وإذا بحثنا عن الشعب في حوار الشخصين نجده ، مستكينا ، مغلوبا على أمره فالبطل يرى في (الشخص الثاني) القدرة على طمس معالم الشعب وملامحه ، ولا يقدر الشعب على مواجهة الشخص الشرير وكبح جماحه 0
الشخص الأول: إنَّك لَمْ تَسْكُتْ
وأظنَّك لنْ تُخَفَي جَشَعَك
هل أترك منكَ ذِئابَ الشَّهْوَهْ
تَأْكُلُ مَا صَادفها
وتُمَزقِّنَي
في خُطْوَتِها
سحُبُ الرَّغْوةِ أنْت
وهل أتركُ سُحْبَ الرَّغْبَةِ
تَطْمِسُ نبْتَ الأنهْارْ ؟ (22)
لماذا كان الشعب على هذه الصورة من الاستكانة ، وعدم القدرة على المقاومة والفعل ؟ والإجابة على ذلك أنه لا يشعر بالأمن أو الحب0 وحينما يشعر الشعب بافتقاد الأمن والحب يكون سلبيا ، وتستوي عنده الحياة والموت :
إن (ممثل الاتهام) و (القاضي) في لحظة مكاشفة يريان كل شيء على حقيقته 0 يريان الزيف والشقاء يغطيان كل شيء وهنا نصل إلى لحظة الانقلاب فى المسرحية.
ممثل الاتهام : فلنَنْسَ مُحَاكَمَة المَاثِلِ
في قَفَصِ المتهمينَ ولوْ بُرْهَهْ
ولنَتَحدَّثْ عن أنْفسُنَا
هل نَشْعُرُ بالمُتْعَةِ
رغمَ المالِ
ورغْمَ الأصحابِ
ورغْمَ المفتوحِ 000
من الأبوابِ
برغْمِ الميْسورِ
من الملْبَسِ
والمَسْكَن
والمَأْكَلِ ؟
القاضي : أصدقُكَ القَوْلَ
وأصْدُقُك الإحساسْ ؟
ممثل الاتهام : (يومئ بالإيجاب)
القاضي : (يواصل قوله)
إنّي أشْقَى النّاس
في نَظَري
الموْتُ أو العَيْشُ سَوَاءْ
ممثل الاتهام : لا نَشْعُرُ
بالحبِّ
ولا بالرَّاحةِ
أو بالأيامِ المِمْراحَهْ (23)
ومن ثم ، فموت البطل في هذه المسرحية نتيجة طبيعية لمثاليته وسلبية أفراد شعبه الذين يكتفون بالحزن على مصيره ، والفرجة على موته ، ولم يلتفوا حوله في حياته ليقاوموا معا جيوش القهر والظلام التي ترتدي لباس الثوار وشارة المناضلين 0
وكأن البطل يريد بموته أن يستجيش في نفوسِنا قوى اليقظةَ والتحفّز للدفاع عن الطهر والمثالية في حياتنا 0 والصرخة التي يطلقها (الراوي) في النهاية 0
لا تَنْتَظِرُوا الحُكْمَ سَرِيعا
فالمحكمةُ المغلولةُ لا تُعْطِى حَقّا
والمجرمُ مازالَ طَليقا (24)
هذه الصرخة الموجهة إلى المتفرجين من الشعب المغلوب على أمره تدعوه وتدعو في الوقت نفسه أصحاب الأهداف المثالية العليا أن يكونوا يقظين حتى لا تكون نهايتهم مأساوية كنهاية الشخص الأول، وحتى تستمر الحياة نقية جديرة بالحياة وحتى لا ينتصر الموت 0
ـــــــــــــــ
الفهرس:
(1) ألفريد فرج: المسرح السياسي والعرب، مجلة "التضامن" (لندن)، السنة 5، العدد 239، الصادر في 7/11/1987م، ص40.
(2) السابق، ص40.
(3) أصدر الشاعر محمد سعد بيومي (1944- …) ديوانا مشتركاً مع الشاعرين حسين علي محمد ومصطفى النجار بعنوان "حوار الأبعاد الثلاثة" ط1-مصر 1977م، ط2-حلب 1979م، كما أصدر ديواناً بعنوان "رحلة آدم" دار آتون، القاهرة 1980م، وديواناً بعنوان "نصغي ويقول الموج" بور سعيد 1987م.
(4) د. محمد مندور: الأدب ومذاهبه، ص167.
(5) السابق، ص167.
(6) محمد سعد بيومي: وينتصر الموت، كتاب "أصوات معاصرة"، العدد (11)، الزقازيق 1983م، ص11، 12.
(7) السابق، ص10.
(8) السابق، ص16.
(9) السابق، ص19.
(10) السابق، ص ص20-22.
(11) السابق، ص22.
(12) السابق، ص126.
(13) السابق، ص28.
(14) السابق، ص ص57-59، وعما قلنا : خطأ، والصواب "على ما ".
(15) السابق، ص59، 60.
(16) السابق، ص60.
(17) السابق، ص61.
(18) د. أحمد العشري: مفهوم البطل التراجيدي في المسرح المصري المعاصر، مجلة "فصول"، عدد أكتوبر 1981م، ص254.
(19) محمد سعد بيومي: وينتصر الموت، ص ص16-18.
(20) السابق، ص26، 27.
(21) كلام أصحاب الأقنعة ص 28، 29 من المسرحية، وقد سبق أن أوردناه في الفقرة (1) من هذه الفصلة.
(22) السابق، ص 14.
(23) السابق ، ص ص 49 - 51.
(24) السابق ، ص 61.