إني أنكر نزعة التفسير العددي و العلمي للقرآن اكريم ، و لا أسوغ إخضاع الآيات القرآنية للعلوم الكونية و الطبيعية البتة .
أو إخضاع الآيات القرآنية لجمع الحروف حتى نخرج بنتائج توافق هونا او ما في عقولنا فإسقاط ما في عقلنا على قضية جمع الحروف حتى نخرج بأرقام على حتى نبرهن على اعجاز القرآن قول مخالف لطبيعة المعجزة من حيث هي معجزة و مخالف لطبيعة القرآن نفسه و وجه التحدي الذي جاء به .
لأن القرآن الكريم كتاب هداية و ليس كتاب علوم كيمياء أو هندسة أو ذررة حتى نأخذ منه نظريات علمية أو عددية .
بل هو كتاب انزله الله تعالى على نبية صلى الله عليه و سلم ليكون هدى و رحمة للعالمين .
و هو كتاب يشتمل على العقيدة الإسلامية ينبثق عنها نظام شامل ينظم علاقة الإنسان بنفسه(( المطعومات و الملبوسات )) و بغيره من بني البشر (( المعاملات )) و حتى يكون موقفي واضحا من هذه القضية و معللاً اسجل هذه النقاط التي أعتبرها أدلتي في هذا الإتجاه :
أولا : إن جعل الإرتباط بين القرآن و بين الحقائق العملية المختلفة أو العددية و اعتبار هذا ناحية من نواحي صدقه أو اعجازه أو صلاحيته للقباء .
إنما هو خلط كبير بين علمك التفسير و علم اعجاز القرآن .
يقول محمد شاكر في تعليقه على كتاب الظاهرة القرآنية :
و غاية علم تفسير القرآن ، كما ينبغي ان يعلم ، إنما هو بيان معاني ألفاظه مفرده ، و جمله مجتمعه ، و دلالة هذه الألفاظ و الجمل على المباني ، سواء في ذلك الخبر و القصص و آيات الأدب و آيات الأحكام و سائر ما اشتملت عليه معاني القرآن الكريم و هو أمر من (( اعجاز القرآن بمعزل )) .اما الأمر المرتبط بالشعر و أساليب العربية و غير العربية و مقارنتها بأسلوب القرآن فهو علم اعجاز القرآن الكريم ثم علم البلاغة و لا مناص لمتكلم في اعجاز القرآن أن يتبين حقيقتين عظيمتين قبل النظر في المسألة و ان يفصل بينهما فصلا ظاهراً ، و ان يميز أوضح التميز بين الوجوه المشتركة التي تكون بينها :
أولا : أن اعجاز القرآن الكريم كما يدل عليه لفظة و تاريخه هو دليل النبي ( ص ) على صدق نبويته ، و على انه رسول الله يوحى إليه هذا القرآن .
و على أن النبي كان يعرف (( اعجاز القرآن )) من الوجه الذي عرفه عنه سائر من آمن به من العرب ، و ان التحدي الذي تضمنته آيات التحدي ، من نحو قوله تعالى ((أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 13 فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ 14)) هود 13 * 14 .
و قوله تعالى ((قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا))
إنما تحد بلفظ القرآن و نظمة و بيانه لا بشيء خارج عن ذلك .
فما هو بتحدي بالإخبار بالغيب المكنون ، و لا بالغيب الذي يأتي صديقه بعد دهرِ من تنزليه ، و لا بعلم ما لا يدركه علم المخاطبين به من العرب ، و لا بشيء من المعاني مما لا يتصل بالنظم و البيان ... )
. الظاهرة القرآنية 16 / 17 ص
و الآية ((قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ))
تسجل و تثبت عجز العرب المعاصرين للنبي ( ص ) عن معارضة القرآن و الاتيان بسورة من مثله .
و بما انهم عجزوا و ثبت عجزهم – و هم سادة البيان و ملوك الفصاحة – فالعرب أولى بالعجز . و الأعاجم بالضرورة عاجزين .
فاعجاز القرآن قد ثبت و استقر و صار فكرة مفروغ منها لا تحتاج إلى اثبات .
أما صحة النبوة فليست برهاناً على اعجاز القرآن إذن جعل القرآن بما يحويه من اصول العلوم المختلفه أو جمع الأعداد دليلا على اعجازه و صلاحيته للبقاء لا يستقيم مطلقا مع ثبوت اعجازه في حياة النبي ( ص ) .
و حتى تتم المعجزة و تكون قطعية مفحمه كانت من جنس ما يتفوق به الناس الذي بعث إليهم الرسل ، فأهل مصر انتشر بينهم السحر و وصل إلى درجة عالية في الفن و و صل الطب إلى درجة عالية متفوقه في عصر سيدنا عيسى عليه السلام .
و العرب كانوا عبدة البيان و سادة الفصاحة و البلاغة اكثر من عباة الأوثان فتحداهم القرآن من جنس ما يتفوقون به .
و كانوا أمين ، و كان الرسول كذلك منهم .
و العلوم التي يعرفها العرب و الأعداد ليست بشيء ، و أكثرها يعتمد على الملاحظة البسيطه الساذجه الفطرية .
فإن كان ذلك كذلك فإن جعل القرآن معجزا لأنه يحوي بين تضاعيفه أصول علوم مختلفه أو جمع اعداد من هنا و هناك مصادم كل المصادمه لواقع العرب الغير علمي و بالتالي هو مصادرة لإعجاز القرآن و نسفه من جذوره .
ثانيا : من المعروف بداهة أن النبي ( ص ) كان يفهم القرآن جملة و تفصيلاً بعد ان تكفل الله تعالى له بالفظ و البيان بدليل قوله تعالى ((لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ 16 إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ 17 فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ 18 ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ ))
و من الطبيعي كذلك أن يفهم أصحاب النبي القرآن جمله ، أي بالنسبة لظاهرة و احكامه و كان الواحد من الصحابة إذا اشكل عليه آية رجع للنبي ( ص ) فيبين له ما خفي عليه لأن و ظيفته البيان قال تعالى ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ))
و كل من يرجع إلى كتب السنة يجد أنها أفردت للتفسير بابا من الأبواب التي اشتملت عليها ، ذكرت تفاسير كثيرة من التفسير بالماثور عن رسول الله و إذا امعنا النظر في هذه التفسير المأثور فإننا لا نجد فيه أي اصل من أصول الأعداد أو العلوم التي يتبجح بها أنصار الإعجاز العددي و العلمي في تفسير القرآن الكريم .
و إن كان النبي لا ينطق عن الهوى بل هو وحي يوحى ، فهل يجوز- عقلا أو سمعنا – أن يخفي الله عن نبيه أصول هذه العلوم كالطب و الحساب و الأعداد و غيرها لو كان القرآن يحتوي عليها و يتضمنها ؟ هذه واحدة .
و الثانية : لو كان القرآن كتاب علم و يحوي أعداد لكان النبي أولى الناس أجمعين بمعرفة هذه الحقائق العددية او العملية عن ربه عن طريق الوحي .
من مثل السؤال عن الهلال و الروح فقد أبهم الله علينا معنى الروح و جعلها من العلم الذي يستأثر به لانه فيه سر الخلق و لم يبين الحقائق العملية لزيادة الهلال و نقصانه و إنما كان جوابه منصبا على النواحي العملية كالحج و الصيام و معرفة عدد السنين و لم يكن جوابة على بيان الحقائق العلمية او بين الأعداد فيه .
ثالثا : إن القرآن تحدى العرب بأن يأتوا بعشر سور مفتريات من مثل القرآن ، ثم تحداهم بأن ياتوا بسورة من مثله ، فم يستطيعوا و ثبت عجزهم عن معارضة القرآن الذي نزل بلسانهم و على منوالهم .
وأمَّا ثبوتُ كونِ القرآنِ منْ عِنْدِ اللهِ، فَهُوَ أنَّ القرآنَ كتابٌ عَرَبِيٌّ جاءَ بِهِ محمَّدٌ عليهِ الصلاةُ والسلامُ. فهوَ إمَّا أنْ يكونَ منَ العَرَبِ وإمَّا أنْ يكونَ منْ محمَّدٍ، وإمَّا أنْ يكونَ منَ اللهِ تعالى. ولا يمكنُ أنْ يكونَ منْ غيِر واحدٍ منْ هَؤلاءِ الثلاثَةِ، لأنَّه عربيُّ اللُّغةِ والأسلوبِ.
أمَّا أنَّهُ منَ العربِ فَباطلٌ لأنَّهُ تَحَدَّاهُم أنْ يَأْتوا بمثلِهِ } قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ{ ، } قُلْ فَأْتُوا بِسورةٍ مِثْلِهِ{ وقدْ حاولوا أنْ يَأْتُوا بمثلِهِ وعَجِزُوا عنْ ذلكَ. فهوَ إذنْ ليسَ منْ كلامِهِمْ، لِعَجْزِهِمْ عنِ الإتْيانِ بمثلِهِ معْ تحدِّيهِ لَهُمْ ومُحَاوَلَتِهِمُ الإتيانَ بمثلِهِ. وأمَّا أَنَّهُ منْ محمَّدٍ فباطلٌ، لأنَّ محمَّداً عربيٌ منَ العربِ، ومَهْمَا سَمَا العبقرِيُّ فهوَ مِنَ البَشَرِ وواحدٌ مِنْ مُجْتَمَعِهِ وأُمَّتِهِ، ومَا دامَ العربُ لمْ يَأْتُوا بمثلِهِ فَيَصْدُقَ على محمَّدٍ العربيِّ أنَّهُ لا يأتي بمثلِهِ فهوَ ليسَ مِنْهُ، عِلاوةً أنَّ لمحمدٍ عليه الصلاةُ والسلامُ أحاديثَ صحيحةٍ وأُخْرى رُوِيَتْ عنْ طَريقِ التواتُرِ الذي يستحيلُ مَعَهُ إلا الصِدْقُ، وإذا قورِنَ أيُّ حديثٍ بأيِّ آيةٍ لا يوجدُ بَيْنَهُمَا أَيُّ تَشَابُهٍ في الأسلوبِ وكانَ يَتْلُو الآيةَ المنزَّلَةَ ويقولُ الحديثَ في وقتٍ واحدٍ، وبينَهُما اخْتلافٌ في الأسلوبِ، وكلامُ الرجلِ مهما حاولَ أنْ يُنَوِّعَهُ فإِنَّهُ يتشابَهُ في الأسلوبِ لأنَّهُ جزءٌ منهُ. وبما أنَّهُ لا يوجدُ أي تشابُهٌ بينَ الحديثِ والآيةِ في الأسلوبِ فلا يكونَ القرآنُ كلامَ محمَّدٍ مُطْلَقَاً، لِلاختلافِ الواضحِ الصريحِ بَيْنَهُ وبينَ كلامِ محمَّدٍ. على أَنَّ العربَ وهُمْ أعلَمُ الناسِ بأَساليبِ الكلامِ العربيِّ لمْ يَدَّعِ أحَدٌ منهُمْ أنَّهُ كلامُ محمَّدٍ أوْ أَنَّهُ يُشبِهُ كلامَهُ، وكلُّ مَا ادَّعُوهُ أنَّهُ يَأتِي بهِ منْ غُلامٍ نَصْرَانِيٍ اسمُهُ (جَبْر) ولذلكَ رَدَّ عَليهِمُ اللهُ تعالى فقالَ } ولقدْ نَعْلَمُ أنَّهُمْ يَقُولونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الذِي يُلْحِدُونَ إلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌ مُبِينٌ{.
وبِمَا أنَّهُ ثبَتَ أنَّ القرآنَ ليسَ كلامَ العربِ، ولا كلامَ محمَّدٍ، فيكونَ كلامَ اللهِ قطعاً، ويكونَ معجزةً لمن أتَى بِهِ. وبما أَنَّ محمَّداً هوَ الذي أَتى بالقرآنِ، وهوَ كلامُ اللهِ وشَرِيعَتُهُ، ولا يأْتي بشريعةِ اللهِ إلاَّ الأنبياءُ والرسلُ، فيكونَ محمَّدٌ نَبِياً ورسولاً قطعاً بالدليلِ العقليِّ. هذا دليلٌ عقليٌّ على الإيمانِ باللهِ وبرسالةِ محمَّدٍ وبأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ.
هذه هي الطريقة الصحيحة لإثبات صدق القرآن و صلاحيتع للحياة و ليست على طريقة الأعداد أو اثبات النظريات العلمية عن طريق القرآن الكريم .
و العلم يعتمد على الملاحظة و التجربة و الإستنتاج و العرب و سائر البشر لم يكونوا بحاجه للعوم للخروج من الظلم و الإستعبداد بل كانوا بحاجة لفكر يجمعهم و يوحدهم و نظام ينظم علاقاتهم .
فالرقي الفكري شيء و التفوق العملي و جمع الأعداد شيء آخر .
فقد يوجد تفوق علمي عن الأمريكان مثلا و لكنه لا علاقة له بتدمير كرامة الإنسان و تحويل الزنوج إلى عبيد .
و الفكر الإسلامي هو الفكر المستنير الراقي الذي يرتفع بالإنسان إلى المستوى الذي ارده الله له .
و هذا الفكر هو الذي هيأ أمتنا و وضعها أول الطريق إلى الإبداع العلمي و المادي .
رابعا : إن القرآن يشير كثيراً إلى أشياء في الكون مثل الشمس و القمر و الأهلة و النجوم و الرياح و الأمطار و البحر و ما فيه من أسماك و حلي و الليل و النهار و النحل و الأنعام و تدرج في خلق الإنسان .
و حث القرآن الإنسان لتدبر خلق السموات و الأرض في اكثر من آية و حرض على التفكير في نفسه .
كل ذلك لتهئية الإنسان إلى الإيمان عن طريق العقل بالخالق واجب الوجود ليربط الإيمان بالله عن طريق الفطرة بالعقل .
و هي فقط تبحث من زاوية الدلالة على قدرة الله تعالى و انه هو الخالق المستحق للعبادة فقط و لا يجوز أن تبحث في غير هذا المجال و هذا ناتج لفهم طبيعتها التشريعية فهي جاءت في سياق بيان قدرة الله تعالى فقط لا غير و انه هو الخالق فيقتصر على دلالتها كما جاءت في سياقها القرآني فهي لم تسق من باب التحدي و لم تأتي للتحدي بل جاءت لبيان أن هذا الكون بما فيه من ظواهر طبيعيه إنما هي دلالة على قدرة خالقها و ابداعه و انه هو المستحق للتعظيم و العبادة و التقديس .
و الله تعالى لم يطلق العنان للعقل البشري في بحث كل ما ورد في القرآن الكريم لأن عقل الإنسان قاصر .
و لا يعني أنه ألغى العقل و صادره بل جعله مناط التكليف الذي يبدع في الإجتهاد .
و لا جدال في جعل القرآن معجزا لانه يشير إلى أرقام أو اعداد أو اصول علمية له خطر كبير و شديد على اعجاز القرآن ، و إن شئت فقل أنه اتيان عليه من قواعده .
فالعرب أميون .
و القرآن تحدى العرب بأن يأتوا بسورة من مثله فلم يستطيعوا و قد سجل القرآن عجزهم .
و إن قلنا أن القرآن فيه اصول عددية و علمية و اعتبار هذه من باب الإعجاز فمعنى ذلك أن القرآن تحدى اناس عاجزين ليس لهم حظ في العلم و الأعداد و من ثم التحدي باطل من اساسه .
و بالتالي صحة نبوة محمد باطله و هذه النتيجة مغايره لواقع العرب و واقع مراد الله تعالى في القرآن إنما جاء بسبب إقحام القرآن في ميادين لا يمت لها بصله و هذا لا ياخذ به إلا كل جاهل مكابر بالحس .
و لا يقال هنا أن التقدم العملي و جمع الأرقام من الآيات و عددها حتى توافق حادثى معينه قد يكون عاملا مساعدا في الإيمان بالله و بأن القرآن معجز لان هذا شيء و إخضاع القرآن للعلوم المختلفه شيء آخر و بخاصه للنظريات المختلفه و جمع الأعداد قد يقع فيه الخطأ و هذا حصل كثيرا من أصحاب هذا الإتجاه .