منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - اغْتِصَابُ طِفْلَةٍ
عرض مشاركة واحدة
قديم 07-12-2009, 11:33 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
الدكتور/عزت سراج
أقلامي
 
الصورة الرمزية الدكتور/عزت سراج
 

 

 
إحصائية العضو







الدكتور/عزت سراج غير متصل


افتراضي اغْتِصَابُ طِفْلَةٍ

اغْتِصَابُ طِفْلَةٍ
قصة قصيرة من مجموعة
لَيْلَى تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى بَيْتِهَا
للشاعر الدكتور / عزت سراج
ـــــــــــــ

مَكْسُورَ الرُّوحِ يَدْفَعُ عَبْدُ السَّتَّارِ قَدَمَيْهِ مَخْنُوقَ الْخُطَى فَوْقَ الرَّصِيفِ الْمَكْسُورِ يَمِينَ مَيْدَانِ الْعَتَبَةِ فِي اتِّجَاهِ شَارِعِ الْجُمْهُورِيَّةِ ، سَاحِبًا نَادِيَةَ ، مُتَفَادِيًا النَّظَرَ فِي عَيْنَيْهَا الْخَضْرَاوَيْنِ الَّتِي تَفْرِشُ عَلَى فَدَادِينَ ، مَاسِحًا شَعْرَهَا الْمُسْتَرْسِلَ فِي نُعُومَةٍ خَلْفَ ظَهْرِهَا ، لا يَقْوَى عَلَى مُتَابَعَةِ السَّيْرِ إِلَى بَيْتِهِ 000
ـ لِنَتَوَقَّفْ لَحَظَاتٍ يَا ابْنَتِي أَلْتَقِطْ أَنْفَاسِي 0
ـ كَمَا تَشَاءُ يَا أَبِي 0
ـ سَامِحِينِي يَا نَادِيَةُ ، لَمْ أَسْتَطِعْ دَفْعَ الْمَصَارِيفِ 0
ـ لا بَأْسَ يَا أَبِي ، أَعُودُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ بَعْدَ دَفْعِهَا 0
ـ الأُسْبُوعُ الْقَادِمُ يَا عَزِيزَتِي 0
ـ لا عَلَيْكَ يَا أَبِي 0
ـ أَنْتِ تَجَاوَزْتِ الْعَاشِرَةَ ، وَأَصْبَحْتِ كَبِيرَةً يَا نَادِيَةُ ، وَتُقَدِّرِينَ حَاجَتِي 0
ـ أَفْهَمُ يَا أَبِي 0
ـ وَأَخَوَاتُكِ يَا ابْنَتِي كَثِيرَاتٌ 0
ـ أَعْرِفُ يَا أَبِي ، لا عَلَيْكَ 0
ـ بَارَكَ اللهُ فِيكِ يَا ابْنَتِي 0
يُوَاصِلانِ الطَّرِيقَ الطَّوِيلَ مُتَّكِئًا عَلَى كَتِفِهَا ، مُتَعَثِّرًا فِي مِشْيَتِهِ يَبْدُو كَشَيْخٍ فِي السَّبْعِينَ 000
كَمِثْلِ نَسْمَةٍ رَبِيعِيَّةٍ حَانِيَةٍ تُدَاعِبُهُ حَامِلَةً حَقِيبَتَهَا فَوْقَ ظَهْرِهَا ، مُخَفِّفَةً أَوْجَاعَ رُوحِهِ ، رَاسِمَةً فَوْقَ شَفَتَيْهَا الصَّغِيرَتَيْنِ ابْتِسَامَةً صَافِيَةً كَاشِفَةً عَنْ أَسْنَانٍ نَاصِعَةٍ كَقَطَرَاتِ النَّدَى 000
مُتَنَاسِيًا هُمُومَهُ الَّتِي لا تَنْتَهِي يُحَلِّقُ هَائِمًا فِي حُلْمِهَا أَنْ تُصْبِحَ طَبِيبَةً ذَاتَ يَوْمٍ ، وَتَعُودَ مَعَهُ إِلَى الْقَرْيَةِ ثَانِيَةً ، مَانِحَةً أَهْلَهَا الْبُسَطَاءَ الطَّيِّبِينَ عَطْفَهَا وَرِعَايَتَهَا ، مُقْسِمَةً أَنْ تَظَلَّ بَيْنَهُمْ تَسْتَنْشِقُ هَوَاءَ الْحُقُولِ مُعَبَّقًا بِرَائِحَةِ الْبُرْتُقَالِ وَفَدَادِينِ الْفُولِ الأَخْضَرِ000
ـ مَعْقُولٌ يَا نَادِيَةُ أَنْ نَعُودَ إِلَى قَرْيَتِنَا ثَانِيَةً بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ ؟
ـ وَلِمَ لا يَا أَبِي ؟
ـ يَا اللهُ يَا ابْنَتِي ، أَنْتِ تَعُودِينَ بِي إِلَى أَجْمَلِ أَيَّامِ حَيَاتِي 0
ـ وَمَاذَا أَخَذْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ يَا أَبِي ؟
ـ يَا ابْنَتِي ، الْمَدِينَةُ مَهْمَا كَانَتْ هَيَ الْمَدِينَةُ 0
ـ صَدِّقْنِي يَا أَبِي ، أُفَضِّلُ الْعَوْدَةَ إِلَى الْجَدَاوِلِ بَيْنَ الْغِيطَانِ ، وَالْمَسَاقِي تَشُقُّ قَرَارِيطَ الذُّرَةِ رَاوِيَةً ظَمَأَ شُقُوقِهَا ، مُتَدَفِّقَةً مِنْ بَيْنِ الْحَشَائِشِ ، حَامِلَةً شَوْقَ التُّرْعَةِ إِلَى سَنَابِلِ الْقَمْحِ الْخَضْرَاءِ 0
ـ إِنْ شَاءَ اللهُ يَا ابْنَتِي 0
يَتَبَادَلانِ نَظَرَاتٍ مَكْتُومَةً لا تَبِينُ ، يُخْفِيَانِ مِنْ أَشْوَاقِهِمَا أَكْثَرَ مِمَّا يُبْدِيَانِ 000
يُسْرِعَانِ نَحْوَ مُنْتَصَفِ الْمَيْدَانِ ، يَتَوَقَّفَانِ ، يَسْتَظِلانِ بِشَجَرَةِ كَافُورٍ عَلَى يَسَارِهِمَا 000
عَطْشَانَيْنِ يُفْرِغَانِ مَاءَ الْقُلَّةِ ، يَجْلِسَانِ عَلَى الرَّصِيفِ ، يَلْتَقِطَانِ أَنْفَاسَهُمَا 000
فِي الْوَاحِدَةِ بَعْدَ الظُّهْرِ يَمْتَلِئُ مَيْدَانُ الْعَتَبَةِ فِي زِحَامٍ غَرِيبٍ بِالْوُجُوهِ وَأَبْوَاقِ السَّيَّارَاتِ وَنِدَاءَاتِ الْبَائِعِينَ 0
الضَّوْضَاءُ تَفْتَرِسُ اللَّحْظَةََ مُطَارِدَةً سُكُونَ الأَرْوَاحِ الْمُتْعَبَةِ فَوْقَ الرَّصِيفِ 0
خَفِيفَةً تَسْقُطُ الأَمْطَارُ غَاسِلَةً بُيُوتَ الْمَدِينَةِ الْمُنْحَنِيَةَ 000
تَرْتَجِفُ الْعَصَافِيرُ الْخَائِفَةُ فَوْقَ الشَّجَرَةِ مُنْتَفِضَةً تَدْفَعُ أَجْنِحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ الْبَارِدِ مُحَلِّقَةً وَرَاءَ الْبُيُوتِ 000
ـ سَيِّدَةٌ ، سَيِّدَةٌ ، سَيِّدَةٌ
ـ بُولاقٌ ، بُولاقٌ ، بُولاقٌ
ـ مَنَادِيلُ، مَنَادِيلُ
ـ سَجَائِرُ
ـ صَاقِعٌ ، صَاقِعٌ
ـ يَا أُسْتَاذُ ، خُذْ بَالَكَ يَا مُحْتَرَمُ !!
ـ للهِ يَا مُحْسِنِينَ ـ أَنْتَ يَا قَمَرُ ، يَا حُلْوُ أَنْتَ يَا حُلْوُ 0
ـ دَعِ الْمُلْكَ لِلْمَالِكِ 0
ـ عَبَّاسِيَّةٌ ، عَبَّاسِيَّةٌ ، عَبَّاسِيَّةٌ 0
يَغِيبَانِ فِي الزِّحَامِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ مُسْتَسْلِمَيْنِ لأَوْجَاعِهِمَا ، يَنْعَسَانِ هَادِئَيْنِ هَارِبَيْنِ مِنْ جُوعِهِمَا الْمُتَزَايِدِ 000
كَمَلاكٍ هَبَطَ مِنَ السَّمَاءِ تَتَمَدَّدُ نَادِيَةُ مُغْمَضَةَ الْعَيْنَيْنِ فِي نَقَاءٍ 0
تَحْتَضِنُ أَبَاهَا مُتَأَمِّلَةً ثِيَابَهُ الْمُمَزَّقَةَ وَوَجْهَهُ الْمُغْبَرَّ وَأَصَابِعَ رِجْلَيْهِ خَارِجَةً تَطُلُّ مِنْ حِذَائِهِ الْمَرْقُوعِ 000
ـ انْظُرْ ، انْظُرْ ، هَلْ تَرَى هَذِهِ الْحُورِيَّةَ النَّائِمَةَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ؟
ـ يَا اللهُ ، لا أُصَدِّقُ عَيْنَيَّ 0
ـ إِنَّهَا لا شَكَّ جِنِّيَّةٌ هَبَطَتْ مَعَ الأَمْطَارِ عَلَى الرَّصِيفِ لِتُخَفِّفَ أَوْجَاعَنَا طَوَالَ الصَّبَاحِ 0
ـ مَاذَا تَقُولُ ؟
ـ انْظُرْ إِلَى سَاقَيْهَا كَيْفَ يَمْتَلِئَانِ أُنُوثَةً وَنَضَارَةً 0
ـ لَكَ أَلْفُ حَقٍّ ، الْبِنْتُ سَاحِرَةُ الْجَمَالِ 0
ـ إِذَنْ هِيَ لَنَا 0
ـ لَكِنْ كَيْفَ تَكُونُ لَنَا ؟
ـ نَخْطَفُهَا كَالْعَادَةِ خَارِجَ الْمَيْدَانِ ، وَهُنَاكَ فِي بَيْتِ السَّيِّدِ الْكَبِيرِ قَبْلَ أَنْ يَتَذَوَّقَ حَلاوَةَ الْعَرُوسِ يَدْفَعُ ثَمَنَهَا 0
ـ هَيَّا بِنَا !!
عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ يَتَقَدَّمُونَ نَحْوَ الصَّغِيرَةِ وَاثِبِينَ فِي الْهَوَاءِ شَاهِرِينَ سُيُوفَهُمْ ، مُقَهْقِهِينَ لا يَتَرَدَّدُونَ 000
يَقِفُ حَوْلَهَا خَمْسَةٌ ، وَيَلْتَفُّ الآخَرُونَ حَوْلَ أَبِيهَا 000
ـ انْهَضْ يَا رَجُلُ ، النَّوْمُ مَمْنُوعٌ هُنَا 0
ـ حَاضِرٌ يَا ابْنِي ، قُومِي يَا ابْنَتِي !!
ـ عُدْ أَنْتَ وَحْدَكَ إِلَى بَيْتِكَ سَالِمًا ، أَمَّا هِيَ فَيُرِيدُهَا السَّيِّدُ الْكَبِيرُ 0
ـ السَّيِّدُ الْكَبِيرُ ؟
ـ نَعَمْ ، أَلا تَعْرِفُ السَّيِّدَ الْكَبِيرَ ؟
يَضْحَكُونَ سَاخِرِينَ مُنْقَضِّينَ عَلَيْهِ كَعُصْفُورٍ جَرِيحٍ سَقَطَ بَيْنَ النُّسُورِ الْجَائِعَةِ 000
فِي غَيْرِ شَفَقَةٍ يَرْكِلُونَهُ ، مُقْسِمِينَ أَنْ يَقْطَعُوا رَأْسَهُ وَرَأْسَ الصَّغِيرَةِ الْجَمِيلَةِ ، يَجُرُّونَهَا مِنْ سَاقَيْهَا الْمَكْشُوفَتَيْنِ فِي ارْتِبَاكٍ 000
عَلَى الرَّصِيفِ الْمُوَاجِهِ يُقَيِّدُونَ عَبْدَ السَّتَّارِ فِي جِذْعِ شَجَرَةٍ 0
يَضْرِبُونَ بِسُيُوفِهِمُ الْمَسْنُونَةِ فِي الْهَوَاءِ 000
النَّاسُ مَفْزُوعُونَ لا يَتَوَقَّفُونَ ، يَهْرَبُونَ مِنْ أَرْوَاحِهِمُ الْحَزِينَةِ 00
يَبْكِي مُسْتَغِيثًا فِي اسْتَعْطَافٍ أَنْ يَلْحَقُوا ابْنَتَهُ 0
النَّاسُ يُسْرِعُونَ خَارِجَ الْمَيْدَانِ بَاحِثِينَ عَنْ لُقْمَةِ عَيْشٍ تَسُدُّ الأَفْوَاهَ الْجَائِعَةَ ، يُهَرْوِلُونَ مُتَخَبِّطِينَ مُتَمْتِمِينَ فِي انْكِسَارٍ 000
عَلَى صُرَاخِ الْمِسْكِينَةِ يَطُلُّونَ مِنْ وَرَاءِ نَوَافِذِهِمْ يُرَاقِبُونَ السُّيُوفَ الْبَرَّاقَةَ مُتَابِعِينَ لَحْظَةَ اغْتِصَابِهَا 000
فِي لَحَظَاتٍ يَخْلُو الْمَيْدَانُ مِنَ الْمَارَّةِ ، وَيَفِرُّ الْبَائِعُونَ إِلَى مَيْدَانٍ آخَرَ 000
ـ هَيَّا ، كَفَى ذَلِكَ يَا رَجُلُ ، يَشْتَهِي السَّيِّدُ الْكَبِيرُ قِطْعَةَ الزُّبْدِ سَاخِنَةً !!
تَنْزِفُ نَادِيَةُ غَائِبَةً لا تُفِيقُ 000
تَلْتَفُّ السَّاقُ عَلَى السَّاقِ فَوْقَ صَدْرِهَا الْمَكْشُوفِ 000
يَتَبَادَلُونَ الأَدْوَارَ فِي اشْتِهَاءٍ مُتَلَذِّذِينَ0
يَبْكِي عَبْدُ السَّتَّارِ 000
تَأْتِي خَافِتَةً مِنْ بَعِيدٍ أَبْوَاقُ السَّيَّارَاتِ وَنِدَاءَاتُ الْبَائِعِينَ 000
ـ يَا سَتَّارُ ، اسْتُرْ يَا سَتَّارُ !!
ـ سَيِّدَةٌ ، سَيِّدَةٌ
ـ بُولاقٌ
ـ مَنَادِيلُ
ـ سَجَائِرُ
ـ صَاقِعٌ
ـ عَبَّاسِيَّةٌ ، عَبَّاسِيَّةٌ ،عَبَّاسِيَّةٌ 0
مَطْعُونًا فِي الصَّدْرِ يَثِبُ عَبْدُ السَّتَّارِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ هَائِجًا يَبْصُقُ فِي جُنُونٍ 000
يَسْحَبُونَهَا خَارِجَ الْمَيْدَانِ ، تَتَمَزَّقُ حَقِيبَتُهَا تَحْتَ الأَقْدَامِ 000
تَتَنَاثَرُ كُرَّاسَاتُ الْوَاجِبِ فَوْقَ الرَّصِيفِ 000
تَتَبَعْثَرُ أَلْوَانُ الرَّسْمِ 000
بِنُقْطَةٍ مِنْ دَمِهَا الْوَرْدِيِّ يَبْتَلُّ كِتَابُ الْحِسَابِ 0
تَتَسَاقَطُ الأَمْطَارُ غَزِيرَةً تَغْسِلُ دِمَاءَهَا 000
عَلَى أَكْتَافِهِمْ يَحْمِلُونَ بَقَايَاهَا لِلسَّيِّدِ الْكَبِيرِ 000
مُتَّكِئًا عَلَى أَنْفَاسِهِ الأَخِيرَةِ يَكْتُمُ عَبْدُ السَّتَّارِ أَوْجَاعَهُ ، ضَاغِطًا عَلَى صَدْرِهِ النَّازِفِ 0
بَاحِثًا عَنْ ابْنَتِهِ فَوْقَ الأَرْصِفَةِ مِنْ شَارِعٍ إِلَى شَارِعِ يُهَرْوِلُ فِي غَيْرِ تَوَقُّفٍ لا يَدْرِي أَيْنَ يَكُونُ السَّيِّدُ الْكَبِيرُ 000
تَتَلأْلأُ الأَضْوَاءُ الْمُلَوَّنَةُ حَوْلَ الصُّوَرِ الْمُؤَطَّرَةِ بِالْقُضْبَانِ النُّحَاسِيَّةِ فِي جَبَرُوتٍ 000
مِنْ مَيْدَانٍ إِلَى مَيْدَانٍ ، مَكْسُورَ الرُّوحِ يَدْفَعُ عَبْدُ السَّتَّارِ قَدَمَيْهِ مَخْنُوقَ الْخُطَى فَوْقَ الرَّصِيفِ الْمَكْسُورِ 0


ــــــــــــ

قصة قصيرة من مجموعة
لَيْلَى تَعْرِفُ الطَّرِيقَ إِلَى بَيْتِهَا
للشاعر الدكتور / عزت سراج
أستاذ الأدب والنقد المساعد
كلية التربية ـ جامعة الملك خالد
مصر ـ طنطا ـ محلة مرحوم






 
رد مع اقتباس