شعورٌ غريبٌ يعصفُ بحنايا روحي حين أنظر إلى هذه الكتلةِ الرّخوة بين يدي ّ, وارتعاشةٌ فريدةٌ تسكن أطرافي.. هل هذا حقا ابني ؟! يا للدهشة .. لكنه يشبه كل أولئك الأطفالِ الذين سبق لي أن شاهدتهم .. في بطاقات الإهداءات , في الإعلانات , وعلى الأرصفة في أحضان أمهاتهم .
ما الذي يميزه إذن ؟ لماذا هذا الحبُّ لعينيه المغمضتين ؟! وهذا الإجلالُ .. لحركاتٍ تصدر عن كفيه , يقوم بها بأصابع تكاد لا ترى .. وأمسك برفقٍ هذه الأنامل , أتحسسها , هل تسري فيها دماء ؟! هل تحتوي تماما ما يحتوي جسدي ؟! .. كيف له أن يكون تاما .. هذا المخلوقُ المسكينُ العاجز عن إذابةِ دهشتي !
ماذا لو ضاع مني في حشدٍ من رضّعٍ يشبهونه , برؤوسهم خفيفة الشعر , وأنوفهم الدقيقة , وروائحهم العبقة بعطورِ الأطفالِ المحببة .. هل أهتدي إليه ؟! .. يشبه كثيرا ذلك الطفلَ الذي أنجبته صديقتي بعد عملية قيصريةٍ كادت تكلفها حياتها , ويشبه أيضا ابنة قريبتي , التي اصطحبتها حين أتت تهنئني بالزواج .
لأفتش بعد .. لربما يشبهني في تفصيلٍ ما ! لربما ورث عينيّ الواسعتين , شفاهي الصغيرة .. أيَّ شيءٍ أستطيع أن أنسبه إليّ عبره ! .. لا شيء واضح بعد , لكنني أمتلئ بيقينٍ يقول : سأميزه .. من بين ألف شبيه .
هذا الصغيرُ بالكاد يتنفس , أجلس إلى جانبه , أنحني عليه واضعة أذني بقرب أنفه الملائكي , وأصغي .. لأتأكد من أنه على قيد الحياة , ليس معقولا أن ينام بهذا العمق ! أريده صاحيا , أريد اللهو معه , ربما به ! بيديه الشبيهتين بقطعتي حلوى من النوع الثمين .
أثناء الحمام أحتاج قدرا من القسوة , كي أقدر على حمله دون أن تحفرَ أصابعي في جسده الغضّ ! بكاؤه يدمي عينيّ , بل ويجعلني أشعر تجاه نفسي كما أحس حيال مجرمٍ لا يبالي بدموع ضحيته .
تثيرني ابتسامته الهادئة خلالَ نومه , ما الذي يمكن أن يجعل طفلا بعمرِ أيام .. يبتسم ؟! بل أية معجزةٍ هذه , وهل تتشكل الأحلام لديه بنفس الطريقة التي تجعلني أصحو مكدرة ً بثقلٍ في رأسي , ورؤوسِ أقلام ٍ في مخيلتي؟!ثم .. هل سيكون له أخٌ أو أخت ؟ ربما , ولكن .. سيأتي الأخ إلى الدنيا بذات الهيئة , وستكون له ذات الرائحة , فهل من المعقول أن أحبه بذات القدر ؟ .. هل من الممكن لعشقٍ كهذا أن يتكرر ؟! كم سأظلمه إذن .. إذا سمحت لنفسي بسحب امتيازاته , وتوزيع قلبي .. بينه وبين آخر !
الغريب أني لم أعد آبه بشيءٍ سواه , في السهرة وحين اجتماعنا مع بعض الضيوف حول المدفأة , كثيرا ما أنسحب خلسةً .. ليضبطني أحدهم متمددةً إلى جواره .. متأملة السقف وإصبعي محاطٌةٌ بتلك اليد تقبض عليها.
وعندما أنفرد به في أوقات النهار , تراودني كثيرٌ من الاستفهامات , كيف سيغدو في صيغته الأخيرة ؟ ماذا سيكون في المستقبل ؟! ربما طبيبا ناجحا , ربما شاعرا .. أو مقدما للبرامج , يستضيفني في أحدها لأتحدث عن خطوات نجاحه , تلمع عيناي بالفكرة فرحا .. أقترب لأتشممه بسعادةٍ هائلة .
ما من شيءٍ يثير اهتمامي الآن أكثر من حركةٍ جديدةٍ يأتي بها , ثم .. كلمةٍ جديدةٍ تتراقص على لسانه , ثم مهارةٍ جديدة يكتسبها . الدائرة تتسع , ألوانُ طيفٍ جديدة .. الأنف الصغير يتخذ لنفسه شكلا نهائيا معتدلا .. بل أقربَ إلى الضخامة , وقطعتا الحلوى الثمينتان .. تتحولان يدينِ تصنعان أكثر مما اعتدتُ صنعه .
لا يسألني في حيرةٍ عما يصادفه لأول مرةٍ كما فعل طويلا , يضحك في السرّ لأشياء لا أدري عنها , ينفصل مجددا عني , كما لم يفعل منذ الولادة الأولى !
يستبدل بصورتي , المحفوظةِ أعواما في محفظةِ جيبه , صورةً لصبيةٍ جميلةٍ تعرّف بها منذ شهرين .
يتصل بي بعد أعوامٍ من فرنسا , يهمي عليّ صوته الآسر: " اشتقتكِ , أرسلت لكِ مع صديقٍ وشاحاً فرنسياً يليق بأناقتك , اشتقتكِ جدا " , في ذات اللحظات التي أحيك فيها شالا صوفياً سميكاً لابنته التي أعرفها في الصور , وأودعه مكللا بدعواتي .....
وشاحكَ الفرنسيُّ ..ماذا أصنع به ؟!!