حوار مع الشاعر محمد سعد بيومي
سيظل الشعر العمودي المنهل الأول لكل شاعر مجدد
حاوره: أ.د. حسين علي محمد
*أنت أحد شعراء الموجة الجديدة، فما رأيك فيما يكتبه أبناء جيلك؟
-يوحي وضع السؤال بتداعيات يُثيرها لفظ "الموجة" لا محل للتعليق عليها الآن. أما فيما يختص بإنتاج أبناء جيلي فإنني أريد أن أنوِّه أولاً وقبل الشروع في الإجابة أن لكل جيل موهوبيه، وفيه أيضاً المدّعون. وأنا أستثني المدّعين عند الحديث والإشارة إلى أبناء جيلي.
ويرتكز حديثي على ثلاث نقاط:
أولا: الإنتاج من ناحية الكم.
ثانيا: الإنتاج من ناحية الكيف.
ثالثا: الإنتاج من ناحية التعايش الاجتماعي، والخروج من دائرة الذات.
أعود للنقطة الأولى: أمامنا مساحة زمنية تُقدَّر بأكثر من ثلاثين عاماً أبدع فيها روّاد الشعر الحر: نازك الملائكة، وبدر شاكر السياب، وصلاح عبد الصبور، وعبد الوهاب البياتي، وخليل حاوي، وعبد الرحمن الشرقاوي، ومحمود حسن إسماعيل، وأجيال متعاقبة: محمد إبراهيم أبو سنة، وأمل دنقل، وبدر توفيق، ومحمد عفيفي مطر، ومحمد أبو دومة، وعز الدين إسماعيل، ومحمد مهران السيد، وأحمد سويلم، وحسين علي محمد، ومحمد صالح الخولاني، ومفرح كريم، وصابر عبد الدايم، وأحمد زرزور، وأحمد فضل شبلول، ومحمد فهمي سند، ودروبش الأسيوطي، وصلاح اللقاني، ومنير وليد، وعصام الغازي، وفوزي خضر، ومحمد سعد بيومي.
وإذا استثنينا الرواد فإن لكل شاعر سبق ذكره إنتاجاً يستحق الدراسة والتأمل، قرأناه خلال الأعوام العشرة الماضية.
ثانيا: الكيف والتوسل:
*لنعترف بأن الغموض في الشعر الحديث مبعثه ثقافة العصر، ومبعثه أيضا بدء الشاعر عمله (قصيدته) من نقطة مجهولة في محاولة لاستكشاف المجهول بخيال يحرِّكه الفكر والوجدان .. بداية غامضة تستكشف (برحلة ثقافية خيالية، وجدانية، تأملية). هكذا هي القصيدة الحديثة لا تكشف لك عن نفسها منذ القراءة الأولى، لكنها يجب أن تنأى عن الإبهام، وهذه سمات نلمحها في القراءة للشعراء المذكورين.
*ولهؤلاء الشعراء أيضا لغة هي لغة الواقع المعيش، ولم يعودوا يُفرِّقون بين لغة شعرية ولغة غير شعرية، فكل اللغة ملك لهم مادامت تؤدي الأداء المعبر عن الفكر والإحساس والتخيل في إطار الواقع المعيش.
*ولهؤلاء الشعراء أيضا مضامين اجتماعية وتجارب ممتدة ومتشعبة في جذور مجتمعهم تنطق بالحيوية والدراما والجدل والمعاناة.
*كما وأنني أريد أن أنوه أن من بين هؤلاء من اتضحت رؤيته اللغوية، وأخص محمد إبراهيم أبو سنة، ومحمد أبو دومة، ومحمد مهران السيد، وأحمد سويلم، وحسين علي محمد، ومفرح كريم، ونصار عبد الله، ومحمد سعد بيومي، ومحمد صالح الخولاني، وصابر عبد الدايم، وعبد الله السيد شرف.
*ومن هؤلاء من بلغ حد التميز في الفنية (وضوح الرؤية، تكامل البناء والبنية في القصيدة). أضف إلى المذكورين في وضوح الرؤية اللغوية (أحمد فضل شبلول، ووليد منير، ودرويش الأسيوطي، وفولاذ عبد الله الأنور، وفوزي خضر، وعصام الغازي، وأحمد زرزور، وجميل محمود عبد الرحمن).
ثالثا: الإنتاج من ناحية التعايش الاجتماعي والخروج من دائرة الذات:
أحيل القارئ للدواوين الشعرية التي أخرجها هؤلاء الشعراء، ومنها: السقوط في الليل، وثلاثة وجوه على حوائط المدينة، وشجرة الحلم، للشاعر حسين علي محمد، وبوح العاشق لمفرح كريم، والخروج إلى النهر لأحمد سويلم، ورحلة آدم لمحمد سعد بيومي، والصراخ في الآبار القديمة، وقلبي وغازلة الثوب الأزرق، وحديقة الشتاء لمحمد إبراهيم أبي سنة، ومسافر إلى الله لأحمد فضل شبلول، والعروس الشاردة لعبد الله السيد شرف، وأغنية لسيناء للشعراء: فوزي خضر وصلاح اللقاني ودروبش الأسيوطي وعصام الغازي، وإنتاج محمد إبراهيم أبي سنة وأحمد سويلم ومحمد مهران السيد في المسرح الشعري .. والمنشور من أشعار المذكورين عند إجابة السؤال الأول يُدرك تماماً أن الشعر دخل دروب المجتمع المختلفة، ويدرك تماماً ان الشعر الحر انطلق انطلاقة هائلة ليعبر في سلاسة ويُسر عن هموم الإنسان في كل بقعة من بقاع العالم.
*ما موقفك من الأجيال السابقة؟ وما علاقتك بالشعراء المبدعين في مصر عموماً؟
-سؤالك الثاني ذو شقين: الشق الأول موقفي من الأجيال السابقة .. ولقد سبق وأعلنت هذا الموقف في كتاب "أدباء الجيل: نحن موقف" للقاص محمد الراوي، وقلت فيه بالحرف: "إن أي شاعر أراد أم لم يرد قد تأثَّر بدرجات متفاوتة بالشعر الكلاسيكي، وسيظل هو المنهل الأول لكل شاعر .. والشعر القديم يُمثل النبع لبناء اللغة الشعرية والموسيقا، ومصدراً لاستنشاق الروح العربية منذ آلاف السنين، وأية محاولة على غير هذا الأساس ستكون بلا أعمدة، فالتراث لا يُمكن إغفاله، وإننا حين نكتب الشعر الجديد لا نتصوّر أننا نبني من فراغ، فنحن لا نسحق حضارة لنُقيم على أنقاضها حضارة جديدة" .. وموقفي من روّاد الشعر الحر موقف المتقدم والمضيف الرائي بضوء مشاعلهم.
الشق الثاني: علاقتي بشعراء جيلي، أنت تعرف أنني مكب دائماً على قراءة ما أبدعوا في الدوريات والدواوين، بل وأكتب عنهم الدراسات النقدية، ومن تابع "الكاتب" وإذاعة البرنامج الثاني (برنامج "بريد المستمعين" الذي لفظ أنفاسه سنة 1976م) أدرك أنني قدمت عرضاً ونقداً لأعمال الشعراء حسين علي محمد، وفوزي خضر، ومنير وليد، ودرويش الأسيوطي، وصلاح اللقاني، وعصام الغازي. كما وأنني مغرم بقراءة القصائد الجيدة لهؤلاء الشعراء في ندوات "صالون الربيع" ببورسعيد والأمسيات الشعرية المختلفة.
*ما موقف النقد منك ومن جيلك؟
-وإن كنت قد قدّمت أعمالي في كثير من الدوريات في مصر والوطن العربي، وأخرجت ديواناً شعريا هو "رحلة آدم" سنة 1980م إلا أنني لم أحظ بدراسات نقدية. ولقد قدّم بعض الشعراء دراسة عني، فكتب حسين علي محمد دراسة في مجلة "الثقافة الأسبوعية" السورية بعنوان "طائر البحر"، وقدّم أيضا الشاعر السوري مصطفى النجار دراسة عني بعنوان "محمد سعد بيومي شاعر البحر" في مجلة "الثقافة الأسبوعية" السورية، كما قدّم الأديب أحمد زلط دراسة عن ديوان "رحلة آدم" في مجلة "صوت الشرقية"، وقدّم أحمد رشاد دراسة أخرى عن "رحلة آدم" وهي مخطوطة عندي، ولم تُنشر بعد. كما قدّم الأديب فتحي الإبياري فصلاً عن أشعاري في كتابه "نبضات القلوب وأدباء الأقاليم" مختاراً لعنوان الفصل "أهدهد القلب بومضة الأمل"، وهي جملة شعرية من إحدى قصائدي.
وموقف النقد من أبناء جيلي مازال يعوزه الكثير من الاهتمام خاصة من قبل أساتذة متخصصين، أمثال: د. جابر عصفور، ود. صلاح فضل، ود. علي عشري زايد، ود. نعيم عطية، ود. أحمد هيكل. وإن نال بعض الشعراء بعض ما يستحقه من اهتمام نقدي، مثل الشاعر الصديق حسين علي محمد، حيث قدّم عنه الدكتور علي عشري زايد دراسة تتصدّر ديوانه "شجرة الحلم"
*لماذا لم يشتهر في جيلكم شاعر مثل صلاح عبد الصبور في الجيل الأول (من شعراء التجديد) وأمل دنقل في الجيل الثاني؟
-ظهر صلاح عبد الصبور كشاعر رائد من روّاد الشعر الحديث، وهو صوت جديد متفرد، مثقف، يعرف أكثر من لغة، وهو موهبة أصيلة .. وأضاف تجديداً إلى ميدان الشعر والشعر المسرحي بالذات، وأظنك تذكر أنه أوّل من قدّم الواقعية في مسرحنا الشعري "مسافر ليل".
حتى وإن غلبت على كثير من شعراء جيلي نزعة درامية إلا أن القليل منهم من دخل مجال المسرح الشعري (محمد إبراهيم أبو سنة، ومحمد مهران السيد، وأحمد سويلم) ويرجع سبب ظهور أمل دنقل إلى إثارته التي أثارها الهجاء في شعره السياسي، مع واقعيته، وبساطة لغته، ناهيك عن التركيز الذي ناله من قبل الدراسات النقدية الإعلامية.
وأحب أن أقول: إن لدينا أصواتا شعرية قوية، فقط تريد فرصة في النشر والنقد، أذكر منها على سبيل الأمثلة: حسين علي محمد، وصابر عبد الدايم، ومحمد سعد بيومي، وأحمد فضل شبلول، وسناء الحمد بدوي، وعبد الكريم رجب، وعادل يني، وعبد الله السيد شرف، ومحمد صالح الخولاني، وفوزي خضر، وعصام الغازي، ودرويش الأسيوطي، ومنير وليد، ومفرح كريم، وعلي عبد المنعم.
*ما رأيك في نشرات الماستر التي يُصدرها أبناء جيلك؟
-نشرات الماستر سلاح ذو حدين؛ فبفضل سهولة تقديم أعمال "الماستر" أصبح لكل من يملك قرشاً ديوان مطبوع!، ولهذا رأينا كثيراً من المطبوعات الغثة والتي لا تُساوي ثمن ما دُفِع في ثمن المداد الذي كُتِبت به. أسماء كثيرة سمعنا عنها لم ترسخ تجربتها، إغراها بريق الشهرة، وهذا هو الحد الخطر.
وفي الجانب الآخر رأينا أن "الماستر" قدم لنا سلسلة "أصوات معاصرة" التي يُصدرها ويُشرف عليها شعراء محافظة الشرقية: حسين علي محمد، وصابر عبد الدايم، ومحمد سعد بيومي، ويشترك معهم فيها شاعر الغربية: عبد الله السيد شرف. وقد قرأنا فيها نتاج أكثر من عشرين شاعراً على مستوى مصر والعالم العربي.
كما قرأنا من خلال "الماستر" أعمال جماعة "فاروس" و"أقلام الصحوة" بالإسكندرية، ورأينا أعمال "الكلمة الجديدة" بالسويس، وأعمال مديرية الثقافة بدمياط، (وأحب أن أُسجِّل إعجابي بنشاطها وفتحها الجسور محليا وعلى مستوى مصر، وتقدم "مطبوعات رواد" و"رواد" و"عروس الشمال"، إنه مجهود ضخم حقيقة).
*هل هناك جيل في مصر يتخلق الآن من المبدعين؟
-حقيقة يوجد ويتخلق جيل معطاء: في النقد د. جابر عصفور، ود. علي عشري زايد، ود. صلاح فضل، ود. طه وادي، ود. نصر حامد رزق، ومحمد قطب، ومحمد إبراهيم أبو سنة، وفاروق شوشة، ود. محمد أحمد العزب، ود. علي عزت، ومحمد الراوي، وحسين علي محمد، ووليد منير، ود. صابر عبد الدايم، ومحمد سعد بيومي، وسناء الحمد بدوي، وفؤاد طلبة.
وفي الشعر الأسماء التي ذكرت عند السؤال الأول.
وفي القصة: محمد الراوي، ومحمد حسن الشرقاوي، وبهي الدين عوض، والسيد عبده النعناع، وقاسم مسعد عليوة، وأحمد زلط، وعنتر مخيمر، وفؤاد طلبة، وسعيد سلام، وأحمد نوح، وصلاح عبد السيد.
وفي المسرح: محمد أبو العلا السلاموني، ومحمد طه (بورسعيد)، وأحمد أبو النور (بورسعيد)، وفؤاد طلبة، وسعيد سلام.
*لو طلبنا منك اختيار عشر قصائد تمثل صورة الشعر الحر في مصر، فهل تذكر لنا هذه القصائد؟
-عشر قصائد تمثل صورة الشعر الحر في مصر:
1-شجرة الحلم، لحسين علي محمد.
2-التكوين الثاني، لمحمد سعد بيومي.
3-قصيدة لحن، لصلاح عبد الصبور.
4-ثأر قديم، لمحمد عفيفي مطر.
5-الظل الأخضر، لصابر عبد الدايم.
6-النفخ في الصور، لمفرح كريم.
7-غريبان: قلبي وهذي البلاد، لمحمد إبراهيم أبي سنة.
8-جنية النهر، لمحمد صالح الخولاني.
9-أنشودة في معبد الشمس، لأحمد سويلم.
10-السبط الثالث عشر، لمحمد مهران السيد.
*ما تقييمك لحركة الشعر الحر في مصر بعد ثلث قرن؟
-أحيلك لإجابة السؤال الأول.
*ما رأيك في مقولة "جيل بلا أساتذة" التي طرحها محمد حافظ رجب في الستينيات؟
-رأيي أن مقولة "جيل بلا أساتذة" التي أطلقها القاص محمد حافظ رجب ـ قد فُسِّرت تفسيراً خاطئاً؛ فمحمد حافظ رجب ليس ساذجاً ليُعطي انطباعاً بأنه لا فضل لأحد عليه خاصة من أجيالنا السابقة .. فهو يعرف تماماً ما لتراثنا ولتراث الإنسانية جمعاء من فضل علينا وعلى الأجيال التي تعقبنا، لكني من قراءة أعمال محمد حافظ رجب (وبخاصة "مخلوقات براد الشاي المغلي") أُدرك ويُدرك الآخرون أنه يكتب القصة بأسلوب يراه هو جديداً ومبتكراً وغير مسبوق إليه، وأعتقد أنه محق في مقولته. لكنني كشاعر أختلف تماماً معه، فأنا لا أُنكر ريادة صلاح عبد الصبور ونازك الملائكة وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب خاصة في تفكيك رتابة (صدر البيت وعجزه)، وريادة صلاح عبد الصبور في المسرح الشعري الواقعي.
*هل لديك أقوال أخرى؟
1-أريد أن أرى مجلة أدبية يُحررها أدباء الأقاليم، وتُمثَّل فيها محافظات مصر المختلفة.
2-أن يُشرف على أبواب الأدب في المجلات الإقليمية أدباء جادون.
3-أن تحتضن الدولة مجلات رائدة في الأدب "كأصوات معاصرة" بالشرقية.
4-يُعطى المزيد من الاهتمام لمجلات "كالشعر" و"الثقافة" الشهرية، و"الجديد"، كما أطالب بعودة مجلة "الكاتب"، والنظر في ثمن مجلة "فصول".
5-الاهتمام بإنتاج الأدباء الجادين والتي تضمنها هذا الحوار.
6-تحية خاصة لجريدة "القناة" ولرئيس تحريرها سناء الحمد بدوي، لدوره النشط في مجال الأدب، داخل محافظة الإسماعيلية.
........................................
*نشر في صحيفة "الوطن"، سلطنة عمان ـ 1982م.