قراءة في قصيدة :
«اللامنتهى وتساؤلات أخرى»
لمحمد سعد بيومي(1)
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
تقول قصيدة "اللامنتهى وتساؤلات أخرى" لمحمد سعد بيومي:
1
سأتقنُ فنَّكمْ يوما
وإن قَطَرَ الفؤادُ دما
ألفتُكَ نبتةً شمَّاءَ تطوي ضلعَها ألما
ولا تشكو، ولا تبْكي،
ولا تأسفْ
فقل لي: ما هي الأشواقُ في نَظَرِكْ؟
وكيف تُضيءُ قنديلَكْ؟
2
بصفحتنا الحنينُ يُسابقُ الأنهارْ
ولكنَّ الشموخَ يُجفِّفُ الأوتارْ
ويطمسُ رغبةَ الأسفارْ
فحطِّمْني .. وعلِّمْني
سأجمعُ منْ حُطامي صحوةَ القادرْ
فما هو طينُكَ النَّادرْ؟
3
ركبتُ سفينتي الخضراءْ
وأبحرتُ ـ الغريقَ ـ إلى رُبا الأضواءْ
رأيْتُ بوجهتي عينيْكَ تجذبُني إلى اللامنتهى ..
وسرابُ أيّامي ..
يُغطِّي كلَّ أحلامي ..
بجرعةِ ماءْ!
وهلْ خلفَ السرابِ رُواءْ؟؟
4
وكان البحرُ متسعاً
وكانت رحلتي تعسةْ
أسيرُ، وكلما أوغلتُ في الأعماقِ تُغريني مفاتنُها
فتقتربُ السفينةُ عندها خلسةْ
وتلمحُني ..
فترجمني
.. بريحِ الصَّدِّ والإحجامْ
تدورُ سفينتي الخضراءُ في دوّامةِ المُرغَمْ
وتقصمُ في عُبابِ البحرِ مُرهقةً بلا شاطئْ
ولا أسلو الرحيلً، ولا أمَلُّ البحثَ عن شاطئْ
5
ويمضي العاشقُ الخاطئْ
ودمعاتُ الهوى الحرَّى
تُرافقُهُ خطى حيرى
وما زال الخضمُّ كعمقِ أعماقِ المحيطِ ..
ولم يزلْ بالجانبِ الدَّامسْ
يؤرِّقُهُ دُوارُ سفينةٍ عانسْ
سفينتُهُ تميدُ بقبضةِ المجهولِ، والتيَّارُ يجرفُها
إلى النائي، ويدفعُها
وبحرُ الشوقِ يبْلعُها
ولكنَّ السفينةَ لا تُسلِّمُ قطّ دفَّتَها
إلى الآفِلْ
وتمضي .. تعبرُ الآفاق ولْهى .. والهيامُ بجوفها يثْقُلْ
يلفُّ شقيةَ النظراتِ في ظمأٍ ولا تسألْ
6
وسارت رحلةُ العاشقْ
بلا قمرٍ ولا زهْرٍ ولا إشراقْ
ويعتزلُ البحارَ .. ويتركُ المحبوبَ في ..
برجِ الشموخِ يُكلِّمُ الأبعادَ حينَ تصيرُ ..
خاويةً بدونِ رفيقْ
أنا ملاّحُها الأوْحدْ
وأعلمُ أنَّني الأوحدْ
ولا أحدٌ يجوبُ بحارها غيري!
فهلْ تصمُدْ؟
فهلْ تصمُدْ؟
فهلْ تصمُدْ؟
*
هذه القصيدة (2) من بدايات محمد سعد بيومي التي تخطّاها الآن بشعره الذي يجمع بين روح الشعر في خياله المحلق وموسيقيته، وروح الدراما في صراعها وحوارها. أما هذه القصيدة فهي من القصائد الغنائية الثرة، التي نُلاحظ عليها أن البناء الدرامي فيها غير مكتمل، وهذا لا يعيبُها.
وإذا كانت الاتجاهات الحديثة في الشعر تجنح إلى الإشارة والتلميح، ولا تجنح للتعبير المباشر الصريح، فإن قصيدة "اللامنتهى وتساؤلات أخرى" تنجح في أن تؤثر فينا بملمحين هامين:
1-الموسيقية: حيث إنها تنساب في صوت موسيقي آسر، ولا يُمكن أن نُغفل دور الموسيقا في الشعر. ومهما اتجهت الدعوات المعاصرة ـ بدعوى الحداثة ـ إلى الابتعاد عن الموسيقا المنضبطة المتكررة، فسيظل الروح الموسيقي أهم ما يميز الشعر عن غيره من الفنون التي تتخذ من الكلمة أداة لها.
وفي قصيدة "اللامنتهى وتساؤلات أخرى" ترى الشعر الحر يقترب ـ أحياناً ـ اقتراباً حميماً من الشكل التقليدي، فالموسيقا منضبطة عنده لدرجة أن السامع ـ وليس القارئ ـ للقصيدة قد يظن في بعض أجزائها أنها من الشعر الخليلي.
وللموسيقا دور هام في القصيدة، إذ نراها تسمو بمشاعر المتلقي، وتُبعده عن اللحظات الخشنة (النثرية) التي يعيشها. وتمهِّد له أن يعيش لحظات مع واقعه الجديد داخل القصيدة التي يختلف عالمها وتكوينها ـ بالطبع ـ عن العالم النثري المعيش.
إن الموسيقا في الشعر الجيد لها دور هام، ليس هو دور التطريب بالقطع، ولكنه كما سبق أن أشرنا دور التمهيد للمتلقي كي يسمو عن اللحظات النثرية المعيشة، والتحليق إلى واقع خيالي أسمى من الواقع المعيش ـ إن صح هذا التعبير ـ هو واقع القصيدة التي سيعيشها المتلقي.
ب-الصورة الشعرية المتميزة: وهي الملمح الثاني في هذه القصيدة المترعة بالجمال . وإذا كان سانتيانا في كتابه "الإحساس بالجمال" يقول: "إن الخروج على المألوف في ميدان الذوق الجمالي يُوازي الاستقامة في ميدان الدين" فهو يعني أن على كل تجربة أدبية حقيقية متميزة أن تنحت لها لغتها، وشكلها، وجمالياتها الخاصة بها.
فماذا نرى في هذه القصيدة؟
الصور في القصيدة عادية، باستثناء تعبيرات مبتكرة قليلة في قوله:
ألفتُكَ نبتةً شمَّاءَ تطوي ضلعَها ألما
و: بصفحتنا الحنينُ يُسابقُ الأنهارْ
ولكنَّ الشموخَ يُجفِّفُ الأنهارْ
و: وتلمحُني ..
فترجمني .. بريحِ الصَّدِّ والإحجامْ
و: يؤرِّقُهُ دُوارُ سفينةٍ عانسْ
فهل كانت هذه التعبيرات الجديدة نبتاً طبيعياً لقصيدة جديدة حقا؟
إن التجربة في هذه القصيدة غائمة نوعاً ما؛ فالقصيدة تبدأ بنوع من المداهنة والصراع الداخلي بين الشاعر ونفسه يوشك أن ينتهي إلى حل "تلفيقي" أو "توفيقي"، وهذا ما ترفضه طبيعة الشعر / الثورة.
سأتقنُ فنَّكمْ يوما
وإن قَطَرَ الفؤادُ دما
ويمضي في التجربة فنعلم أن الكبر الزائف يقتل النبت الرقيق والأنغام الهامسة:
ولكنَّ الشموخَ يُجفِّفُ الأوتارْ
هنا ـ أمام هذا الكبر الزائف ـ تصبح الرحلة بلا نهاية، وتُصبح كل الأشياء والمُحاولات بلا جدوى:
رأيْتُ بوجهتي عينيْكَ تجذبُني إلى اللامنتهى ..
وسرابُ أيّامي ..
يُغطِّي كلَّ أحلامي ..
بجرعةِ ماءْ!
وهلْ خلفَ السرابِ رُواءْ؟؟
هنا يملك اليأس شغاف القلب، ولكن الشاعر لا يمل ولا ييأس، وينطلق:
سفينتُهُ تميدُ بقبضةِ المجهولِ، والتيَّارُ يجرفُها
إلى النائي، ويدفعُها
وبحرُ الشوقِ يبْلعُها
ولكنَّ السفينةَ لا تُسلِّمُ قطّ دفَّتَها
هنا نرى الإصرار على اجتياز هذه البحار والوصول إلى مرفأ الأمان، ولكن كم كنت أحب ألأ أقرأ قول الشاعر:
وبحرُ الشوقِ يبْلعُها
إن "البلع" معناه الانتهاء!
كان يمكنه أن يقول: وبحرُ الشوقِ يجذبُها، ونصل إلى نهاية التجربة حيث نصل إلى قوله:
أنا ملاّحُها الأوْحدْ
وأعلمُ أنَّني الأوحدْ
ولا أحدٌ يجوبُ بحارها غيري!
وهنا يُدرك القارئ ـ أو المستمع ـ أن هذه القصيدة كُتبت في الفترة العصيبة القاسية التي مرت بها أمتنا العربية بعد هزيمة يونيو 1967، حينما كان اليأس يغمر قلوبنا، والشاعر يُحاول من خلال نصه أن يُضيء شمعة في ليلنا الدامس، ولهذا رأينا الشاعر ـ وهو الصامد البطل طوال القصيدة وسط أمواج المهزومين ـ يشك في قدرته وحده على الصمود، ويُسائل نفسه وهو بين الرجاء والأمل:
فهلْ تصمُدْ؟
فهلْ تصمُدْ؟
فهلْ تصمُدْ؟
*
هذه القصيدة تجربة طيبة للشاعر محمد سعد بيومي، هذا الشاعر الواعد بعطاء ضخم في دنيا الكلمة الشاعرة، وأحسن ما في هذه القصيدة بالإضافة إلى موسيقيتها الآسرة: إصراره ورغبته في التعلم من أخطائه كي يجتاز محنته في قوله:
سأجمعُ من حُطامي صحوة القادرْ
وفي قوله:
أسيرُ، وكلما أوغلتُ في الأعماقِ تُغريني مفاتنُها
فتقتربُ السفينةُ عندها خلسةْ
وتلمحُني ..
فترجمني
.. بريحِ الصَّدِّ والإحجامْ
تدورُ سفينتي الخضراءُ في دوّامةِ المُرغَمْ
وتقصمُ في عُبابِ البحرِ مُرهقةً بلا شاطئْ
ولا أسلو الرحيلً، ولا أمَلُّ البحثَ عن شاطئْ
وفي قوله:
سفينتُهُ تميدُ بقبضةِ المجهولِ، والتيَّارُ يجرفُها
إلى النائي، ويدفعُها
وبحرُ الشوقِ يبْلعُها
ولكنَّ السفينةَ لا تُسلِّمُ قطّ دفَّتَها
إلى الآفِلْ
وتمضي .. تعبرُ الآفاق
إن هذه القصيدة تُظهر لنا بداية فنية لشاعر قادر على إثراء حياة الشعر العربي في مصر بلآلئ صادقة، تثري تجربتنا التي تفتقر إلى صوت خصب ـ في هذه الأجيال الجديدة مثل صوت محمد سعد بيومي.
.................................
الهوامش:
(1) نشرت هذه الدراسة في جريدة "الثقافة الأسبوعية"، دمشق، عدد 12 آب (أغسطس) 1978م.
(2) نشرت القصيدة في مجلة "الجديد" في 1/9/1973، ثم نشرت في ديوان "رحلة آدم"، دار آتون ـ القاهرة، يناير 1980، ص18، 19، ثم نشرت في مجلة "الشعر"، العدد (26)، أبريل 1982، ص61،62.