عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 04-10-2009, 03:06 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
خليف محفوظ
أقلامي
 
الصورة الرمزية خليف محفوظ
 

 

 
إحصائية العضو







خليف محفوظ غير متصل


افتراضي أتصمت العصافير ؟ - 30 -

إهداء :

إلى الأستاذة ماجدة ريا

حينما دخلت الثكنة كان أحمد لا يكف يحدثني عن عطلة نهاية الأسبوع في المدينة ، و الليلة المثيرة التي قضوها في الفندق ، عن مغامرات جنسية حمراء ، إذ غيروا رأيهم في آخر الأمر و عدلوا عن المبيت في الفندق العسكري إلى فندق مدني حتى يتسنى لهم إدخال الفتيات إلى الحجرات .
حدثني بلا ملل . كان يتذكر ذلك بحسرة و قد طال مكوثنا في الثكنة ، يزفر و يقول :
- الحياة مع النساء بهيجة لا تمل .
ثم يضحك ضحكته الطليقة و يدير قبعته إلى الخلف :
- في الثكنة صرت أتشهى حتى الأشجار .
ّّّّّّ.....................................
وكان المحافظ السياسي يجوب بنا أحقاب التاريخ لاهثا ، وقد يختزل و ينعطف مشيرا من بعيد كقطار سريع لا تستوقفه إلا المحطات الكبرى ... سقوط الرومان ...مجيء الوندال الأجلاف ... الاحتلال البيزنطي و محاولة إحياء أمجاد أسلافهم الرومان في الجزائر ... أمواج الفتح العربي ... توزع الوطن الجزائري بين أدارسة و رستميين و أغالبة ... انبثاق الفاطميين في الشرق الجزائري ثم اكتساحهم للمغرب كله و انسياحهم منه على مصر ... نزوح الهلاليين الشرسين ...
كان يلهث ، وكنت ألهث معه ، أتوزع في كل الاتجاهات ، لم يعد يقر لي قرار ، ولم يعد بإمكاني أن أستوعب أكثر . اختلطت علي الشخوص ، الأزمنة ، الأمكنة ، نوارة ، الثكنة ، الشيخ مسعود ، جبل الزيتونة ، و أنا ...أين أنا من كل هذا ؟ من أكون ؟ كسيلة يرتد و يقتل عقبة بن نافع الفهري و يتمرد ... الكاهنة تهزم جيش حسان بن النعمان هزيمة نكراء ... تطارد فلولهم حتى ليبيا ، تطلق سراح الأسرى و تبقي على خالد بن يزيد القيسي ، تتبناه ، تجعله ولدها رغم أنه عدوها ابن أمه ... لماذا تبنته و كان لها من الأبناء ثلاثة كلهم أمراء ؟؟؟ قال ذلك ابن خلدون في قاعة المطالعة و لم يقله المحافظ . المحافظ قال إن اسمها " دهيا بنت ينفاق " و أنها في نهاية الأمر رفضت أن تستسلم ، و أبت إلا أن تموت ميتة تليق بها كملكة ، أن تقاوم إلى آخر قطرة من دمها بالتعبير العسكري، إلى آخر رمق ... الأبطال عظماء حتى وهم يموتون ...
و الرجال ينكسرون ولا ينحنون ... أين أنت يا شيخ مسعود ؟ و ما رأيك في هذه ؟ امرأة هي أم رجل ؟ لم يحدثنا عنها المعلم أحمد و إلا كنت أخبرتك خبرها ...
.......................
وكان ضابط المخابرات ذو الشوارب الكثيفة السوداء يجوب بنا هو الآخر عالم السرية و التعمية و التمويه ، مفصلا في ذكر المخابرات الدولية : اسرائيلية ، أمريكية ، سوفياتية ، فرنسية ، مصرية ، مغربية . مركزا على طرائق العمل المختلفة لديها ، مبينا أساليب مكافحة التجسس و كيفية التعامل مع الجاسوس من ساعة اكتشافه إلى ساعة التبليغ عنه .
.............................
وعلى الميدان كان التدريب يأخذ شكله الأعنف .
الوجه الجهم المكشر ذلكم هو وجهي الذي صرت أراه في وجوه رفاقي تحت الخوذات الحديدية و نحن ننفذ عملياتنا .
لم يعد لدينا وقت للهزل و المزاح . الأوامر تتوالى صارمة صاعقة ، من اختراقات حواجز مسير المقاتل كل يوم ، إلى الرمي بالقنابل دفاعية و هجومية ، الرمي بالسلاح الفردي و الجماعي ، شن غارات ليلية على مراكز وهمية لتحرير أسرى وهميين ، القيام بمسير طوبوغرافي في ليل بهيم لا عودة منه إلا بالعثور على العلامات المخبأة في النقاط الإشارية ، الانتشار و التمركز حول بناية ما لمحاصرتها ثم احتلال الموقع بكل أشكال التنقل : زحفا ، حبوا ، جريا ، قفزا ، تقلبا على الظهر و البطن ، تكورا ، فاقتحام البناية و تطهيرها بالقنابل و النيران ... القفز من العربات وهي تجري ثم الانتشار في شكل رأس سهم خارق فاتح نيرانه الجهنمية على دريئات لا حول لها و لا قوة ثم الالتحاق بالعربات و هي تشخر ماضية في سبيلها لا تراعي من لم يدركها ، والمتأخر عن اللحاق بها عد قتيلا .
وظللنا زمنا نعد قتلانا وهما إلى أن أحصيناه حقيقة ذات يوم في قتالنا المتلاحم بحرب البنادق حين أخطأ تصويب حربة بندقيته فأغمدها في بطن صاحبه ،تأود و انثنى الجسد القتيل و خر على الأرض مشكلا علامة استفهام كبرى ؟ و رفع سعيد يديه يحدق فيهما و سلاحه مغروس الحربة حتى الماسورة في بطن مصطفى ...
وكان مصطفى قتيلنا الأول ، وجاء الأمن العسكري ، وشهدنا في التحقيق أنهما كانا صديقين متحابين لم نعرف بينهما ضغينة ، كانا يخرجان سويا في إجازات الخميس ، وكانا يتضاحكان كثيرا .
واختفى سعيد ، لم نعرف إلى أية جهة أخذ ؟
أريد لنا أن ننسى الأمر في أسرع وقت وألا يؤثر على تدريبنا فقال المحافظ السياسي و هو يرصد ابن تومرت يمهد لدولة الموحدين في حنكة و دهاء بأن مصطفى التحق بموكب الشهداء كابن بار بأمه الجزائر.
طوي الملف و استمر التدريب على أشده .
إجازات الخميس صارت حلما ، نقضي نهايات الأسبوع في حالة طوارئ و استنفار قصوى ، نلزم مراقدنا معبئين بكامل عدتنا ، الخوذة ، حقيبة الظهر و الرشاش ، ننتظر الأوامر ، يجب أن نكون مستعدين للاستجابة الليل كله في أسرع ما يمكن . ليس هناك مجال للنوم، لنا أن نمدد أجسادنا على حقائب ظهورنا و نخرج أرجلنا من الأسرة ، أن تأخذ الغفوة أوجهنا الكالحة على تكشير ذئب خرافي احمرت عيناه من الجوع.
تعوي الشهوة في الخدر المستولي على المفاصل، أمد رجلي،أمد قلبي بعيدا على الآفاق الغامضة أنشره على الربى و الأرصفة، على كل شبر وطئته قدماي، أبحث عن نقطة ارتكاز في الزمان و المكان، عن عنعنة تجمعني، التاريخ يرهقني، و الرشاش يمسخني كبشا أجلح، كأنه ليس بين جنبي قلب أوزعه قطع حلوى على الأطفال القادمين... أريد حليب امرأة دافئا يقطر من نهد وردي يعيد صياغة عمري المتأرجح على موجة لا تعرف شاطئها ...
ما كان أجمل الشاطئ المتلألئ حين برزت من بين الأغصان مشرقة المبسم، هيفاء، محلولة الشعر، بيضاء الذراعين، و النوارس البيض ركبت أمواج البحر، على كل موجة نورس ينشر جناحه، و تنشر هي رداءها الحريري شراعا:
ـ تعال إلي... تعال ... أنا هنا... أنا التي تبحث عنها.
ـ...،...
ـ طال بحثك عني، لا تيأس، أنا موجودة في كل مكان، أينما وليت وجهك في هذا البلد فثمة أنا.
كنت أخرس، مشلولا، مأخوذا بالبهاء، بالجسد المشرع كفيض نوراني.
ـ أنا أمك، لا تكل من السعي إلي، تعال...
ـ... ، ...
ـ مبارك أنت يا ولدي، ما أسعدني بك في بزتك العسكرية و رشاشك !
و هزم رعد، صعق برق، طارت النوارس، عوى جرس الإنذار شرسا فيصيح قائد الفصيلة: اجمع، اجمع، اجمع.
و يهب الرفاق يصدمون الأسرة و من وقف في طريقهم إلى الخارج. في لمح البصر نصطف بكامل عدتنا و عددنا خارج المرقد نتراوح في مكاننا ننتظر أمر الانطلاق.
ـ إلى ساحة العلم، سريعا، سر.
و نهرول بالخطوة الضاربة الموحدة و أصواتنا المتوحشة تمزق سكون الليل و إغفاء العصافير ، ندمدم :
حد اثنين صاعقة،
حد اثنين صاعقة،
جيش شعب ضد الرجعية ،
حد اثنين صاعقة...
ندخل ساحة العلم من بابها السابع ، نتراوح في مكاننا ، لا نكف عن الزمجرة و الدمدمة. تدخل الفصائل الأخرى ، يفتش ضابط الخفارة الحضور ، يسجل ترتيب الفصائل في سرعة الاستجابة لجرس الإنذار . فصيلتنا السباقة دائما . ترفع التقارير إلى قائد الثكنة ، يعاقب الفصيلة الأخيرة في الترتيب بليلة طوارئ أخرى في بحر الأسبوع و يسمي فصيلتنا فصيلة الصقور ، يضرب بنا المثل في خطاباته ، درجة استعداد عالية لمواجهة الخطر . .
و شاعت عنا التسمية في الثكنة فكان ذلك يملأنا زهوا عجيبا . و رحنا على أننا صقور فتفجرنا قوة و شراسة . كنا نبحر نحو ضفاف الجحيم الأسود في سرعة مدهشة .
صرت أشعر أن نفسي تفلت مني ، أني أتحول تحولا غريبا ، أمسخ كائنا خرافيا ، حيوانا شرسا لا يكف عن الزئير و إبراز مخالبه و أنيابه لو أطلق من عقاله لمزق كل من صادفه أمامه .
و عندما أخلو إلى نفسي أحاول أن أنقد ذاتي، أن أوقف تحولي الخرافي، يعاودني الشعور بأني إنسان، و لكن من؟ سعد ! ابن من؟ أتقول جزائري وكفى؟ ! أحدق في المرآة لأرى وجهي، ملامح لا أعرفها، أبحث عن أنا في فلا أجده ، أصرخ في المرآة :
ـ من أنت ؟ من تكون ؟ من بصمك ؟ من وضعك ؟ من أين قدمت ؟ إلى أين تريد؟ أنا لا أعرفك...
و يطل شيء مرعب من العينين القاتمتين، أنفجر في المرآة بضربة رأس هائلة تتطاير شظايا و مرايا، و انتبه على فراغ في الإطار و الدم يجري من جبهتي
~~~~ ~~~~ ~~~~
ذات مساء حامز حملت وجهي الصفيق و قصدت بيت نوارة .
اشتريت لها كناريا آخر . كانت طفلة في السادسة ، و كنت أكذب بقلبي ، أكذب ، أكذب بلا هوادة .







 
رد مع اقتباس