عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 21-02-2006, 06:32 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
أحمد الجميلي
أقلامي
 
إحصائية العضو







أحمد الجميلي غير متصل


افتراضي

الليل رحب و هاديء في أحياء واشنطن الراقية، و كان يسير مصغيا لأفكاره و التي تسير هي الأخرى، بذهول حزين و برغبة عارمة للبكاء تحت لحاف هذا الليل، المخلوط بنور مائع للنجوم، لا يكاد يلحظ كما الأحلام البريئة وسط الشجون. آه لكم يحب النجوم، لكم يثق بها، ربما لأنه يراها رمزا للخلود، إذ أنها تشع بنور ماضيها الذي يصلنا. قد تكون ميتة الآن، لكنما- ورغم ذلك- هاهي تشع. و ماذا عنه؟ و ماذا لو مات حتى؟ من سيهتم؟ منذ ذاك اليوم الذي أُبعِدت عنه حبيبته حتى تحول لوحش هائج، يريد النجاح بأي ثمن كي يعود إليها يوما. و هاهو، يسير تحت مطر خفيف، بمدينة منعزلة و حزينة مثله، متوحدة مثله، و باكية مطرا مثله. كان يبكي بأعماقه ذكراها، و ذكراه أيضا، لأنه أضاع من يكون هو حقا من دونها. كانت المرارة تغتصب أنفاسه، ففي كل ليلة من ليالي عمله بمضخة البنزين، كان يبكي بصمت و حرقة أثناء عودته إلى منزله أبان الفجر. كانت دموع غزيرة حارقة و مخلوطة بصلاة و دعاء مريرين إلى الله كي يعيدها له. بأحد المرات كاد يموت طحنا تحت شاحنة هائلة، و هو يقود سيارته المتواضعة بعد أن أغرورقت عيناه دمعا سدّ الرؤيا عليه.

يعود للمنزل، يصلي الصبح بوجوم ثم يجلس على سريره مفكرا بها، محصيا ساعات عملها و ما يمكن أن تفعله الآن. يرى نفسه يبتسم فجأة لظنه أنها تلعق بعض الحساء بمغرفة الطعام ببيت أهلها، و لكنه يعود للأسى عندما يكتشف بأنه لا يعرف عنها شيئا، و كان هذا إحساسا مطبقا بالضياع. أنه لا يستطيع الإستمرار من دونها، و إن فعل فإنما سيكون شخصا مشوها غاضبا و حاقدا على الحياة. كلّ ما أراده بحياته هو قليل من حب و سلام، و أيضا، أن تحبه كثيرا و تتمسك به كضرورة لحياتها. كانت تصيبه حالات من الهلوسة، إذ يبدأ حوارا مع خيالها، و أنه ليعلم بأنه حوار لمواساة ذاته، لكنه فجأة ينسى العالم و ينشغل بالحوار حقا حقا! كأنها هناك فعلا، و أنه ليرفض حتى أن يُقاطع أثناء حواره معها. و كان يتمزق شفقة على حاله بعد أن يكتشف و بذهول أنها ليست موجودة, و أنه يعانق وسادته و يطبع قبله الحارة المتلهفة على قماش بائس. كان قد قرر الإنتحار جديّا بيوم ميلاده بعد أربعة أشهر من الآن، و لقد أشترى ما يلزم: حبّات مرخية للعضلات و كثرتها تشل القلب. كان يريد أن يموت بهدوء و دون الإلتفات للوراء، دون أن يسمع صرخات أمه المفجوعة، دون رؤية دماء، دون تحقيقات تتعب أهله بسبب موته، و دون إتعاب أي إنسان بسببه. كان سيكتب رسالة حارّة إليها، يعزف مقطوعة "حلم رجل ما" و يضم صورتها إلى صدره و كل ما كتبه بحياته. و سيرتدي ملابس أنيقة بلا ربطة عنق، لأنه يكرهها. هكذا قرر أن يرحل بلا إزعاج أحد أو أحد يزعجه، و آخر ما سيفعله هو كتابة ورقة بجيبه تشرح الإنتحار و أسبابه و الوسيلة المتبعة. ذلك لأن الحياة لم تعد شيئا يريده دونها. كان يشعر بالكرب و هو يعمل ليلا، و هو يطاردها بخياله، و هو يحمل الصناديق الثقيلة، مفكرا بها تعمل بمكان ما بالشرق، و لكن هل هي بالشرق؟ ألم تسافر ربما؟ لكن إلى أين؟ ليته يعرف، فالآن سيبيع سيارته و مجموعة من دمه ليرحل لها لأجل ساعة لقاء. نعم، يبيع دمه لأجلها. كانت قد سألته يوما عن المال الذي أنفقه بآخر إتصال مكلف لها، فأجابها أنه "من داخلي" إلا أنها لم تفهم مغزاه، بل أكملت موضوعها الأساسي.

لم يكن ليجرؤ على قراءة رسائلها إليه، لأن نبرتها تثير جزعه حنينا إليها، إلى نحافتها اللطيفة، إلى طباع العصفورة الصغيرة المتوحدة، التي يريد حضنها و تقبلها و وضعها بعش صغير يخبئه بقلبه. لكم يحبها. كانا يريدان أنجاب طفلة يسميانها "قدس"، و كانتا هي و "قدس" تعنيان له كل النضال الحقيقي لأجل القدس، لأن عوائق زواجه بها هي ذات عوائق ظفرنا بحقنا في فلسطين.

كانت فكرة العمل بمؤسسة عراقية قد شعّت عليه كنجم وحيد بسماء بلا نجوم، و لقد أكدت له سوسن بأنه سيعمل لا محالة. و كيف ينسى إلتماع السعادة على وجوه أسرته؟ صلّى والده ركعتي شكر لله، أما أمه فقد أشتركت بإعداد الرحلة بحماس شديد. أشترت جوارب جديدة، حقيبة متوسطة لم يأخذها معه، لكنه شكرها لأنه قد يسافر للقاء حبيبته و سيحتاج الحقيبة. شاهدته يبتعد عن باب المنزل بوجه يقطر تفاؤلا، دون أن تغفل عادة الأمهات العراقيات بقذف الماء خلف الإبن المسافر أو الملتحق لجبهة القتال خصوصا. كان إيماناً شعبيّا ساذجاً بأن الولد سيعود لأمه بعد قذف الخير (الماء) خلفه. و بلى هاهو عائد إليها بعد يوم أو إثنين، إنما بلا عمل عائد و بلا أمل على وجهه. سيغصّ ألماً لرؤية وجهها الدافيء يحتقن حزنا، و ستمضي مطرقة للمطبخ لتعدّ له طعامه. كانت هكذا دوما: تعدّ الطعام لأي مسافر و كأنه لم يأكل منذ رحيله، و لا تقف عند هذا بل تحفظ طعامه عن كلّ وجبة يأكلونها يوميّا. و ماذا عن زملائه بالعمل؟ سيضحكون، يهرجون و يستهزؤون. "هه.. ألم نقل لك بأنك حالم بائس؟ تزوّج امرأة أمريكيّة غنيّة و أحيا معها لتستمتع هي بشبابك و أنت بمالها.. أنها الحياة يا رجل". سينهرهم بأن يخرسوا جميعا، أن يجدوا أي قبر يواري أجسادهم لأنهم موتى دونما شك.

وصل إلى المحطة أخيراً، فألفاها راكدة و الرياح تعصف بمُزَق صغيرة للجرائد، و كانت تبعث الشعور بأنها مقبرة. توجه إلى النفق حيث رصيف الإنتظار. وحيدة تماما، وقفت امرأة مشعثة الشعر. شاردة، منهكة، و حاملة لحقيبة سفر جلديّة باهتة. كانت تبدو شديدة البؤس تحت أضواء النفق الصفراء. تأملها لهنيهة سريعة، مفكراً بمعضلة المعاناة الإنسانيّة و القدر أيضا. هل نصنع المعاناة أم أنها تُفرض علينا؟ و من يَفرضها؟ لو قلنا أنها نتيجة أفعالنا فهل يبرر موت الأبرياء حتى؟ أليسوا هم جزء متأثر في هذا العالم؟ و من قال إن على العالم أن يغص بالعدالة هذه؟ و هل لقصف الصهاينة بيوت الفلسطينيين، و موت الأطفال و الأبرياء أي صلة بالعدالة؟ هل صمتهم هو سبب المعاناة؟ و ماذا بوسع الأعزل أن يفعله أمام لص وغد شنيع أتى لسرقة أرضه, و متسلحا بكل عتاد الدنيا و دعم العالم المسيحي له؟ هل هم يدفعون تكاسلنا الأحمق عقدا بعد عقد؟ و من سيحاسبنا نحن؟ و متى سنستفيق أيضا؟ أنحن بحاجة للصفعات الجسام كي نفهم و نعمل لواقعنا؟ إذن لتتوالى علينا. هزّ رأسه موافقا، ثم عاد يتأمل المرأة التي صعدت للقاطرة التي توقفت لوهلة، و سارعت بعد ثوان بالإنطلاق مخلفة ورائها زوبعة أوراق، تحمل أخبارا لمآسي شرقنا.

جلس على مسطبة باردة، و عاد يفكّر بكل ما يمكن لأفكاره أن تطوله بأصابعها الأخطبوطيّة. تأمل قطة تسير بهدوء على الجانب الآخر للنفق، و تفاجأ بأنه كان يبتسم على نحو أبله و بلا أسباب محددة. و بلا تلك الأسباب أيضا، ربما لرغبة دفينة بأن يتلائم مع وحدته، فاجأته شفاهه القرمزيّة المرتجفة بردا بغناء لحن بطيء لأغنية "التحديات" لكاظم الساهر.

أتحدى كلّ من عاشرتِهم
من مجانين و أطفال
و مفقودين ببحر الحنين
أن يحبوكِ بأسلوبي و طيشي و جنوني
أتحداكِ أن تجدي وطناً مثل فمي
و سريراً دافئاً مثل عيوني.*

أنه يشتاق إليها للغاية، كذاك الشوق الذي لا يروى إلا بعد ساعات من العناق و القبل الحارة التي تطال كلّ شيء فيها. ضغط على فكيه فور تذكره لفكرة عناقها، و ابتسم لنفسه بمكر ظريف بأنه لا يخاف على شيء قدر خوفه من تحطيم أضلاعها من جنون ضمها لصدره. أنها تحمل فلسفة مقدّسة عنده: أنها الوطن. نعم، لأن الوطن لا يحتاج جبالا و أنهاراً لصناعته، ذلك أنه مجموعة آمال و أحلام و أفكار نحلم بها، و نحاول تحقيقها على أرض ما و التعايش وفقها. لكنما أبداً، إذ يمكن لهذا أن يتحقق مع امرأة تكون وطنا لدموعنا و لجانبنا الرقيق الذي يحفظ تماسكنا الروحي. الذي يدفعنا لإبتلاع العالم عند خروجنا إليه كرجال أشداء، لكنما الحقيقة أننا نحتاج للحظة سلام فوق كتف امرأة تفهم لماذا و متى و كيف تكون الوطن بالنسبة لنا. ليس متأكدا هو أكانت تلك شاعريّة الرجال، أم أنها- ربما- رجولة الشعراء؟ و لكن أيّ الإحتمالين لن يكون مهماً لأنها بعيدة عنه، و لا غاية ترجى من إدراك الأمر بعيدا عنها. أشدّ ما يؤلمه أنها لا تدرك كم يشتاق إليها من مجلسه هنا، بساعة تكون هي قد عادت فيها من عملها و توضأت لتصلي. راح يعدّ نقوده القليلة، مفكراً بأنه سيقوم بعملية عاصفة لبيع مقتنياته و يزورها لآخر مرة قبل إنتحاره. يبتسم للفكرة و ترتاح أوصاله المتجمدة للموت، و لكن أشد ما كان يقلقه هو رغبته بنشر أعماله، فعلى الأقل سيفهمه (و لو متأخراً) من كان عليهم فهمه بحياته. كان الوضع مأساويا بحق، و قد أخبره أحد أصدقاءه قبل أن ينتحر بليلة واحدة: ليس هناك من وحدة أشد وطأة من وحدتك في ذاتك، ذلك أنك تنسلخ تماما حتى عن ذكرياتك و ما تحمله من أمل. وافقه حسن الجواهري يومها بهزة رأس واجمة، و لم يلاحظ الحزن بوجه بسّام و هو يتأمل من حوله بعيون بعيدة، لم تكون عيون أحد من أهل هذه الدنيا. كان يقول بتأكيد في تلك الليلة: كلّ منا له هدف مقدس و حالة أستقرار معينة نوجدها بتأسيس الهدف أو بعد تأسيسه أو بحالة موازية للسعي نحو الهدف، لكنما دوما ترى البشر يسعون لهدف و يرتكزون على حالة إستقرار و لو جزئية، و الكارثة معي و أمثالي، و أبتسم بسخرية يومها، أننا خسرنا الهدف المقدّس و ضاع الإستقرار أيضا. هذا آخر ما قاله لهم.


وصلَ القطار بعد زهاء عشر دقائق. دلف إليه و جلس بهدوء على أقرب كرسي، بينما أندفعت تلك الآلة (الأقرب جوهرا للحياة) بجنون إلى جهة ما. وجهه ينعكس على زجاج النافذة، مرة أخرى، و لكنه جامد ببرود الأسى. يتوقف القطار أخيرا بالمحطة المنشودة، و ينزل منه ليسير نحو الشوارع التي ستوصله للفندق، و كان الليل خفيفا بسبب الأضواء الكثيفة للمدينة الصغيرة. سار كيفما أتفق، واضعا كفّاه بجيبي بنطاله، ناظرا إلى الأرض الباردة التي تنفث دخانا أبيضا من فوهات الأنفاق و المجارير. فتح طوية ياقته ليدفي رقبته و ألفى نفسه يفكّر بعادل منصور- كأن هناك إتصال بين المجارير و الأخير- إذ بصق بسخرية و همهم بكلمات السيّاب كما لو كانت كلمات أستوحاها لتوّه:

"إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنون
أيخون إنسان بلاده؟
إن خان معنى أن يكون، فكيف يمكن أن يكون؟"**

وصل أخيرا إلى النِزل، و أشارت ساعة البهو إلى التاسعة و عشر دقائق. أبدى ورقة الحجز و هويته، ثم أستلم المفتاح الممغنط ليمضي لغرفته في الطابق السابع. توجه إلى المصعد حيث يستقله عجوز و زوجته، و أضطر لأن يستمع لحديثهما المرح و أسلوب تحاورهما الأشبه بتحاور خطيبين أو زوجين ودودين، خبِرا جمّا من المشاكل بينهما حتى توصلا للطريقة الصحيحة للتعايش. تمنى بحرقة آنها لو أنه أمتلك الفرصة للتفاهم مع من يحب، فبالنهاية الحب لا يشترى و لا يعوّض. ربما يجد البعض حبا آخر، أو يتوهمون بحب آخرن لكنما أبدا لن تعاد تلك الأحاسيس الصادقة الشديدة النقاء، لأنها تستعمل لمرة واحدة، و إما أن تثمر لتبقى إلى الأبد أو أنها ترحل لتخلف إنسانا آخر شديد الحذر مع مشاعره و الثقة بالآخر.

و بمجرّد قفله لباب حجرته جيدا حتى خلع ملابسه كلّها و توجه للحمام، يغزوه شعور بأن الأدران تتكوم على جلده، لكنه أكتشف- و هو يجلس بحزن في حوض الماء اللاهب- أن سبب الثقل لا يعود للأدران الوهمية، و إنما،حقا، كانت بسبب ثقل الدمع في صميم محاجره.

تحطمي أيتها الأحلام
بفوضى.. فوق صخور أحداقي.

لفّ المئزر على خصره النحيل، و أرتمى إلى السرير الفخم المعدّ لشخصين. تأمل الفراغ الكامل إلى جانبه الأيمن، و تخيلها ترقد قربه نائمة لكنما الخاطر طار سريعا، كعصفور خائف، بعد أن هزه يقين بحرمة ما تقترفه أفكاره و بخجل فطريّ أيضا. لم يكن قد تخيلها بمفاتن كباقي النساء، و إنما كانت دوما رمزا شديد النقاء و الجوهريّة للخير عنده. أنه يؤمن بها.


تابع







 
رد مع اقتباس