منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الْعَصَافِيرُ الْجَرِيحَةُ تَفِرُّ هَارِبَةً وَرَاءَ الْحُقُولِ
عرض مشاركة واحدة
قديم 16-12-2009, 02:47 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الدكتور/عزت سراج
أقلامي
 
الصورة الرمزية الدكتور/عزت سراج
 

 

 
إحصائية العضو







الدكتور/عزت سراج غير متصل


افتراضي الْعَصَافِيرُ الْجَرِيحَةُ تَفِرُّ هَارِبَةً وَرَاءَ الْحُقُولِ

الْعَصَافِيرُ الْجَرِيحَةُ تَفِرُّ هَارِبَةً وَرَاءَ الْحُقُولِ
قصة قصيرة من مجموعة
لَيْلَى تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى بَيْتِهَا
للشاعر الكبير الدكتور / عزت سراج
ـــــــــــــ
خَلْفَ مُسْتَشْفَى الْقَرْيَةِ الْقَدِيمَةِ يَخْتَبِئُ الصِّبْيَانُ مِنْ بَعِيدٍ يَتَرَبَّصُونَ تَحْتَ أَشْجَارِ الصَّفْصَافِ وَالْكَافُورِ الْمُمْتَدَّةِ بَيْنَ الْمُسْتَشْفَى وَحُقُولِ الْفُولِ الْخَضْرَاءِ 000
يُلْقُونَ أَحْجَارَهُمْ يَصِيدُونَ الْعَصَافِيرَ الْمُهَاجِرَةَ الَّتِي تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا فَوْقَ غُصْنِ شَجَرَةٍ لا تَسْتَطِيعُ فِرَارًا حِينَمَا يُحَاصِرُهَا الصِّبْيَانُ بِالأَحْجَارِ مِنْ فَرْعٍ إِلَى فَرْعٍ حَتَّى تَسْقُطَ حَتْمًا بَيْنَ أَرْجُلِهِمْ ، وَيُسْرِعَ أَحَدُهُمْ يَفْصِلُ رَأْسَهَا عَنْ جَسَدِهَا بِشَفْرَتِهِ الْحَادَّةِ فِي غَيْرِ رَحْمَةٍ 000
قَلِيلاً لا تَسْقُطُ إِحْدَاهَا ، وَتَظَلُّ مُحَلِّقَةً هَارِبَةً وَهِيَ تَنْزِفُ وَرَاءَ الْحُقُولِ الْبَعِيدَةِ بَحْثًا عَنْ فُرْصَةٍ لِلنَّجَاةِ لا تَجِيءُ 000
تَنْشَطُ نَهْلَةُ صَاعِدَةً دَرَّاجَتَهَا مُوَزِّعَةً بَسْمَتَهَا الْمُضِيئَةَ عَلَى أَبْنَاءِ الْحَيِّ الَّذِينَ وَقَفُوا مَدْهُوشِينَ مِنْ هَذِهِ الطِّفْلَةِ الْجَرِيئَةِ الَّتِي تَرْكَبُ دَرَّاجَةً لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاةِ الْقَرْيَةِ الْبَسِيطَةِ 000
غَيْرَ عَابِئَةٍ بِنَظَرَاتِ الْكِبَارِ الْحَانِقَةِ تَدُورُ حَوْلَ أَسْوَارِ الْمُسْتَشْفَى ، جَاذِبَةً فَرْعَ صَفْصَافٍ تَدَلَّى ، وَاقِفَةً تَارَةً فَوْقَ الدَّرَّاجَةِ ، وَتَارَةً أُخْرَى تَجْلِسُ الْقُرْفُصَاءَ فَوْقَهَا فِي خِفَّةٍ وَرَشَاقَةٍ تَكْشِفَانِ عَنْ أُنُوثَةٍ طَاغِيَةٍ تَنْتَظِرُ تِلْكَ الصَّغِيرَةَ عِنْدَمَا تَبْلُغُ وَتَكْتَمِلُ فِتْنَتُهَا 000
جُدْرَانُ الْمُسْتَشْفَى مُتَهَالِكَةٌ ، تَكَادُ تَسْقُطُ جَمِيعُهَا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ، وَالأَسْوَارُ الْقَدِيمَةُ مُحَطَّمَةٌ تَنْخَفِضُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ ، يَنْفُذُ مِنْ فَوْقِهَا الصِّغَارُ دَاخِلَ الْمُسْتَشْفَى بَعْدَ كُلِّ عَصْرٍ يَلْعَبُونَ الْكُرَةَ مُطْمَئِنِّينَ مِنْ مُغَادَرَةِ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ يَجْلِسُونَ خَارِجَ السُّورِ فَوْقَ الْكَرَاسِيِّ فِي انْتِظَارِ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرُ مُنْصَرِفِينَ بَعْدَ سَاعَةٍ إِلَى بُيُوتِهِمْ فِي سَلامٍ 000
000000
000000
000000
عَلَى بُعْدِ أَمْتَارٍ مَعْدُودَةٍ مِنَ السُّورِ يَرُشُّ أَبُو الْعُلا الْمِيَاهَ أَمَامَ الْمَقْهَى الصَّغِيرِ مُخَفِّفًا مِنْ حَرَارَةِ الشَّمْسِ كَاسِرًا أَلْوَاحَ الثَّلْجِ مُبَعْثِرًا قِطَعَهُ فَوْقَ صُنْدُوقِ الْكُولا 000
تَقِفُ أُمُّ نَهْلَةَ وَاضِعَةً بُرَّادَ الشَّايِ الْكَبِيرَ فَوْقَ الْمَوْقِدِ غَاسِلَةً الْفَنَاجِينَ وَالأَكْوَابَ تَصُفُّهَا صَفًّا فَوْقَ الرُّخَامَةِ أَمَامَهَا 000
يَتَوَهَّجُ خَدَّاهَا فِي حُمْرَةٍ لافِتَةٍ مِنْ صَهْدِ النِّيرَانِ حَوْلَهَا 0
تَصُبُّ الزَّنْجَبِيلَ الْحَارَّ وَالسَّحْلَبَ وَالْحُلْبَةَ بِالْحَلِيبِ وَالآنِسُونِ فِي الأَكْوَابِ الْمُتَلأْلِئَةِ الْمَوْضُوعَةِ فَوْقَ الصَّوَانِيِّ النُّحَاسِيَّةِ الصَّفْرَاءِ كُلَّمَا طَلَبَ أَحَدُ الْجَالِسِينَ الْمُنْهَمِكِينَ فِي لَعِبِ النَّرْدِ يَشْرَبُونَ النَّارَجِيلَةَ مُرْتَشِفِينَ لَسْعَتَهَا اللَّذِيذَةَ 000
يَرْتَفِعُ الدُّخَانُ مُعَبِّئًا أَنْحَاءَ الْمَقْهَى مَدْفُوعًا إِلَى الْخَارِجِ مِنَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ مُرْتَفِعًا وَرَاءَ الأَسْوَارِ 000
كَمِثْلِ فَرْعِ بُرْتُقَالٍ تَتَحَرَّكُ نَهْلَةُ فِي لُطْفٍ بَيْنَ الْكَرَاسِيِّ الْمَصْفُوفَةِ حَامِلَةً أَكْوَابَ الشَّايِ ، فَاتِحَةً زُجَاجَاتِ الْكُولا ، مُغَيِّرَةً أَحْجَارَ النَّارِ بَعْدَ حَشْوِهَا فِي عِنَايَةٍ 0
تَضُمُّ شَفَتَيْهَا الْمُمْتَلِئَتَيْنِ فِي سُمْرَتِهَا مَمْزُوجَةً بِحُمْرَةٍ دَاكِنَةٍ نَافِخَةً فِي الأَحْجَارِ حَتَّى تَتَوَهَّجَ جَمَرَاتُهَا مِنْ جَدِيدٍ 000
000000
000000
000000
يَجْلِسُ مَحْرُوسٌ بِزِيِّهِ الْعَسْكَرِيِّ فِي الْخَارِجِ عَلَى جَانِبِ الْمَقْهَى ، يَشُدُّ الْهَوَاءَ السَّاخِنَ كَاتِمًا الدُّخَانَ فِي فَمِهِ مُخْرِجًا بَقَايَاهُ مِنْ أَنْفِهِ فِي ارْتِيَاحٍ عَجِيبٍ 0
يَتَأَمَّلُ مَشْدُوهًا صَدْرَ نَهْلَةَ الَّتِي مَا زَالَتْ تَتَنَقَّلُ فِي بَرَاءَتِهَا بَيْنَ الصُّفُوفِ حَامِلَةً ـ فِي نَشَاطٍ ـ فَنَاجِينَ الْقَهْوَةِ 000
عَلَى غَيْرِ الْعَادَةِ يَبْرُزُ صَدْرُ الصَّغِيرَةِ بِنْتِ الْعَاشِرَةِ مُحْتَضِنًا يَمَامَتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ نَافِرَتَيْنِ فِي اشْتِيَاقٍ 000
كَشَجَرَةِ تُفَّاحٍ نَاضِجَةٍ قَبْلَ أَوَانِهَا تَبْدُو نَهْلَةُ وَأَعْضَاؤُهَا تَرْتَجُّ مُتَمَايِلَةً تَتَفَادَى أَجْسَادَ الْجَالِسِينَ الْمُقَهْقِهِينَ ضَارِبِينَ بِالأَوْرَاقِ فَوْقَ الطَّاوِلَةِ ، يَنْتَظِرُونَ أَنْ يَنْتَهِيَ الدَّوْرُ الَّذِي طَالَ لِيَدْفَعَ الْمَغْلُوبُ ثَمَنَ الْمَشْرُوبَاتِ 000
ـ اسْمَعِي يَا نَهْلَةُ !!
ـ نَعَمْ 0
ـ اشْتَرَيْتُ لَكِ الْيَوْمَ حَلْوَى لَذِيذَةً ، انْتَظِرِينِي بَعِيدًا عَنِ الْمَقْهَى لأُعْطِيَهَا لَكِ !!
ـ أَيْنَ ؟
ـ ارْكَبِي دَرَّاجَتَكِ وَانْتَظِرِي وَرَاءَ الْمُسْتَشْفَى!!
ـ لَكِنْ لا تَتَأَخَّرْ !!
تُسْرِعُ نَهْلَةُ مَسْرُورَةً بِقِطَعِ الْحَلْوَى الَّتِي تُحِبُّهَا وَيُحْضِرُهَا لَهَا مَحْرُوسٌ كُلَّمَا عَادَ مِنَ الْقَاهِرَةِ إِلَى الْقَاعِدَةِ الْجَوِّيَّةِ الَّتِي جُنِّدَ فِيهَا 000
تَسْنِدُ دَرَّاجَتَهَا تَحْتَ شَجَرَةِ كَافُورٍ ، تَجْلِسُ سَاكِنَةً فِي انْتِظَارِ أَنْ تَظْفَرَ بِكِيسِ الْحَلْوَى الْكَبِيرِ 000
كَمِثْلِ نَسْرٍ كَاسِرٍ يَنْفُضُ جَنَاحَيْهِ يَأْتِي مَحْرُوسٌ مُسْرِعًا 000
ـ هَلْ تَأَخَّرْتُ عَلَيْكِ ؟
ـ لا أَبَدًا ، أَيْنَ الْكِيسُ ؟
ـ هُوَ ذَا 0
ـ اللهُ ، هَيَّا اعْطِنِي إِيَّاهُ !!
ـ انْتَظِرِي ، لا تَتَعَجَّلِي !! هَلْ يُمْكِنُكِ أَنْ تَقْفِزِي فَوْقَ السُّورِ ؟
ـ هَذَا سَهْلٌ جِدًّا 0
ـ لِنَرَ كَيْفَ تَقْفِزِينَ !!
تَقْفِزُ نَهْلَةُ خَفِيفَةً فَوْقَ السُّورِ ، يَقْفِزُ جِوَارَهَا مَحْرُوسٌ ، يَقْفِزَانِ مَعًا وَرَاءَ السُّورِ 000
يَحْمِلُهَا رَاضِيَةً فَوْقَ الأَحْوَاضِ الْمَهْجُورَةِ 000 تُمَدِّدُ سَاقَيْهَا اللامِعَتَيْنِ كَالْبِلَّوْرِ 000
تَتَنَاوَلُ قِطَعَ الْحَلْوَى مَاسِحَةً رِيقَهَا الذَّائِبَ فَوْقَ شَفَتَيْهَا 000
ضَاغِطًا عَلَى صَدْرِهَا يَخْلَعُ مَلابِسَهَا الْبَيْضَاءَ فِي انْتِشَاءٍ 000
ـ لا لا أَبِي سَيَضْرِبُنِي 0
ـ لَنْ أَقُولَ لَهُ ، لا تَخَافِي !!
ـ لا لا 0
ـ كُلِي أَنْتِ الْحَلْوَى وَحْدَكِ ، وَلا تَخَافِي ، لَنْ يَحْدُثَ شَيْءٌ 0
ـ أَنْتَ تَجْرَحُنِي ، آهِ !!
ـ لَحْظَةً وَاحِدَةً 0
ـ كَفَى كَفَى ، أَلَمٌ شَدِيدٌ 0
ـ دَقِيقَةً وَاحِدَةً 0
تَبْكِي نَهْلَةُ صَارِخَةً صَرْخَتَهَا الأَخِيرَةَ ، مُسْتَسْلِمَةً لِلْجَسَدِ الْمُشْتَعِلِ أَمَامَهَا 00
مَاسِحَةً دُمُوعَهَا تَقْبِضُ كَتِفَيْهِ تَشُدُّهُ نَحْوَهَا مُلْتَصِقًا بِرِجْلَيْهَا الْمُرْتَفِعَتَيْنِ ، لا تَفْهَمُ مَاذَا يَفْعَلُ هَذَا الْوَلَدُ الْغَرِيبُ 000
يُدِيرُ الصُّنْبُورَ فَوْقَ جَسَدِهَا النَّازِفِ 000
يَقْفِزَانِ مَعًا فَوْقَ السُّورِ 000
فِي تَخَبُّطِهَا تَرْكَبُ دَرَّاجَتَهَا عَائِدَةً إِلَى الْمَقْهَى كَاتِمَةً أَوْجَاعَهَا 000
تَحْمِلُ أَكْوَابَ الشَّايِ سَاخِنَةً بَيْنَ يَدَيْهَا 000
تَتَنَقَّلُ بَيْنَ الْكَرَاسِيِّ نَافِخَةً بَقَايَا النَّارِ تَحْتَ الرَّمَادِ 000
000000
000000
000000
يَتَوَالَى الْعَسْكَرُ مُسْرِعِينَ نَحْوَ الْمَقْهَى خَارِجِينَ مِنَ الْقَاعِدَةِ الْجَوِّيَّةِ خَلْفَ الحُقُولِ 000
وَرَاءَ السُّورِ الْقَدِيمِ يَخْتَبِئُ الصِّبْيَانُ فِي انْتِظَارٍ مَحْمُومٍ ، يَتَرَقَّبُونَ الْعَصَافِيرَ الْمُهَاجِرَةَ تَحْتَ الأَشْجَارِ الْكَثِيفَةِ 000
يُلْقُونَ أَحْجَارَهُمْ فِي إِصْرَارٍ 000
تَسْقُطُ وَاحِدَةٌ 000
تَفِرُّ الْعَصَافِيرُ الْجَرِيحَةُ هَارِبَةً وَرَاءَ الحُقُولِ الْبَعِيدَةِ 0
ــــــــــــ

قصة قصيرة من مجموعة
لَيْلَى تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى بَيْتِهَا
للشاعر الكبير الدكتور / عزت سراج
أستاذ الأدب والنقد المساعد
كلية التربية ـ جامعة الملك خالد
مصر ـ طنطا ـ محلة مرحوم







 
رد مع اقتباس