أورشليم..4
يبقى النظر في قضية /صنور/ وال /عوريم/ وال /فسحيم/.
والواضح أن الأول هو اسم مكان بالمفرد والثاني والثالث جمع /عور/ و /فسح/, أو جمع نسبة إلى /عور/ و /فسح/ (أي جمع /عوري/ و /فسحي/).
والأكيد أن الكلمتين لا تردان في النص المطروح بمعنى "العميان" و "العرج".
ولا بدّ أن الإشارة في الاسمين هي إلى قبيلتين من القبائل التي كانت تناصب بني إسرائيل أشدّ العداء.
ويفيد النصّ بأن هاتين القبيلتين كانتا في جوار مكان اسمه /صنور/.
ويقول سفر القضاة أن بني إسرائيل عندما استولوا على "أورشليم" قبل زمن داود كانوا قد سعوا إلى إخضاع "الجنوب" /ه_نجب/, وكذلك "البلاد الهضابية" أو "الجبل"/ه_هر/ و"الأراضي المنخفضة" أو "السهل" /ه_شفله/, من أراضي الكنعانيين (قضاة 9:1), ولكن بلا نجاح على ما يظهر, لأن سفر القضاة لا يذكر مثل هذا النجاح.
ويستنتج من ذلك أن داودا كان عليه أن يتجه جنوبا من "أورشليم" ليستولي على باقي أرض اليبوسيين حتى قعوة الصيان وأم صمدة والهامل في رجال ألمع, فيقول بعد أخذه لهذا الموقع: "في هذا اليوم تمّت هزيمة اليبوسيّين".
وكان على داود أيضا أن يستمرّ في الاتجاه جنوبا من هذه المواقع ليصل إلى /صنور/ ويكسر شوكة ال/عوريم/ وال /فسحيم/, وهما المبغضين لداود, والذين كان يضرب بهم المثل بالإزعاج فيقال عنهم أنهم "لا يدخلون إلى البيت", أي أنهم شعب غير مرحّب به في البيوت.
والواقع هو أن /صنور/ التوراتية هي اليوم قرية الصرّان على سفح جبل هروب في شمال منطقة جيزان, إلى الجنوب من رجال ألمع.
والباحث عن موطني ال /عوريم/ وال /فسحيم/ يجده في ذلك الجوار بكلّ سهولة, فهما جبل عوراء /عور/ إلى الشمال من جبل هروب, وصحيف /صحف/, من قرى جبل الحشر, جنوب جبل هروب.
وهكذا تصبح جغرافية النصّ المطروح واضحة تماما:
داود اتجه جنوبا من "أورشليم" ليستولي على جوار قعوة الصيان في رجال ألمع, ثم استمرّ في الاتجاه جنوبا إلى الصرّان, في جبل هروب, وضرب "العورائيين" و"الصحيفيين" (وليس العميان والعرج) في ذلك الجوار, وذلك بناء على النصح الذي تلقاه من أهالي "أورشليم" اليبوسييّن.
ثم عاد من حملته هذه إلى رجال ألمع فحصّن "مدينة داود" في أم صمدة, بجوار قعوة الصيان, وجعل مقامه هناك ليبقى ساهرا على حدوده الجنوبية المهدّدة. وهكذا, فان المعلومات التي يوردها سفر صموئيل الثاني عن أخذ داود ل "مدينة داود" (وليس ل "أورشليم") ليست ضئيلة, كما أعتقد علماء التوراة حتى اليوم, بل هي في غاية الدقّة والتفصيل.
ويبدو أن التحصينات التي أقامها داود في جوار قعوة الصيان (وليس "جبل صهيون"), بين الهامل وأم صمدة, لحماية مملكته من جهة الجنوب, كانت بالنسبة إلى زمانها على جانب كبير من المناعة. وها هو ما قيل في وصفها في المزمور12:48-13:
"طوفوا ب صهيون /صيون/ ودوروا حولها, عدّوا أبراجها, ضعوا قلوبكم على متارسها, تأملوا قصورها لكي تحدثوا بها جيلا آخر"*.
...................*
هذا المزمور منسوب إلى "بني قورح" /بني قرح/ الذين ما زال اسمهم حيا لم يمس, بكونه لقريتي القرحة /قرح/ في جبل فيفا, والقرحان /قرحن/ في جبل بني مالك, وكلاهما في منطقة جيزان, بعيدا إلى الجنوب من رجال ألمع. وفي جملة سابقة من المزمور نفسه (2:48) يوصف "جبل صهيون" عمليا بكونه في "أقاصي الشمال".
.................................................. ..............
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه, خلافا للانطباع السائد, فان التوراة العبرية لم تقل في الواقع, في أي مكان منها, أن "صهيون", إلى جانب "أورشليم".
وذكر "صهيون" إلى جانب "أورشليم" في عدد من المقاطع التوراتية (مثل: المزامير 21:102, 1:125و2, 21:135, 12:147) لا يتضمن بالضرورة قربا جغرافيا أو تعريفا لأحد المكانين بالآخر.
ومن نصوص مزامير عديدة (مثل: 1:65, 2:74, 2:76, 13:132, 21:135), يمكن للباحث أن يجمل أن داود كان قد كرّس "صهيون" أو "جبل صهيون" _ بغض النظر عن كونها الهضبة التي وجدت فيها مدينة داود _ كمكان عبادة أو مقام مقدس بديل, فيما يظهر, لمقام أقدم اسمه "ساليم" (شلم, وليس "أورشليم", انظر المزمور 2:67). ولا بد أن موقع مقام "صهيون", المختلف عن "مدينة داود", كان المرتفع الذي تقع فيه القرية الحالية قعوة الصيان.
وببعض التنقيب الأثري, يمكن لحقائق القضية أن تزداد وضوحا.
..
_________________