....
سورة الفرقان الآيات من (63) الى ختام السورة الآية (77):
هذه الآيات من أحب الآيات الى قلبي .... و أنا أكيدة من أنكم تشاركونني في ذلك ... فلنقرأها معا...
على مهل و تدبر....
" بسم الله الرحمن الرحيم "
" وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (63)
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)"
سبحان الله ... ما أجمل هذه التسمية ... إن الله تعالى يتحدث في هذه الآيات الجليلة عن نفر من عباده ..
و تستشعر من لغة الوصف بمدى حبه تعالى لهم , فقد نسبهم لذاته جل و علا , و نسبهم بالذات لإسم تعالى " الرحمن " فهم عباد الرحمن... و ما ظنكم بعباد الرحمن ؟؟؟ , و ما ظنكم بجزاء الرحمن لعباده,
فسبحان الله و الحمد لله على هذه.
إذا فما شأن عباد الرحمن و ماهي صفتهم ؟
يقول الله تعالى : "الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا"
أي يمشون على الأرض في سكينة و وقار و قد خشعت منهم الأسماع و الأبصار و القلوب و الجوارح لله الواحد القهار , فهم يستشعرون عظمة الله تعالى فتتضائل الدنيا في نفوسهم و ينصرفون عن ما خاض فيه الناس فلا يشغلهم الثأر لأنفسهم و لا يغريهم جهل الجاهلين لينساقوا معهم فيه فهم لذلك إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً , يتجاوزون بحلمهم عن من جهل عليهم , فأحب الله تعالى منهم ذلك.
فتأمل.....
"وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا"
و هذه و الله وحدها لكفيلة بتهذيب الخصال و تسامي النفس في أفق الله فتفيض عليها نقاءً و بهاءً و سكينة و وقاراً ... و هذه و الله لمنازل المحبين و جنة العابدين .
"وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا "
يقول ابن كثير : أَيْ مُلازِمًا دَائِمًا
وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَن فِي قَوْله " إِنَّ عَذَابهَا كَانَ غَرَامًا " كُلّ شَيْء يُصِيب اِبْن آدَم وَيَزُول عَنْهُ فَلَيْسَ بِغَرَامٍ وَإِنَّمَا الْغَرَام اللازِم مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالأَرْض وَكَذَا قَالَ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ
وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب " إِنَّ عَذَابهَا كَانَ غَرَامًا " يَعْنِي مَا نَعِمُوا فِي الدُّنْيَا إِنَّ اللَّه تَعَالَى سَأَلَ الْكُفَّار عَنْ النِّعْمَة فَلَمْ يَرُدُّوهَا إِلَيْهِ فَأَغْرَمهُمْ فَأَدْخَلَهُمْ النَّار
" إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا " أَيْ بِئْسَ الْمَنْزِل مَنْظَرًا وَبِئْسَ الْمَقِيل مَقَامًا.
فاللهم انا نعوذ بك من منها و من مستقرها و مقامها ...
" وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (70)
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)"
و الآيات ليست بحاجة الى طويل شرح , لكن علينا أن نقف أمامها طويلا لراجع موقعنا ... فنحن نريد أن نكون منهم , من عباد الرحمن الذين تثني عليهم هذه الآيات الجميلة , إذاً فهم ينفقون في غير تقتير و لا إسراف , و أقاموا أمرهم بين ذلك , فيتوسطون في كل شيء .
ثم هم يقفون عند حدود الله تعالى , فلا يشركون بالله شيئا و لا يجعلون لله تعالى نداً , و هذا مفتاح الاسلام , التوحيد .
قَالَ الإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الأَعْمَش عَنْ شَقِيق عَنْ عَبْد اللَّه هُوَ اِبْن مَسْعُود قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيّ الذَّنْب أَكْبَر ؟ قَالَ " أَنْ تَجْعَل لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك " قَالَ ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تَقْتُل وَلَدك خَشْيَة أَنْ يَطْعَم مَعَك " قَالَ ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِك " قَالَ عَبْد اللَّه وَأَنْزَلَ اللَّه تَصْدِيق ذَلِكَ " وَاَلَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّه إِلَهًا آخَر " الآيَة..
وَقَوْله تَعَالَى " وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا"
رُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ قَالَ : أَثَامًا : وَادٍ فِي جَهَنَّم وَقَالَ عِكْرِمَة " يَلْقَ أَثَامًا " أَوْدِيَة فِي جَهَنَّم يُعَذَّب فِيهَا الزُّنَاة وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُجَاهِد وَقَالَ قَتَادَة " يَلْقَ أَثَامًا " نَكَالًا : كُنَّا نُحَدَّث أَنَّهُ وَادٍ فِي جَهَنَّم .
" يُضَاعَف لَهُ الْعَذَاب يَوْم الْقِيَامَة"
أَيْ يُكَرَّر عَلَيْهِ وَيُغَلَّظ
" وَيَخْلُد فِيهِ مُهَانًا "
أَيْ حَقِيرًا ذَلِيلا
عافانا الله و إياكم ...
و لكن....
ألم يبدأ الله تعالى الآيات باسمه جل و علا " الرحمن "... فلنكمل معا القراءة :
" إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا "
فيا لله ما أجمل هذه ... بل و يبدل سيئاتهم حسنات !!! .... سبحان الله ,
عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن جُبَيْر عَنْ أَبِي فَرْوَة أَنَّهُ أَتَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَأَيْت رَجُلا عَمِلَ الذُّنُوب كُلّهَا وَلَمْ يَتْرُك حَاجَة وَلا دَاجَة فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَة ؟ فَقَالَ " أَسْلَمْت ؟ " فَقَالَ نَعَمْ . قَالَ " فَافْعَلْ الْخَيْرَات وَاتْرُكْ السَّيِّئَات فَيَجْعَلهَا اللَّه لَك خَيْرَات كُلّهَا " قَالَ وَغَدَرَاتِي وَفَجَرَاتِي ؟ قَالَ " نَعَمْ " فَمَا زَالَ يُكَبِّر حَتَّى تَوَارَى وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ .
و كيف لا يكون ذلك و من تاب فانما يتوب لله تعالى ,, و ما ظنكم برب العالمين الغفور الرحيم ؟؟؟
"وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا"
أي فان الله تعالى يقبل توبته.
"وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)"
و هذه و الله بحاجة لتحرٍ دائم ...
فما أخفى الزور و ما أوفر اللغو في كل حي و ناد ....
" ألا و قول الزور و شهادة الزور,ألا و قول الزور و شهادة الزور,ألا و قول الزور و شهادة الزور"
كررها النبي عليه السلام لعظم وزرها..
يقول ابن كثير :
وَالأَظْهَر مِنْ السِّيَاق أَنَّ الْمُرَاد لا يَشْهَدُونَ الزُّور أَيْ لا يَحْضُرُونَهُ
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى" وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا " أَيْ لا يَحْضُرُونَ الزُّور وَإِذَا اِتَّفَقَ مُرُورهمْ بِهِ مَرُّوا وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ وَلِهَذَا قَالَ " مَرُّوا كِرَامًا "
وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا أَبُو الْحَسَن الْعِجْلِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن مُسْلِم أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيم بْن مَيْسَرَة أَنَّ اِبْن مَسْعُود مَرَّ بِلَهْوٍ فَلَمْ يَقِف فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَقَدْ أَصْبَحَ اِبْن مَسْعُود وَأَمْسَى كَرِيمًا "
وَإِذَا اِتَّفَقَ مُرُورهمْ بِهِ مَرُّوا وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ
ما أجمل هذه .. نعم مروا كراماً ..... لا يدنسهم اللغو ولا ينال منهم الباطل..." لَقَدْ أَصْبَحَ اِبْن مَسْعُود وَأَمْسَى كَرِيمًا "
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)"
كم مرة صادفت فيها عبدا بهذه الصفات ... تقيا نقيا ... إذا ذكرته بآيات الله و قد اشتد جَدُّه أو غضبه بأي شكل و جدته قد وجل قلبه و لان جنبه و هدأت شوكته نزولا عند آيات الله ....
" وَاَلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبّهمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا "
وَهَذِهِ مِنْ صِفَات الْمُؤْمِنِينَ " الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبهمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاته زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ "
بِخِلافِ الْكَافِر فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ كَلام اللَّه لا يُؤَثِّر فِيهِ وَلا يَتَغَيَّر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ بَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا عَلَى كُفْره وَطُغْيَانه وَجَهْله وَضَلاله ...
و هذا امتحان لصدق الإيمان في القلب....
وَقَوْله تَعَالَى" وَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أَعْيُن "
فلا تقر أعينهم الا بذلك .... فليس أجمل لدى الصادقين من أن يشهدوا من أهلهم حب الله تعالى و طاعته ... فهم لا يحبون الا في الله و لا يبغضون الا فيه و لا تقر عيونهم الا بطاعته...
يقول ابن كثير :
يَعْنِي الَّذِينَ يَسْأَلُونَ اللَّه أَنْ يُخْرِج مِنْ أَصْلابهمْ مِنْ ذُرِّيَّاتهمْ مَنْ يُطِيعهُ وَيَعْبُدهُ وَحْده لا شَرِيك لَهُ
قَالَ اِبْن عَبَّاس يَعْنُونَ مَنْ يَعْمَل بِطَاعَةِ اللَّه فَتَقَرّ بِهِ أَعْيُنهمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَة
قَالَ عِكْرِمَة : لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَبَاحَة وَلا جَمَالا وَلَكِنْ أَرَادُوا أَنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ
وَسُئِلَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ هَذِهِ الآيَة فَقَالَ أَنْ يَرَى اللَّه الْعَبْد الْمُسْلِم مِنْ زَوْجَته وَمِنْ أَخِيهِ وَمِنْ حَمِيمه طَاعَة اللَّه لا وَاَللَّه لا شَيْء أَقَرّ لِعَيْنِ الْمُسْلِم مِنْ أَنْ يَرَى وَلَدًا أَوْ وَلَد وَلَد أَوْ أَخًا وَحَمِيمًا مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
"وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا"
أحبوا أن يكونوا أئمة يهتدى بهم في الخير ...
" أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلامًا (75)
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)"
فجزاؤهم على ذلك الجنة سميت بالغرفة لعلوها , بصبرهم على كل ذلك ,
يُبْتَدَرُونَ فِيهَا بِالتَّحِيَّةِ وَالإِكْرَام وَيَلْقَوْنَ التَّوْقِير وَالاحْتِرَام فَلَهُمْ السَّلام وَعَلَيْهِمْ السَّلام فَإِنَّ الْمَلائِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلّ بَاب سَلام عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّار ,
حسنت مستقرا و مقاما..... امتدح الله تعالى الجنة....
و هنا مقابلة رائعة بين بداية الآيات وقد و جلت قلوبهم من النار:
"إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا "
و بين دار الصابرين :
" حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا "
و بين لزوم عذاب النار "غراماً" و بين جنةٍ "خالدين فيها "
ثم ختام السورة ... سورة الفرقان :
" قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)"
.................................................. ..............
و سبحان ربك رب العزة عما يصفون, و سلام على المرسلين , و الحمد لله رب العالمين.