[align=center]فنسنت فان غوغ حاضر في بيته
كما لو أنه لم يغادره أبدا [/align]
[align=justify]المصدر: الزوراء
15 / 01 / 07 [/align]
[align=center]
[/align]
[align=justify]بدلا من فنسنت فان غوغ، وجدتني محاطا بأبنائه. ولكن الهولندي الذي قطع أذنه في لحظة شغف مجنون قتل نفسه في «آرل» الفرنسية عام 1890، ولم يكن قد تزوج بعد.
أبناؤه الذين التقيتهم في طريق عودتي الى استوكهولم من دبي،
هم العباقرة الذين طلعوا مباشرة من خبرته الجمالية الفذة: فاسيلي كاندنسكي، غوستاف كليمت، اوسكار كوكوشكا، وايغون شيلا. هناك آلاف سواهم ممن سحرهم الانصات الى ريشة العبقري المجنون، فصاروا اتباعا لرجل هو الأكثر قلقا في كل العصور: فنسنت فان غوغ.
فنسنت فاغ غوغ بالنسبة لمن توله به ليس لوحاته وحدها، بل هو ذلك المزيج العجائبي من فكر يرى في الرسم خلاصا دينيا، من حياة أمضها العذاب واستهلكتها لذائذ لم تنجز. في شبابه كان مشروعا لرجل دين، غير أن مغامرته الوجودية قادته باتجاه المطلق. أليس هو القائل: «احتاج الى جرأة فظيعة لكي أقول كلمة واحدة: الايمان. وبعدها أخرج الى الليل كي أرسم النجوم». لم يكن ابن الانطباعية وفيا لها إلا من جهة موضوعاته، أما تقنيته المبتكرة فتقع ينابيع الهامها في اليابان. كان فان غوغ يرى بعيني انطباعي يحمل يدا يابانية. وهو ما جسد صراعا مميتا عاشه فنسنت منهكا، بمزاج كان يزداد عتمة مع الوقت، حتى أن صديقه غوغان الذي ذهب به تمرده الى آخر الأرض (تاهيتي) لم يستطع تحمل ذلك المزاج المتقلب، فترك صديقه المريض وحيدا بعد أن اشتبك معه. كان الرسم بالنسبة لفنسنت (1853 ـ 1890) علاجا سحريا أبيض لليل الحياة. ولهذا لم يكن الرسم، في حد ذاته، يعني بالنسبة اليه شيئا، لولا تلك الجرعة التي يحتويها من الأمل. رجل يجد الرسم في غير مكانه لا بد أن تكون رسومه مصدر ايحاء بولادة مفهوم آخر للرسم. وهذا ما حدث فعلا بعد سنوات قليلة من وفاته. «والدهم جميعا» هو عنوان المعرض، الذي يقام حاليا في «متحف فان كوخ» في أمستردام. وهؤلاء الابناء هم الذين مثلوا الرعيل الأول الذي التقط عدوى التحول من فنسنت.
الثلاثة الكبار «كاندنسكي وكوكوشكا وكليمت»، رأيت أعمالا عديدة لهم من قبل، غير أنني لم ار أي عمل لأيغون شيلا، الرسام النمساوي، الذي مات صغيرا بمرض يطلق عليه الانفلونزا الاسبانية. فما بين سنتي 1890 و1918 عاش شيلا منعما بعذاب الرسم، ليترك من بعده أكثر من ثلاثة آلاف رسم على الورق وثلاثمائة لوحة زيتية على القماش. وهما رقمان خرافيان إذا ما قيسا بالسنوات القليلة التي مارس فيها شيلا الرسم، بالرغم من أنه بدأ الرسم منذ طفولته. وكما أرى فان فضيلة هذا المعرض الوحيدة انما تكمن في الكشف عن شيلا. وهو الأكثر شبها بفنسنت من الآخرين. لا من جهة تقنيات الرسم وحدها، بل ايضا من جهة النظر الى علاقة الرسم بسبل العيش، بالرغم من أن شيلا بعكس فنسنت مات سعيدا على مستوى صلته بالمرأة التي أحبها. آخر اللوحات التي رسمها قبل ايام من وفاته، كانت تمثل صورة شخصية لزوجته الشابة. لم يرسم شيلا مشاهد طبيعية، كما فعل فنسنت، بل انصب جل اهتمامه على الجسد البشري، مخصصا الجزء الأكبر من ذلك الاهتمام للأنثى: خزانة صامتة لمسيرة الجنس البشري في اتجاه الألم. المرأة لديه ليست صورة، بل مرآة يظهر من خلالها القدر البشري. هي ليست موضوعا، بالرغم من مركزيتها. كما هو الحال لدى فنسنت، فان قوة الرمز توضع في مكان مفاجئ دائما. كانت غرفة الرسام في آرل مصدرا لشعور عظيم بما يكتنف حياتنا من أسرار. لم يكن الوضوح ليشكل بالنسبة لفنسنت مشكلة، كذلك الامر بالنسبة لشيلا. ارتكب الاثنان الخطيئة عينها: اللجوء الى الموضوعات الصغيرة لتسلق سلم المطلق. وإذا ما اردنا ادراك عناصر العلاقة الغامضة والعميقة التي تجعل من شيلا ابنا لفنسنت، علينا أن نعود إلى تلك الصور الشخصية، التي رسمها الأخير ليعبر عن مقاومته.
عاش ايغون شيلا لحظة تحول عاصف في الرسم، قادها أبوه الروحي غوستاف كليمت، الذي كان رساما كبيرا لولا أنه سقط في الفراغ التاريخي، الذي يفصل بين فتحين، كانا هائلي التأثير في التاريخ الفني: الانطباعية والتكعيبية. بدأ شيلا الرسم طفلا وتابع دراسته شابا وتعرف على كليمت وصار من اتباعه، وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره، وكانت رسومه تقترب أحيانا من رسوم كليمت، غير أنه كان حذرا من زخرفات استاذه، فكان يجد في خطوط فنسنت العصابية حلا ينقله إلى عالم تعبيري ميزته التوتر، الذي هو مصدر كل اقتضاب. لم يرسم شيلا إلا نساء تطوق العزلة اجسادهن العارية، وهي عزلة لم تستحدث لأغراض الرسم، بقدر ما هي عزلة وجود، سعى شيلا إلى أن تكون وسيلته للمعرفة. مثل فنسنت عاش شيلا حياته متقشفا، قريبا من حافات الرسم، التي هي بالنسبة للاثنين قد شكلت أرضا لحياة مجتزأة من العدم.
[/align]