5 - " حسينة " يخطب الأميرة
عندما أخرجته عروسة النهر من السجن، أصر "حسينة" على معاودة الذهاب، وتكرار المحاولة، فقالت له : لن تستطيع أن تطلب المثول بين يدي السلطان إلا اذا أجرينا بعض التغيرات على ملامحك. . حتى تقدرعلى الإفلات من قبضة الوزراء، خاصة الآمر الذي يعرف ملامحك تماما .
قال "حسينة" موافقا : لكنهم سوف يسألون عن مقصدي. قالت أميرة النهر: سوف تدخل متخفيا في ثياب خطيب للأميرة عزة، وتحمل لها بعض الهدايا . . بل الثمين من الهدايا .
قال "حسينة" مبتهجا : هذه فكرة رائعة.. هلمى فقد فات الوقت.. والنهر حزين.. والمدينة تختنق. على الفور كانت أميرة النهر، تحمله، ثم تختفي به، تختفي.. تختفي، ثم تبرز مرة أخرى أمام الدرج الرخامي للقصر السلطاني، وتنزل "حسينة"، وقد غيرت من ملامحه وهندامه، وزودته بالخدم والدواب التي كانت تحمل صناديق منقوشة برسومات عربية ونقوش تدل على عظمة الخطيب الموعود. دعت له أميرة النهر بحسن الطالع، والقبول، وأرادت أن تنصرف، ففاجأه هاجس جعله يتشبث بها، لا يفلتها : أنا لا أريد ابنة السلطان.. أريدك أنت ياأميرتي.
ردت مبتسمة فرحة: وأنا أيضا أحبك ياحسينة ولكن للضرورة أحكام ويجب أن نضحي من أجل هدفنا الكبير. ازداد توجسا وهما : وأحرم منك؟ لا.. لن أفعل ذلك.. إن روحي معلقة بك ولن أقدر على العيش بدونك.
تأهبت للرحيل قائلة: سأظل قريبة منك مهما حصل. أمسك بها بعنف: لا.. لن أفعل.
ابتسمت أميرة النهر وهي تخلص معصمها : من أسمع؟ حسينة الذي يحب الناس والنهر! النهر حزين يا ساحر النهر، والناس جوعى يا ربيب الناس.. كن أكبر من عواطفك الخاصة.. هيا يا حسينة.
قال بألم: هذا ثمن فادح ياأ ميرة ! قالت مبتسمة: على قدر المطلوب يكون حجم المدفوع.. هيا يا ساحر النهر.
واختفت الأميرة، وهو يتابعها دامع العينين. وارى دموعه عن الحاشية، وتقدم من السلم، وهو يحاول جاهدا أن يبدو متماسكا وطبيعيا ، رغم القلق الذي ساوره، إنه لا يتصور أن يحرم من أميرة النهر بمحض ارادته هكذا، ولكن قضية النهروالناس.. بل المملكة كلها أصبحت أمانة في عنقه، ولابد من فضها، تماسك أكثر، وراح يصعد الدرج.. أدى له الحرس التحية الواجبة، وأسرع الحجاب يرفع الأمر الى السلطان، فاستقبله استقبالا يليق به، رغم تخوفه، فالأميرة لم تعد الأميرة عزة الجميلة، أصبحت دميمة.. وتمنى السلطان ألا يطالبه الخطيب برؤيتها.
قال السلطان: أنت تعرف شرطي الوحيد.. عقد الأميرة الضائع.
قال "حسينة" : عقدها عندي يا مولاي. قال السلطان: فأين هو؟ أرني ما تحمل.
قال "حسينة" : معى من العقود والأقراط والجواهر ما يفوق الوصف ويسر الناظرين.
صفق " حسينة " للخدم، فحملوا الهدايا وجعلوها بين يدي السلطان.. حرائر من بلاد الواق وأقراط من المريخ وعقود من الزهرة وزمرد من بلاد النوبة.
كان الوزراء قد شل تفكيرهم الفزع والرعب، وأصبحت مشاوراتهم ومناقشاتهم بلا قيمة تذكر، ومسرور يقف قبالتهم، يلوح بسيفه اللامع العريض، الذي يقصف الرقاب ويحني الجباه، يتحسسه بين لحظة وأخرى، ثم يزمجر مسرور بصوت دموي غير إنساني كأنه وحش جائع. وظل هكذا الحال حتى أتى نبأ الخطيب الموعود، فرفعوا الاجتماع، وتنفسوا الصعداء، واستراحوا بعض الوقت من الوقوف أمام مسرور وسيفه الجبار، راحوا يهشون لهذا الشاب الجميل الذي أنقذ رقابهم الى حين من سيف مسرور واحتفوا به أيما احتفاء.
طلب "حسينة" من السلطان ضرورة الانفراد به، ليفضي اليه أمرا، وعلى الفور أمر السلطان الوزراء بالانصراف، وبقي الآمر الى جواره، يتفرس في ملامح "حسينة" ويمارس دوره كوزير للشرطة، دار ولف حول "حسينة" وقد داخله شك في حقيقة الخطيب، ولكن السلطان أمره بالانصراف فورأ، فتقدم من الباب، وتعلق به للحظة ثم انصرف مغلوبأ على أمره.
قال "حسينة" للسلطان: سيدي السلطان.. إن عقد الأميرة هناك في النهر.
رد السلطان بتؤدة: أي نهر؟ ألم تقل أنه معك ياأمير؟ أجاب "حسينة" : لو أن العقد معي لقضي الأمر، فليذهب الخدم اليها بالهدايا.. فإن وجدت بغيتها في هذه الأشياء يا دار ما دخلك شر.. وإن لم أوفق فالنهر يحمل السر.
ابتهج السلطان وقال: ليكن.. هيا الى جناح الأميرة.. هيا.
اندفع الخدم بالهدايا الى جناح الأميرة، وبعد قليل عادوا عابسي الوجوه، يحملون نفس الصناديق والمتاع، والرعب يسيطر على مفاصلهم.
تعجب السلطان وقال: لم يكتب لك النجاح يا أمير.. هات ماعندك.
قال "حسينة": العقد في النهر.. قالت ذلك ساحرة النهر.. حاولت البحث عنه وإخراجه ففشلت.. فأنا وحيد، وخدمي وحرسي قليلون، فلو أنك يا مولاي أرسلت جندك وحرسك لعثروا عليه وعادوا به الى الأميرة.
قال السلطان: أرى في كلامك نضوج الصدق وأيات الحكمة.. ليكن.
وأمر السلطان بالبحث في النهر ..فورأ، خرج كل الجنود.. كل الحراس.. كل الأتباع بالمعاول والفؤوس والألآت الضخمة، يرفعون التراب عن النهر، ويبحثون عن عقد الأميرة.
كان السلطان ينتظر مع " حسينة " ما تسفر عنه محاولات البحث عن العقد، وحين ولى النهار، كان أمر سلطاني بإعداد جناح للأمير، حتى يعود الجميع من رحلة البحث، ومعهم الخبر اليقين، وكانت الأميرة عزة تفاجأ كل يوم بروح جديدة تدب في كيانها، كل يوم يمر تختفي بعض البثور والتقرحات، وحين كانوا ينهون رحلتهم ويستعدون للعودة، كانت الأميرة تستعيد جمالها وتعود جميلة في ألق البدر، تملأ الدنيا غناء وشدوا، وتصدح بأعلى صوتها، بأجمل الكلمات وأرقها وحين وقف العائدون أمام السلطان يرددون: لقد ضللنا الأمير.. ونكل بنا.. ويجب على مولانإ القصاص منه. دخلت الأميرة مشرقة، كنرجسة حديثة التفتح، وارتمت في أحضان السلطان، وهى تردد سعيدة: أبي.. أبي.. وجدت العقد يا أبي.. شكرا لله.. شكرا لله.
قال السلطان بابتهاج: أين هو ياأ ميرة؟ قالت الأميرة: هاهو.. أنظر.. هاهو.
تعجب السلطان غاية العجب، فقد كان نفس العقد الذي أبصره في جيدها منذ شهور. قال السلطان: أليس هو العقد الذي رأيته في رقبتك.
قالت الأميرة: أبي.. عقدي المسحور.. له خضرة الحقول.. وذهب الشمس.. ووهج الحياة.. يتلألأ ببريق مسحور.. له فرحة الطيبين عمالا وفلاحين وصيادين، تشم له الطيب والعبق الندي روحانيا عقدي له سحر الحياة وقد وجدته فلا تجعله يضيع مني.
كان "حسينة" يحدق في وجه الأميرة منذ دخولها بافتتان ، كانت تحمل نفس ملامح أميرة النهر.. إنها هي.. هي. أكان يجلس الساعات الطويلة الى جوار الأميرة عزة دون أن يدري. لم يلتفت لما تقول، لكنه غرق في حسنها وملامحها. قهقه السلطان: مازلت لا أفهمك يا بنيتي.
انشرح صدر "حسينة" بما يرى، وقال موجها حديثه للسلطان: لي مطلب أخير يا مولاي.. وقبل ذلك أحب أن أعرف جنابكم بنفسي.. أنا ابن صياد من صيادي المدينة. الصيادون الذين يعشقون النهر، وبدونه يموتون. وقد أمرتم بردم هذا النهر.
قال السلطان: نعم.. نعم.. هذا النهر الذي يلتف حول المدينة.. يلتف كعقد من اللؤلؤ.. أه.. فهمت.. فهمت. وتنهد السلطان ناظرا الى جيد الأميرة، وهنا فقط كان يربط بين رفع التراب عن النهر والعثور على العقد الضائع، وأبتسم وقال موجها حديثه الى "حسينة": أكمل حاجتك ياأمير.
أكمل "حسينة": والمدينة بدون نهر تعيسة وحزينة.. لا هواء ولا روائح طيبة. فقط الرطوبة والملل والخراب والجوع.. خراب يا مولاي لا يربي ذوقا ولا رفعة والمزارع تملأ المدينة فكيف لنهر تعيش عليه وبه مدينة أن يردم؟
قال السلطان: هذا نهر طيب أعاد العقد للأميره، وأذهب حزننا وتعاستنا. هذإ النهر لن يمس بسوء ..ورفع السلطان صوته: يا حراس.. استدعوا كل الوزراء فورا.
راحت عزة تحدق في "حسينة" بشغف وفرح ، إنه نفس الشاب الذي تراه في مرآتها المسحورة كل ليلة. . نفس الشاب الذي عاشت على أمل أن تراه حقيقة، فانجذبت اليه ..سعت الى حيث يجلس. قام "حسينة" هاشا باشا ، وسلم عليها برقة.
أقبل الوزراء على جناح السرعة، ووقفوا بين يدي السلطان مذعورين، يحدقون في سيف مسرور بخوف عظيم . ابتدرهم السلطان قائلأ : النهر طيب. . والطيب لا يكون جزاؤه الردم يا وزرائي الأعزاء . . فليظل النهر ما ظل الحقل والطير والانسان، فليظل النهر ماظلت الحياة. . أسمعتم يا سادة. . هيا أعيدوا للنهر سحره. . هيا وليجاز المضلل الذي دفعني إلى توقيع أمر الردم.
أصدر السلطان أمرا آخر: فليعلن في كل المملكة نبأ زفاف الأميرة عزة الى الصياد "حسينة" ابن مجيد، ولتقم الأفراح، وتعلق الزينات، ويكرم كل فقير ومحتاج.
عاش ساحر النهر سعيدا مع زوجته الأميرة عزة في قصر أقامه السلطان على النهر الطيب، كما عاد المهاجرون إلى دورهم وشباكهم ومزارعهم وزوجاتهم الجميلات.
(تمت )