منذ وفاة الرسول (ص) وقع خلاف حاد بين المسلمين حول قضية الإمامة , أي خلافة الرسول في رئاسة الأمة الإسلامية .
وكان فريق منهم يصرّ على حصر الإمامة في بيت الرسول وأهله , وتحديدا بابن عمه علي بن أبي طالب الذي كان زوجا لابنته فاطمة , وبذرية علي من بعده .
وتسمّى هذا الفريق من المسلمين بالشيعة .
وانتخب الإمام علي فعلا خليفة للرسول آخر الأمر (656 _ 661) , بعد تتابع ثلاثة خلفاء تولوا السلطة قبله .
وبعد اغتيال الإمام علي 661 للميلاد أصبحت الخلافة حكرا على أسرتين متواليتين , الأموية والعباسية .
الأسرة الأموية , لم تكن تمت بأية قرابة مباشرة للرسول , عدا انتمائها إلى قريش , وهي قبلية الرسول .
الأسرة العباسية , كانت تدعي التحدر من صلب العباس , عم الرسول .
ولم يعترف الشيعة بأي من خلفاء الأسرتين كإمام شرعي لأمة الإسلام .
وبدلا من ذلك , فإنهم استمروا في الاعتراف بالإمامة الشرعية لسلالات مختلفة من ذرية الإمام علي , وبالتالي فإنهم انقسموا مع الوقت إلى فرق متعددة .
وفي البداية كانت أهم هذه الفرق الشيعية في الشام , من الناحية السياسية , هي الطائفة الشيعية السبعية أو الإسماعيلية التي جعلت الإمامة حكرا على ذرية الحسين بن علي , ورأت بالإضافة إلى ذلك أن الإمام السابع من سلالة علي هو إسماعيل بن جعفر الصادق .
وقالت الطائفة بان اسماعيلا اختار "الستر" , أي انه اختفى , وبالتالي فان هويته لم تعد تُعرف إلا لفئة مختارة من أتباعه .
حتى خرج واحد منهم عن تستره في البلاد التي تسمّى اليوم تونس , وهو الإمام عبيد الله , فلقّب نفسه بالمهدي وأصبح مؤسس الخلافة الفاطمية في تونس , ثم نقل خلفاؤه عاصمتهم إلى القاهرة .
وكان الخلفاء الفاطميون يمارسون الخلافة على أساس كونهم أئمة إسماعيليين .
درج الإسماعيليون على الاعتقاد بان أئمتهم معصومون عن الخطأ . ومنهم من نسب إلى هؤلاء الأئمة صفات من الألوهية تسمو بهم وتجلّهم عن سائر البشر .
واعترف بعض الاسماعيليين لأحد الخلفاء الفاطميين , وهو الحاكم بأمر الله (996 _ 1021) , بكونه إماما ذا صفة فريدة , ألا وهي كونه التعبير الأخير عن الوحدة في ذات الله .
ولكن هذه الدعوة الإسماعيلية الخاصة لم تجد لها نجاحا إلا في الشام , وكانت هذه الدعوة تطلق على أتباعها اسم "الموحدين" .
أما الطائفة الشيعية الثانية التي تعاظم أمرها في الشام فهي الطائفة الاثنا عشرية أو الشيعية الامامية التي تعترف بتوال لاثني عشر إماما أولهم الإمام علي , ويليه ابناه الحسن والحسين , ومن بعد الحسين تسعة أئمة يتحدّرون من صلبه , جيلا فجيل .
والإمام السابع في نظر الشيعة الاثني عشرية لم يكن اسماعيلا بل شقيقه الأصغر الإمام موسى الكاظم .
وذلك لوفاة إسماعيل قبل وفاة أبيه الإمام جعفر الصادق الذي كان الإمام السادس .
وقالت الاثنا عشرية أن اسماعيلا لم يذهب إلى "الستر" كما يدعي أتباعه .
والشيعة الاثني عشرية تقول بان الإمام الثاني عشر , محمد المهدي , دخل في العام 874 أو في العام 879 , في "غيبة" عن العالم سيعود منها حتما عندما يحين الوقت ليملأ الأرض عدلا بدلا من الظلم السائد .
وبينما اعتقد الاسماعيليون بأن مهمتهم , عندما يكون أئمتهم في حالة "الستر" , هي أن يمهدوا لعودتهم إلى العلن من خلال النشاط السياسي , قالت الشيعة الاثنا عشرية بان البشر ليس باستطاعتهم أن يفعلوا شيئا للتعجيل في عودة الإمام الثاني عشر من "الغيبة" سوى الرجاء والمزيد من التعبّد والإيمان .
وبينما كانت هذه الطوائف الشيعية تنمو وتتكاثر في العالم الإسلامي على هامش الدولة القائمة , عملت الخلافة العباسية في بغداد على تحديد أسس الإسلام ومبادئه كما كان مطبقا في الواقع من قبل الدولة .
وذلك بدءا من أيام الخليفة المتوكل (847 _ 861) .
ولان الإسلام دين في أساسه الشريعة , فقد تم الاعتراف الرسمي منذ ذلك الوقت بأربعة مذاهب فقهية تشريعية في الإسلام , وهي الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي , على أن الإسلام القويم يعتمد على هذه المذاهب الأربعة دون غيرها .
في العام 1094 , حصل انشقاق بين الشيعة الاسماعيليين أدى إلى ظهور ما سمّى بالإسماعيلية "الباطنية" أو "الحشيشية" , وهي التي انفصلت عن الدعوة الإسماعيلية الفاطمية المستمرة في القاهرة .
وصارت قاعدة هؤلاء الحشيشية في حصن ألموت , في جبال بلاد فارس المطلة على بحر قزوين .
ولكن الحشيشية كان لهم وجود قوي في الشام أيضا , حيث حصلوا على امتيازات من الملك السلجوقي المتسلط على حلب , وهو الذي كان يأمل في استخدامهم ضد خصومه السياسيين في البلاد . وقبل مضي وقت طويل أصبح للحشيشية قواعد أخرى خاصة بهم في منطقة دمشق التي كان حكامها يأملون في استخدامهم ضد الفاطميين .
وبدءا من القرن التاسع وصلت بدعة القرامطة إلى الشام ونفذت إلى وادي البقاع , بعدما كانت قد ظهرت في البداية بين عشائر جنوب العراق وشرق شبه جزيرة العرب . ومن الباحثين من يعتقد أن القرامطة من غلاة الإسماعيلية .
وفي المصادر الإسلامية المعاصرة لحركتهم ما يشير إلى أن طائفتهم تطورت أصلا ليس من الإسماعيلية بل من فريق آخر من الشيعة عرف ب "الكيسانية" .
ولعل القرامطة كانوا على نوعين أصلا , أحدهم إسماعيلي والآخر كيساني .
وكان الخلفاء الفاطميون الاسماعيليون في مصر هم الذين تصدّوا أخيرا لبدعة القرامطة في الشام وقضوا عليها هناك .
وقد استكمل ذلك عندما وصل الحاكم بأمر الله إلى عرش الخلافة في القاهرة .