الموضوع: محمد سعد بيومي
عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 03-01-2010, 10:43 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: محمد سعد بيومي

(3)
أما التصعيد الأخير في مسيرة أحداث المسرحية فكان عندما حاولت شمس قتل الضبع فتصدى لها سالم ليقوم هو بهذه المهمة انتقاما لنفسه ، وشفاء لغليله لما لقي من الضبع ..
= بناء الشخصية في المسرحيـــة :
أول ما يمكن أن يلاحظ على بناء الشخصية في مسرحية " الغائب والبركان " أنها كادت تأتي جميعها متوازنة ومتساوية من حيث الأدوار التي حددها لهم المؤلف وأدوها فيها وإن بدا في بعضها في أحيان نادرة شيء يسير من التفاوت على نحو ما حدجث لشخصية سالم مثلا في المشهد الأخير من المسرحية عندما أصر على أن يقوم بدور رئيس ومهم بتطوعه وإصراره على قتل الضبع دون شمس .. ذلك أن الشاعر بنى مسرحيته على فريقين متقابلين : فريق الصابر وفريق الضبع ؛ أما فريق الصابر فكان شخوصه الزوجة شمس والابن زاهر والابنة زهرة والخال نور وابن الخال نادر وعبد الله الصابر الزوج وحياة أمه أو الجدة ؛ وكان فريق الضبع مكونا من " الضبع " الذي كان أبرز الشخوص ـ أو الشخصية الرئيسة بصفته مدبر جريمة قتل عبد الله الصابر ، إضافة إلى ممارساته العدوانية تجاه الأم / الجدة حياة للاستيلاء على ما لديها من مال بعد قتل ابنها والاستيلاء على القصر وهروب شمس من وجهه .. وهكذا يبدو الضبع الشخصية الرئيسة في المسرحية من هذا الجانب .. حتى إذا احتدمت الأحداث وتتابعت وتوزعت على بقية الشخوص ألفينا الضبع يتساوى مع غيره من الشخوص منذ البدء وحتى الختام .. وهذا ما يجعلنا نرى في بناء الشخصية في هذه المسرحية شيئا ظاهرا من التساوي والتماثل وعدم التميز الذي يجعل من بعض الشخوص شخوصا رئيسة أو محورية ، ومن بعضها الآخر شخوصا ثانوية ..
على أن بناء المسرحية بهذا الشكل حرص على إيجاد الفوارق المتنوعة بين شخوصها فجعل من بعضها شخوصا رئيسة ، وجعل من بعضها الآخر شخوصا ثانوية .. ولكنها سرعان ما تواصلت مع غيرها لتثبت وجودها الرئيس في مسيرة الأحداث والوصول إلى النهاية .. وبعبارة أخرى نستطيع ـ ربما ـ أن نقرر ما أسلفناه منذ قليل ما يتعلق بطبيعة الشخوص في هذه المسرحية وما يميزها من تساو وتماثل ظاهرين ..
أما شخوص فريق الصابر فكانوا قسمين : قسم محوري وأساسي وهم شمس وزاهر وزهرة ونادر.. وهؤلاء تساوت ملامحهم وتماثلت أدوارهم وتحركاتهم على خشبة المسرح وإن تأخر ظهور بعضهم حينا من الدهر " نادر" الذي ظهر في القصر في أثناء الصراع مع الضبع والرغبة في الانتقام منه ، ثم تلاهم الخال نور من خلال المهمة التي نفذها وهي إنقاذ أفراد فريق الصابر في النهاية .. أما عبد الله الصابر فقد كان ظهوره في أثناء مواجهة الضبع لوضع حد لتصرفاته العدوانية على الأم حياة وإيقاف ابتزازه المستمر لها ..حتى تم قتله على يد رجال الضبع بعد أن أعيته الحيلة في إبعاده عن طريقه .. وقد جاء دور عبد الله الصابر وظهوره في المسرحية في نهايتها عقب استرجاع مصاغ الجدة حياة .. وإن سبقت الإشارة إلى هذا الأمر عند كشف حقيقة غياب الأب بعد إصرار زاهر على معرفة الحقيقة ..
كذلك جاءت شخوص فريق الضبع قسمين : شخوص رئيسة وهي الضبع وسالم ، وثانوية وهم المقنعون من رجاله الذين كانوا أدوات تنفيذ لجرائمه وتصفية خصومه .. وظلوا على هذه الحال إلى أن جاءت فرصة الخلاص منه عبر المساومة التي دارت بينه وبينهم لتخليصه وإنقاذه مقابل ثروته .. كما أن المؤلف قسم المقنعين قسمين : فريق فاز بالمال ، وفريق أبقاه في مراقبة الضبع قبل أن يقرروا مغادرة القصر للحوق بفريق الثروة ..
وهذا قد يعني أن المؤلف وقف بأحداث مسرحيته عند نقطة النهاية للقضية الرئيسة التي أقام عليها المسرحية وطرحها فيها وهي الثأر والانتقام من الضبع لقتله عبد الله الصابر .. وعلى الرغم من تحقق هذه الغاية وإن تم على يد سالم ، فقد أراد المؤلف لمسرحيته أن تحمل غاية أخرى تتمثل في القضاء على كل من كان على شاكلة الضبع ورجاله الأشرار الذين يعيثون في الأرض فسادا ويروعون الآمنين وينشرون الشر والأذى بينهم .. ولذا جاء صراخ فريق الصابر في ختام المسرحية يجسد هذه الغاية وهم يرددون في غيظ وحسرة وأسف ورغبة في الانتقام من كل المجرمين أمثال الضبع ورجاله :
السارق والقاتل ما زالا في الأرض طليقين
المجرم ما زال طليقا
المجرم ما زال طليقا ! (6
أما الملامح التي حاول الشاعر المؤلف التركيز عليها في بناء شخوص المسرحية فكانت كذلك محدودة ومتميعة وغير حاسمة وغير فعالة في أطرها التي حددها لها .. ولأنه رصدها في موقف محدد جاءت ثابتة وغير متنامية أو متطورة ، وذلك أن الحدث في المسرحية كان يسعى إلى تحديد ملامح الشخوص لعنايته بالحدث فيها وما يمكن أن يتبعه من تطوير وتصعيد لبلوغ النهاية أو لحظة التنوير .. ومن هنا جاءت ملامح شخصية كل من شمس وزاهر وزهرة ونادر ونور(فريق الصابر) واضحة ومحددة .. بل إننا نجد أبرز ملامح شخصة زاهر وزهرة مثلا إجادة رياضة الكاراتيه والجودو .. وهذا قد يوحي إلى القارئ أنهما سيقومان بدور رائع ومتميز في إطار هذه الرياضة الحاسمة في الصراع الشخصي أو القتال الفردي وما يتوخاه من الدفاع عن النفس .. ومثل هذا التفوق الذي تحقق لهما فيها قد يوحي من جانب آخر إلى المتلقي أو القارئ بما سيقومان به من دور فعال في توجيه أحداث أو الحدث في المسرحية من خلال هذه الرياضة المتميزة .. بيد أن المؤلف تناسى كل ذلك من أجل أن يحدث تصعيدا وتطويرا مفاجئا في حدث المسرحية وتشريقا يشد المتلقي عندما جعل المقنعين ـ الذين يمكن أن تكون رياضة الكاراتيه والجودو من أساليب القتال التي يتدربون عليها ويحرصون على حذقها لمواجهة مختلف الظروف ـ يتمكنون من فريق الصابر ويعطلون قدراتهم الخاصة والمتميزة في رياضة الكاراتيه والجودو .. على أن ذلك يمكن أن يكون من قبيل حرص المؤلف على البناء الواقعي المحتمل لحدث المسرحية ..
= ا لإخراج والديكـــور :
يشكل الإخراج والديكور مظهرا أو جانبا مهما ورئيسا من جوانب العمل المسرحي لما يؤديه من وظيفة التعدد المكاني والزماني المناسب لتطورات الحدث في المسرحية ، وكذلك التطوير النفسي المصاحب لبعض الأحداث والشخوص .. والملاحظ أن المؤلف في هذه المسرحية قد حرص حرصا بالغا على وظيفة الإخراج المسرحي وتشكيلات الديكور المناسبة لتطوير أحداثه وحركات شخوصه تمثلت بوضوح في عمليات توزيع الأضواء لتتواءم مع تطور الأحداث ومواقف الشخوص وفق مخطط نفسي دقيق وواع.. وقد كشف المؤلف عن هذا الأمر أو الجانب المهم في الإضاءة وهو يقدم مسرحيته حيق يقرر أن " الإضاءة تلعب دورا هاما في هذا العمل المسرحي الشعري؛ فسحب الإضاءة يشير إلى اغتيال اللحظة المشرقة ، ولتكثيفها مدلول ، ولمزجها مدلول ، ولبقائها مدلول ، في حالتي المزج والنقاء " . (5) وهو هنا يقسم الإضاءة ثلاثة أقسام : " سحب الإضاءة أو انزياحها من على خشبة المسرح " ؛ وهذا يكون عند الإعلان عن انقضاء مرحلة سعيدة أو بهيجة من الحدث لتحل محلها مرحلة أخرى مثقلة بالكآبة أو الحزن .. وهي بذلك تغدو إشارة إلى حدوث تغير نفسي أو حدثي مهم إلى الأسوأ .. والملاحظ أن المؤلف حرص على توزيع الأضواء على خشبة المسرح وفق ما تقتضيه الأحداث وتطورها ، ونجح في ذلك إلى حد كبير وإن لوحظ إغفاله للإضاءة في بعض الأحيان وفي مواطن كثيرة كانت تستدعي وجودها وفق الدرجات الضوئية التي قررها في نصه السابق كما في ص ص 27 ، 35، 51.. كما وجدناه في ص 45 يشير إلى خفض الأضواء الحمراء دونما إشارة سابقة إلى وجودها ..
كذلك استخدم المؤلف المؤثرات الصوتية وخاصة الموسيقية في جوانب من المسرحية للدلالة على تطور الحدث وتصعيده فيها ..
كذلك حظي الديكور بعناية محدودة من المؤلف وثابتا لكونه يتردد بين نموذجين ك نموذج خاص بمنزل آل الصابر في اللوحتين الأولى والثالثة ، ونموذج القصر الذي كان يقيم فيه الضبع ـ قصر الأم أو الجدة حياة الذي استولى عليه الضبع بع قتل عبد الله الصابر في اللوحات 2، 4، 5، 6 حيث دارت أغلب الأحداث في القصر ..
= الزمان والمكـــان :
للزمان والمكان أهمية بالغة في العمل المسرحي لارتباطه الوثيق بالأحداث وتطورها ، وكذلك بالنسبة للشخوص فيها الذين يقومون بالتردد ما بين الأزمنة والأمكنة فيها وفق ما يقتضيه تطور الأحداث .. ويلاحظ قارئ المسرحية أن الزمان في البداية دار حول عبد الله الصابر الذي طال غيابه ، أو قل المجهول المصير بالنسبة لزاهر وزهرة .. وهذا يعني أن الأم شمس لم تخبر ابنيها بموت أبيهما بل أوحت إليهما أنه مسافر منذ زمن ولم يرجع بعد وأنها ما تزال في انتظار عودته شأنها في ذلك شأنهما .. وهذا ما دعاهما إلى مواصلة التساؤلات عنه والإلحاح في ذلك لمعرفة الحقيقة .. وإن جاء موقف المؤلف سلبيا في هذا الجانب حيث غلّب احتمال العودة على احتمال الموت الذي لا رجعة منه كما توحي بذلك مناقشات وأحاديث الابنين وحوارهما منذ فاتحة المسرحية وما كان يوحي به من تفاؤل بعودته ولقائه واختفاء احتمال الموت وما يوحي به من انقطاع الأمل والرجاء في العودة واللقاء .. ونتيجة للتطور غير المنطقي الذي رأيناه في موقف زاهر من أمه وتهديدها بقتل نفسه بالسكين جاء تقريرنا عما في هذا المشهد من افتعال وانقطاع عندما وقعت لحظة المواجهة وهدد زاهر أمه بقتل نفسه إن لم تخبره بحقيقة أمر والده وسر غيابه الطويل . حتى إذا أخبرته كارهة بالحقيقة رأينا الزمان والمكان يتقدمان خطوة مهمة وأساسية وحاسمة عبر تدبير الانتقام والثأر من الضبع وإعداد الخطة المناسبة لذلك .. ثم بدأ تنفيذ الخطة . وفي قصر الضبع أخذ الزمان يتدرج عبر تطور الأحداث وأدوار الشخوص على نحو ما مرّ بنا حتى حانت لحظة النهاية بمصرع الضبع على يد سالم أحد رجاله لئلا تتورط شمس في هذه الجريمة فيطالها القضاء .. على أن الانفتاح الزماني في المسرحية يمكن أن نلحظه من خلال الجملة التي كررها فريق الصابر غبّ مصرع الضبع وهروب المقنعين من رجاله بالثروة :
" المجرم ما زال طليقا " !
لما توحي به من ضرورة الملاحقة والمتابعة للقبض عليه وتقديمه للمحاكمة للقصاص منه وإنهاء القضية وإقفال ملفها .. وهذا يوحي بإضافة زمن جديد تتم فيه هذه الأحداث ..
***
كذلك جاء المكان في المسرحية محدودا جدا وفق ما اقتضاه تطور الأحداث فيها بين مكانين رئيسين هما منزل آل الصابر، وقصر الجدة حياة حيث كان الضبع يقيم .. وقد كان منزل آل الصابر مسرحا لأحداث اللوحة الأولى والثالثة ، في حين جاء مسرح الأحداث أو مكانها في قصر الضبع في اللوحات الباقية 2، 4، 5، 6 .. كذلك يلاحظ قارئ المسرحية دور الديكور والمؤثرات الصوتية والإخراج والإضاءة في تشكيل المكان فيها ..
= ا لإ يقـــاع الموسيقي في المسرحية :
تقوم هذه المسرحية من أولها إلى آخرها على تفعيلة واحدة هي تفعيلة " الخبب " فعِلن " أو " فعْلن " مستغلا سائر تحولاتها الإيقاعية الممكنة ؛ هذا في إطار الحوار الدائر ما بين الشخوص في المسرحية .. أما فيما يتعلق بعبارات الإخراج والديكور والأضواء وتوزيع الأدوار بين الشخوص وترتيب الأحداث ، فقد جاءت كلها في أسلوب نثري بحت قصد المؤلف من ورائه إلى وضع فواصل دقيقة بين النص المصور للأحداث وتطويرها وأدوار الشخوص فيها وبين مظاهر الإخراج الفني .. مع أنه كان يمكنه أن يصوغ كل ذلك في إطار موسيقي دون أن تفسد بنية المسرحية على نحو ما فعل ويفعل كثير من كتاب المسرحية الشعرية كما هو مألوف .. ولا نستطيع نحن ولا غيرنا أن يفرض على المؤلف مثل هذا البناء الإيقاعي دون غيره إّ له مطلق الحرية والقصد في البناء الذي يرتضيه ..
بيد أن الذي يمكن أن نبديه نحن أو غيرنا هو التساؤل عن التزام المؤلف بتفعيلة واحدة في المسرحية وعدم التنوع في استعمال تفعيلات أخرى قد تكون أنسب لتطوير الأحداث والتغييرات التي تلحق الشخوص خلافا لكثير من الشعراء الذين نوّعوا في تفعيلات مسرحياتهم ، بل نوّعوا في إطار القصيدة الواحدة في كثير من الأحيان ؟
على أن هذا التساؤل يمكن أن يتجاهله المؤلف تماما ولا يجيب عنه لأنه حق خاص له ولا يمكن لأحد أن يفرض غيره عليه سواء اقتنعنا بتبريره إذا وجد ذلك التبرير أم لم نقتنع ..
(يتبع)






 
رد مع اقتباس