع (النحاس باشا)، هذه الشخصية التي كانت تحظى بالاحترام والمحبة في أوساط الشعب العربي وفي كل أقطاره.
إلا أن المسار الصحيح للثورة وعلى الأخص مع أعداء العرب التقليدين الأستعمارين الإنكليزي والفرنسي، وبسبب التواجد البريطاني على أرض مصر وتراثه الاستعماري البغيض في مصر والوطن العربي ومحاولاته ترسيخ هذا التراث من خلال شق العرب بين مؤيد لحلف بغداد ومعارض له، وتأييده المطلق للثورة الجزائرية ودعمها مادياً ومعنوياً، وتبني ثورة يوليو سياسياً وإعلامياً طموحات الإنسان العربي، سواء في فلسطين أو على ساحة الوطن العربي هذا الواقع الذي بينته ثورة يوليو، جعلت من عبد الناصر قائداً تتطلع إليه جماهير العرب في كل أقطارها، بآمال وأمان عريضة. هذه الحقيقة جعلت المستعمرين الإنكليز يصنفون ويعيدون حساباتهم، خاصة وقد أصبح واضحاً أن الأردن لن يكون عضواً في حلف بغداد.ومن هنا أعادت الحكومة البريطانية تقييم سياستها تجاه الأردن. وأصبح الأساس في هذه السياسة هو الحفاظ على الأردن ككيان مستقل، والتخلص من العبء المادي الذي تتحمله الخزينة البريطانية المثقلة في إطار الاستراتيجية التي وجد من أجلها وهما قضية فلسطين وتكريس التجزئة. والأمر الآخر المهم هو استمرار الوجود البريطاني على أراض ثابتة في هذه المنطقة المهمة، والتأكد من الحضور الدائم في قضايا الاقليم المعقدة، والدخول في المساومات والمناورات وعمليات الأخذ والعطاء في السياسة الدولية.
وكان هناك فراغ قيادي في السلطة في الأردن بعد اغتيال الملك عبد الله، وهذا الفراغ لا يمكن أن يملأ بدون مخاطر إلا بالملك لضمان الخلود للنفوذ الإنكليزي والغربي في الإقليم. إذاً لابد من خلق واقع يثبت من خلاله الملك حسين أنه قادر على ملء هذا الفراغ، ولديه الكفاءة والقدرة الوطنية على ذلك ليقنع على الأقل جزءاً مهماً من مواطنيه بهذه الحقيقة. ومن هذه الضرورات جاءت قضية طرد (الجنرال كلوب)، والمسرحيات التي تتابعت بعد ذلك في ميدان الديمقراطية والانفتاح الداخلي السياسي. وكانت عملية البناء ماسة وضرورية أمام المد الشعبي المعادي للاستعمار البريطاني، والذي كانت تدفعه بقوة ثورة 23 يوليو في مصر وتستقطبه شخصية جمال عبد الناصر.
وقد بدأ تنفيذ الملك حسين أولى خطواته لتنفيذ المخطط حينما عين الرائد علي أبو نوار (الملحق العسكري في باريس) كبيراً لمرافقيه العسكريين ورفّعه إلى رتبة مقدم. بدأ كبير مرافقي الملك اتصالاته بمن يعرفهم من الضباط وأنا لا أعرف من اتصل بمن، ولم يكن لدي اطلاع على أي من هذه الاتصالات. فأنا لا أسأل عن أمر لا يقال لي وليس مقصوداً أن أعلمه. ومن نافلة القول أن هذه الاتصالات التي أجراها كبير مرافقي الملك قد خفيت على القيادة العامة للجيش التي كان على رأسها (كلوب باشا) وهو من هو. وهكذا رفعت القيادة العامة للجيش قائمة بأسماء العديد من الضباط إلى رئاسة الوزراء طالبة الموافقة على إخراجهم من الجيش ومن بين الأسماء عدد من قيادي (تنظيم الضباط)، فرفض الملك الموافقة على تسريح أي من هؤلاء الضباط، وطبيعي أن تكون هذه العملية من ضمن السيناريو المعد لكسب تأييد الضباط للملك. وكان لدخول كبير مرافقي الملك على الخط السياسي لتنظيم الضباط الدور الحاسم في تغيير الهدف الأساسي للتنظيم، الذي يستهدف النظام كأساس والإنكليز كحصيلة.
طبعاً أصبح الهدف واضحاً لي وإن لم يبحث في اجتماع لقيادة التنظيم. فقد توقفت اجتماعات قيادة التنظيم منذ اجتماع السخنة والذي تحول بعده التنظيم عن هدفه الأساس إلى هدف فرعي أي (من هدف أساسي إلى هدف مرحلي) كما قال شاهر. ففي حديث مع شاهر ومحمود حاولا فيه إقناعي أن هدف التنظيم لا يزال قائماً (أي التخلص من النظام) وأن طرد الإنكليز من الجيش يسهل علينا الأمر، وكنت حتى في ذلك الحين مقتنعا بعدم صحة هذا الرأي. فأنت حينما تكشف نفسك كتنظيم عسكري لصاحب السلطان فأنت على الأقل لا تستطيع بعد ذلك ستره. ومن هنا لم يعد لدي أي نوع من الاهتمام بالواقع إلا متى سيكون هذا الأمر. وفي يوم الخميس الذي سبق يوم السبت الذي تم فيه قرار الحكومة بإنهاء خدمات (الفريق كلوب)، أخذت إجازة مدتها 48 ساعة وأخذت أطفالي إلى مأدبا قاصداً أن أمضي وإياهم يوماً على (سيل الواله) ،وبعد ساعتين من وصولي،وصلني إخطار من قائد مقاطعة مأدبا بأن علي أن أكون في الزرقاء بأسرع وقت. فعرفت الأمر ولكنني استغربت هذه (الشفرة) المفضوحة، فركبت سيارتي العسكرية وعدت إلى الزرقاء، وتركت عائلتي عند أهلنا تحسباً - وفور وصولي (التقيت إما الملازم أول عزمي مهيار أو محمود المعايطة) لم أعد أذكر الذي أبلغني الأمر والواجب الذي علي أن أقوم به،وهو احتلال معسكر الزرقاء ومنع الخروج والدخول إليه. وتأمين أمن الضباط الإنكليز وعائلاتهم،وسيقوم محمود باحتلال مطار عمان العسكري بكتيبة مدفعية الميدان الثانية (أي أن يقودها من الزرقاء إلى عمان لتحقيق هذا الهدف، وهي مهمة لم تكن سهلة، فكلانا محمود وأنا يقود بطارية من أصل ثلاث بطاريات في الكتيبتين الأولى والثانية. فلم يكن أي منا قائد كتيبة ولا حتى مساعد قائد كتيبة وكان محمود برتبة نقيب وهو أقدم ضابط في الكتيبة بعد قائد الكتيبة ومساعده الرائد إميل جميعان.أما أنا فقد كنت برتبة ملازم أول،وكانت مهمة محمود أسهل لأنه أعلى رتبة،وله تجربة طويلة،وكان له معرفة مسبقة بالمهمة وهذا هو الأهم. ومع ذلك لابد من تنفيذ الأمر. وكان تحركنا لاحتلال أهدافنا هو الساعة الرابعة بعد ظهر يوم الجمعة.
استطاع محمود أن يقود بطاريتين من كتيبة مدفعية الميدان الثانية وينتقل بهما إلى مطار عمان العسكري. واستطعت أنا أن أقود كامل كتيبة مدفعية الميدان الأولى إلى هدفها (معسكر الزرقاء)، هاتان الوحدتان هما الوحيدتان اللتان تحركتا لاحتلال مواقع خارج معسكراتها كوحدات.
حدثت واقعة وحالة انفعال لابد من ذكرها هنا، أثناء عملية جمع جنود الكتيبة وتوزيع السلاح يساعد في ذلك الكثير من الضباط الشجعان أذكر منهم الملازم الأول عزمي مهيار، فوزي أبو نوار، وخالد أبو فرجه وغيرهم. وصل إلى الكتيبة مساعد قائد الكتيبة الرائد مصطفى الخصاونة فقال لي أحد الضباط إن مساعد قائد الكتيبة قد وصل، هل نعتقله؟ فقلت لا. ولكن دعني ألتقيه فجاءوا به إليّ، فحييته فقال لي بالحرف الواحد (ماذا تفعل يا عم؟) فقلت له (هللي إتشوفه)، فرد علي قائلاً: (هل تعرف عواقب ما تقوم به؟) فقلت له: (يا أبو زياد ماودها نصايح) إختار أحد أمرين: إما قيادة الكتيبة إلى واجبها أو الذهاب إلى بيتك،فرد قائلاً: لا يا عم أنا ذاهب إلى بيتي،فقلت (الله أيسهل عليك).أما الأمر الآخر فهو أن أكثر من شخص قال لي فيما بعد بقصد النيل مني أن وجهي كان أصفر خلال عملية السيطرة على الكتيبة. طبعاً مهما كانت إرادة الإنسان قوية ومؤمنة بالفعل الذي يقوم به فهو غير قادر على السيطرة على آلية جسمه التي تجعل الوجه أصفر أو أحمر. فهذا خارج عن الإرادة خاصة إذا كان ما يقوم به هي تجربته الأولى في عمل خطر وما كان يقلقني أكثر هو هل أستطيع تنفيذ المهمة بالكتيبة كاملةً أم لا!


ما بعد كلوب:
كان الفريق (كلوب) يعني ببساطة المعونة البريطانية للجيش في الأردن، وكان مقدارها في ذلك الحين كما يقال إثني عشر مليون جنيهاً إسترلينياً،وذهاب الجنرال كلوب المظهري الذي جرى يعني ذهابها والذين قرروا إعفاء كلوب يعرفون هذه الحقيقة، كما أنهم أيضاً يعرفون من أين يأتي البديل. أما الذين سقطوا في الفخ فهم بعض الضباط والسياسيين وأهم من الجانبين الوطن. لقد بدأت أمريكا تهيئة موضع قدم لها في الأردن، في زمن الملك عبد الله حينما شملته بمعونات النقطة الرابعة التي أنشأت بعض السدود السطحية لجمع المياه في البادية ورش بذور نباتات الرعي في هذه المناطق. وكان (كلوب) يحذر شيوخ العشائر الذين يزورونه أو الذين يزورهم في مضاربهم،قائلاً لهم يا (حبيبي) (هذه البذور اللي يرموها الأمريكان في البادية تطلع عشب يسم الطرش) والذين يعرفون من البديل للبريطانيين وهم السلطة ومن يلوذ بها، تجاهلوا أنهم يعرفون ذلك، ليضعوا المشكل أمام الناس ويخلقوا واقعاً صعباً من أجل القبول بالحلول المعدة .
الوضع في الجيش بعد الفريق كلوب :
إنني أكتب من الذاكرة بعد فترة طويلة من الحدث، وفي واقع لا تتوفر فيه المصادر، ولهذا فأنا غير دقيق في تاريخ الحدث ذاته، لكن مضمونه واضح في ذهني بل هو أكثر وضوحاً. عين اللواء راضي عناب رئيساً لأركان الجيش، واللواء راضي كان مساعداً لرئيس أركان الجيش للإدارة وكان قبل ذلك في الأمن العام، أحيل على التقاعد برتبة عقيد ثم أعيد للخدمة وعمل في رئاسة أركان الجيش، وحين أنهيت خدمات الضباط استلم بعض الضباط العرب مواقعهم ومن هؤلاء الضباط استلم المقدم علي أبو نوار كبير مرافقي الملك في حينه مديرا للعمليات في رئاسة الأركان خطوة على الطريق، وعين العقيد علي الحياري قائداً للفرقة والعقيد محمد المعايطه قائداً لسلاح المدفعية والمقدم محمود الروسان قائداً لسلاح الدروع. والرائد أحمد زعرور قائداً لسلاح الهندسة والرائد شوكت السبول مديراً لمشاغل الجيش وهكذا يكون تنظيم الضباط قد سيطر على أهم أسلحة الجيش. بقي اللواء راضي عناب رئيساً للأركان لفترة لا تتجاوز الثمانية أشهر، عين بعدها المقدم علي أبو نوار رئيساً لأركان الجيش، بعد أن رفع إلى رتبة لواء وفي معيته رفع كل الضباط الكبار في الجيش الذين كنا نطلق عليهم (ضباط كلوب) وكانوا جميعهم أعلى منه رتبة، رفعوا إلى رتبة أعلى وبأقدمية أدنى. وبهذه المناسبة لم يسرح من الجيش الأردني في حينه إلا عدد قليل جداً من الضباط لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين،لم يكن الفساد هو سبب تسريحهم ولكن كان ولاؤهم المفضوح. أما أبناء (الصحن) والذين تدل كنيتهم على منبت طيب فقد جاء عمهم عبد الرحمن الصحن مع كلوب من العراق - سرحوا جميعهم لقربهم منه (وقد أعيد كل من سرح من الخدمة إلى الجيش بعد أحداث نيسان عام 1957) خلال هذه المدة أي منذ تسلم اللواء راضي عناب رئاسة الأركان حتى تسلم اللواء علي أبو نوار ذلك المنصب .
وما تم خلال هذه المدة من إجراءات سلسة لم يظهر منها ما يقلق من كان متخوفاً،كانت هذه المدة كافية لتهدئة الخواطر،فبدأ رجال المرحلة الماضية إن كان في الجيش أو في الدولة يطلون برؤوسهم أولاً،ثم الحديث همساً بعد ذلك. وحين تولى اللواء علي أبو نوار رئاسة الأركان وبدا لهم أن لا جديد في نهجه. بدأ الحديث بصوت عال،أن لا أحد يحق له الادعاء بأي دور في عملية عزل الفريق كلوب سوى جلالة الملك. فلو أعطى جلالته أوامره إلى أي قائد وحدة في الجيش لنفذت أوامر جلالته. طبعاً هذا إفتراء على الحقيقة وواقع الأمر وهو كذلك قول غير صحيح بالمطلق يستطيع جلالته بموجب صلاحياته الدستورية ومن خلال مجلس وزرائه كما حدث بالضبط أن يعفي الفريق (كلوب) من الخدمة أما أن يأمر وحدات عسكرية بالتحرك لتنفيذ واجبات محددة، احتياطاً لعملية الإقالة (حتى وإن كانت عملية مظهرية قد يكون لها أهداف أخرى خارج الإسلوب الذي أتبع فهو محض افتراء) ولا يمكن أن يقوم بهذا الأمر إلا الملتزمون - هذا عدا عن أن (جلالة سيدنا) في تلك الفترة كان صغير السن قليل الخبرة والمعرفة في الجيش، ولم يكن في ذهن الضباط وخاصة الوطنيين (لأن بقية الضباط هم ضباط كلوب)، إلا صورة جلالته وكلوب - بتقدمه ليلقي كلمات في تجمعات للضباط أقيمت لهذه الغاية في حينه، من أجل أن يتحدث جلالته عن مميزات ومكاسب الدخول (في حلف بغداد).

المردود الإيجابي الذي تلقاه الملك حسين على هذه الخطوة:
فعلى الصعيد الداخلي إرتاحت الأوساط السياسية والشعبية ومن بينها الأحزاب التي كانت تمارس نشاطاتها السياسية سراً بدون مشروعية.ففي ذلك الحين لم يكن تشكيل الأحزاب السياسية مسموحاً به، واعتبرت هذه الأوساط أن عزل الفريق كلوب وتعريب الجيش هو خطوة مهمة تدعم الاستقلال الوطني للأردن. وتلقى الملك حسين مردوداً إيجابياً أكبر مما كان متوقعاً على الصعيد العربي فلقد أشادت الصحف والإذاعات العربية بهذه (الخطوة الجريئة)، وكان الإعلام المصري أطولها باعاً، فهو في تلك المرحلة إعلام مسموع ومقروء على كل المستويات الشعبية في الوطن العربي. مع إن قيادة الثورة في مصر كانت تعرف المرامي والأهداف الحقيقية لهذه المسرحية، ولكن كان في تقييمهم أن ذهاب (كلوب) والضباط الإنكليز من الجيش في الأردن مهماً ومفيداً لسياسة مصر العربية.
وبعد هذه الخطوة الهامة وطنياً، خطا العهد الجديد خطوة مهمة باتجاه بناء واقع سياسي جديد في الحياة السياسية الأردنية، تتوافق وتفكيره السياسي ونهجه الوطني (وذلك ضمن الصورة المراد تعميقها في أذهان الناس)، فلقد تقرر السماح بتشكيل الأحزاب السياسية تمهيداً لإجراء انتخابات جديدة لمجلس النواب، بعد أن حل مجلس نواب عام 1954، ولكي يعطى الناس عامتها وخاصتها سياسيها ومثقفيها تصوراً مسبقاً عن نوعية هذه الانتخابات. فقد كلف السيد علي مسمار(رئيس محكمة التمييز) (وهو قاض مشهور بنزاهته) تشكيل حكومة الانتخابات هذه .
الانتخابات:
جرت الانتخابات بعد أن تشكلت الأحزاب، وأعطيت المهلة اللازمة والحق القانوني في الدعاية الانتخابية، بهدوء وبدون أحداث.وكان وزير داخلية حكومة الانتخابات هو السيد (عمر مطر)، وهو إداري قديم ووزير سابق لعدد من المرات ولم يكن تعينيه وزيراً للداخلية في حكومة الانتخابات دون هدف، بل من أجل ضبط نتائجها بإسلوب فني يتوافق ورؤية (صانع القرار السياسي). ففي هذه الانتخابات لم يسمح للجيش والأمن العام بالاشتراك فيها. وكان عدد أعضاء مجلس النواب في حينه أربعين نائباً موزعين بالتساوي بيمن فلسطين وشرقي الأردن. وكانت نتائج الانتخابات على النحو التالي:
أ- الحزب الوطني الاشتراكي 16 نائباً
ب- الحزب الشيوعي الأردني نائبين
ج- حزب البعث العربي الاشتراكي نائبين
د- الجبهة الوطنية نائبين
و- حزب التحرير الإسلامي نائب واحد

وكانت بقية الشخصيات مستقلة بينهم الأستاذ هزاع المجالي، وهو من شخصيات الحزب الوطني الاشتراكي التي فازت والأستاذ عبد الحليم النمر الحمود العربيات نائب رئيس الحزب والأستاذ حكمت المصري والأستاذ شفيق الرشيد،أما رئيس الحزب الأستاذ سليمان النابلسي فقد أخفق في الحصول على مقعد في مجلس النواب عن مدينة عمان ومثل حزب البعث العربي الاشتراكي الأستاذان عبد الله الريماوي وكمال ناصر وكلاهما عن منطقة رام الله وفاز الأستاذ فائق وراد والدكتور يعقوب زيادين عن الحزب الشيوعي الأردني. الأول عن منطقة رام الله والثاني عن مدينة القدس، وقد نجح الدكتور يعقوب زيادين الذي كان له عيادة طبية في المدينة وهو من بلدة السماكية في محافظة الكرك،من خلال تحالف قوي بين الأقلية الأرمنية وآل "نسيبه" إضافة إلى التأييد الكامل من الحزب الشيوعي. وقد مثل الجبهة الوطنية الأستاذ عبد القادر الصالح عن محافظة نابلس والأستاذ جودت المحيسن عن مدينة الطفيلة. أما ممثل حزب التحرير الإسلامي فقد كان الشيخ المجاهد (أحمد الداعوق) عن مدينة قلقيلية.
لقد كانت الانتخابات قياساً إلى انتخابات عام 1954 وكل ما سبقها من انتخابات جرت في الأردن، يمكن اعتبارها بحدود عالية نزيهة إلى حد كبير وتمثل الواقع في حينه وحدث التزوير في مواقع محددة وكان فنياً وغير واضح. أما الديمقراطية بمعناها العملي والتي تعني حكم الشعب بواسطة ممثليه (أو منتخبيه دون تزييف أو تزوير أو تدخل) والتي تجعل من مجلس النواب مصدراً لكل السلطات فأين نحن من ذلك، الجداول الانتخابية تملأ بالأموات، والدوائر الانتخابية تقسم حسب رؤية السلطة لمصلحتها إلى بدو شمال وبدو وسط وبدو جنوب، مدن المملكة الكبرى مثل عمان والزرقاء وفيهما أكثر من ثلث سكان المملكة تتساوى في التمثيل مع مدن ومناطق المملكة الأخرى، وحتى تصبح نوايا العهد الجديد الديمقراطية - جلية وواضحة للإنسان المسيس والعادي، استدعى الملك حسين الأستاذ سليمان النابلسي رئيس حزب الأكثرية وكلفه بتشكيل حكومته الديمقراطية، والأستاذ سليمان متخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت سياسي وطني بارز صار وزيراً اكثر من مرة، شكل في فترة أثناء حكم الملك عبد الله نقطة التقاء لبعض المثقفين في الأردن كان لها نشاط سياسي محدود يمكن اعتباره معارضاً في مرحلة ومهادناً في أخرى، ليس له عقيدة سياسية محددة وهو في حقيقته ابن الواقع غير القادر على تطويره وإنهاضه. ولا يمكنني أن أنسى أن هذا السياسي البارز الكريم جاهد جهاداً حقيقياً من أجل إطلاق سراحنا نحن البعثيين الأردنيين المسجونين في سورية (دون محاكمة) بعد تولي الفريق حافظ أسد السلطة، وسأذكر باحترام دائم أنه أمضى ليلة كاملة وهو مريض بالمرض الذي قضى به ينتظر مقابلة الرئيس السوري الذي كان يزور عمان،ليطلب منه إطلاق سراحنا،ولكن الرئيس السوري لم يستقبله وهكذا تجري الأمور في هذا الوطن (تهزل فيسومها كل مفلس) .







 
رد مع اقتباس