الأسئلة الفلسفية:
الأسئلة هي ملح الرواية ومفتاح مغاليقها العصية، وتقنية الأسئلة تجعل القاريء في يقظة دائمة وحوار مستمر مع الكاتب أو بطل الرواية وشخوصها وإني لا أتخيل رواية جيدة بغير أسئلة ترصع فصولها وتكون علامات دالة تهدي القاريء في منعرجات السرد المتصل، ورواية شهرزاد زاغز معبئة بدفق من الأسئلة المتلاحقة ولا تكاد تخلو صفحة من صفحاتها من سؤال مثير أو مقلق،وأسئلة هذه الرواية ليست بسذاجة الأسئلة التافهة التي ربما أثقلت كاهل الرواية والقاريء أيضا وتجعله يلقي بها بعيدا ، إنها عكس ذلك تماما ،إنها أسئلة محكمة تجعل شعر القاريء يقف ونبضه يتسارع وأنفاسه تتلاحق من ثقل ما يقع على ذهنه وإدراكه ، وقد صاغتها الكاتبة بعناية مدهشة ،بحيث تجعل من السؤال ذاته صورة فنية قائمة على حدة ، ويكفي أن أمثل على ما أقول بالمثالين التاليين :
" هل تدركين معنى أن تكون لك القدرة على إعادة الألق إلى العيون؟"
" هل بإمكاني الخروج من ثقوبها؟هل بإمكانها الخروج من ثقوبي؟ هل بإمكانها تمزيق لوح الذاكرة ؟"
ويمكن أن نقسم أسئلة الرواية إلى نوعين رئيسيين:
1- أسئلة لا تحتاج إلى أجوبة:
لأنها تحمل أجوبتها في ذاتها، وربما كانت تحتمل عدة أجوبة.
2- أسئلة تجد أجوبتها في تتابع السرد الحكائي.
ومن أمثلة النوع الأول:
وهو أهم النوعين وأعلقها بالصورة الإبداعية، يمكن أن نذكر مايلي:
تقول الكاتبة في صفحة 5 :
" إني أتعثر الآن بالوجوه القديمة... لعشرات الشخصيات التي مرت من هذا الثقب، في هذه الغرفة السوداء كم مرة دام تمططها كم دام استعراضها الكرنفالي ؟
هل يمكن اختصار المسافة بين هذا التباهي الكرنفالي وهذا الكدح المرير لأجل لقمة ناشفة ؟؟"
هي أسئلة لطالما طرحها الإنسان منذ تمايز الناس وعلا بعضهم على بعض ، إنها أسئلة الوجود وأسئلة الكون العالقة ، لم يعيش أناس في القمة وينعمون بأرفه عيش ، ويحيا آخرون في الحضيض ولا يجدون كفافا من عيش ؟ لماذا تسخر الصحفية سميرة موهبتها لإبراز الزيف والاستعراض الكاذب، وتغض الطرف عن بؤس أناس " الكدح "المرير، هؤلاء المبعثرين في الشوارع الرطبة والباردة القاسية، إنها معادلة صعبة ومعقدة أن يحاول صحفي يقظ الضمير اختصار المسافة بين العالمين، عالم "الأعالي "وعالم "الحضيض" .
ومن هذه الأسئلة أيضا ما جاء على لسان بطلة الرواية "سميرة "صفحة 33-34:
"ما الذي يحدث ؟؟.. آخر خبر..حديث الساعة، الجهات العليا في غليان.. استقالة الحكومة.. ما الذي يحدث؟؟
يا إلهي هل من الممكن أن تكون هي ؟ هي من تفعل بهؤلاء كل هذا ؟هي التي تستفز الآن شهامتهم ؟تكسر بهذا العنف جدار الثلج الذي بات يزداد طولا يوما بعد يوم ؟؟...هل من الممكن أن يكون الأمير معي؟ يسكن بيتي يقاسمني هذا الخواء وهذا الطعم المرير للوحدة ؟
يشرف على أحلامي ؟...هل من الممكن...؟"
وتطرح الكاتبة دفقا آخر من الأسئلة الفلسفية مستفهمة بها عن بعض نواميس الكون المحيرة، تقول في صفحة12:
"... يا رفيقة المتاعب دعينا نحتسي معا فنجان القهوة المر بصحة التعب، والفوضى والنظام.. حميدة من يحتوي الآخر الفوضى أم النظام ؟؟ القهوة أم الفنجان ؟؟..."
بالإضافة للأسئلة الفلسفية التي أججت أحداث الرواية وصهرتها في بوتقة الاستفهامات القلقة، هناك أيضا في الرواية حيز معتبر لأفكار فلسفية شغلت ذهن البطلة وألحت عليها في جميع مراحل أحداث الرواية.
وأول هذه القضايا والتي تقف حاجزا أمام كشف الحقيقة، هو عقدة الخوف الرعيب الذي سكن سميرة منذ طفولتها ونما معها وتطور مثل أي عضو آخر من أعضاء جسدها الذي لا يمكنها التخلص منه بيسر وسهولة ، تقول في صفحة 3:
" لحظة الخوف تغير نظرتنا للأشياء... "
الخوف غريزة طبيعية في الإنسان تماما مثل غريزة الشجاعة والجبن، الجرأة والحذر، البخل والسخاء وغيرها، وهي كلها تجتمع في العمق التكويني للإنسان دون أن يكون هناك أي تناقض بينها أو تضاد لأن لكل غريزة دورها المنوط بها، لكن إذا طغت غريزة على أخرى وحدث التفاوت اختل الميزان، ولعل هذا الميزان الذي يعبر عن غرائز الإنسان المختلفة – وليس الخوف والشجاعة وحدهما – دائم التأرجح وقلما يستقر على هيئة واحدة وذلك راجع إلى عوامل كثيرة يضيق المقام عن تناولها هنا.
وعندما تقرر الكاتبة بما يشبه صيغة القطع أن لحظة الخوف تغير نظرتنا للأشياء، فإنها بذلك تفضح حقيقة كامنة في نفس الإنسان ولا تظهر على السطح إلا في لحظة محك التجربة.
وكثير من الناس قد يدعون الشجاعة والجرأة.. وقد يتبنون أفكارا مثالية، ويعتنقون قيما عليا ولكن عندما يصطدمون بأدنى عائق، تبدأ التنازلات ويتنكر كثيرون لما ادعوه وتشدقوا به طويلا .. ولا يصمد إلا ذووا العزائم الجبارة وأصحاب الإرادات الحديدية..
إن لحظة الخوف هي الأتون الذي ينفي الخبث عن المعدن الصافي.. ولهذا الخوف في نفس البطلة مستويات أو أطوار عدة، تقول الكاتبة في صفحة 22:
مصابيح الأمان داخلي مكسرة منذ الآلف السنين، أنا أتعاطى عصير الخوف منذ أن شجني حجر في الرأس".
وينمو هذا الخوف في نفس البطلة شيئا فشيئا تقول في صفحة36:
"لقد كان يتسلقني لبلاب الخوف ".
إذا الخوف هو مثل شجرة اللبلاب التي تنو متسلقة داخل كيان البطلة إلى أن يتحول بفعل الأحداث المروعة وتقلبات الحياة القاسية إلى شجرة عملاقة تكاد تشل كيانها وتجمد تفكيرها:
"ترتعش في أعماقي شجرة الخوف العملاقة"ص 21.
غير أن ا الخوف ليس شرا كله بل فيه جانب إيجابي هام، تقول لكاتبة في صفحة 3:
"لحظة الخوف تغير نظرتنا للأشياء "
فهو يجعلنا ننظر للحياة برؤية مختلفة ربما أكثر تمرسا وخبرة.
ختاما:
" بيت من جماجم صورة حية وصادقة عن مرحلة من مراحل تاريخ الجزائر الحديث، تشكل صفحة سوداء منه بما تضمنته من مآس وأحزان وأهوال يشيب لها الولدان.
ولقد تمكنت شهرزاد زاغز بما تملكه من أسلوب شاعري مرهف، وتقنيات سردية متنوعة من أن تمنحنا نصا روائيا وإن كان قصيرا نسبيا إلا أنه يحتوي على منجم من الخبايا الفنية التي تستأهل أكثر من قراءة لتجليتها.
هامش:
01 -شهرزاد زاغز كاتبة ومبدعة وأستاذة جامعية جزائرية.
02- صدرت الرواية عن جمعية الجاحظية .