مسألة الأردن..5
ونورد هنا بعض التعليق المضاف لتحديد هوية المكان قيد البحث.
استنادا إلى سفر التكوين 24:19 , فان "سدوم" و "عمورة" دمرتا خلال حياة لوط بمطر من "كبريت" و"نار موت من السماء", والواضح أن المقصود هو ثورة بركانية.
وهناك "سدومات" عديدة محتملة أو ممكنة في عسير, أحداهما هي سدومة(/سدم/ بلا تصويت, تماما كما في التوراة), في منطقة بني شهر.
لكن ليس هناك أي آثار بركانية بالقرب من أي منها.
أما وادي دامس فليس كذلك, إذ أن مساره الأدنى يعبر حقل حمم براكين عكوة.
ولا بد من تذكير علماء الآثار التوراتيين الذين ما زالوا يبحثون عن بقايا سدوم (أو بقايا عمورة) بالقرب من البحر الميت في فلسطين بأنه لم يعثر هناك بعد على أي آثار لنشاطات بركانية قديمة.
وهاتان البلدتان لا بد أن تكونا قد دفنتا تحت حمم وادي دامس في منطقة جيزان, عند سفح جبل هروب, بالرغم من وجود قرية اسمها الغمر /غمر/, وهو اسم "عمورة" /عمره/ التوراتية بالذات, على منحدرات جبل هروب*.
.................*
يحتمل أن تقع الغمر هذه خارج محيط التساقط البركاني لعكوة. وهذا هو الأمر بالنسبة ل "عمورة" أخرى في منطقة جيزان, التي هي الغمرة في جبل بني مالك. و"عمورات" عسير (سواء بالعين أو بالغين) أكثر عددا من أن تحصى.
.................................................. ....
و /ه_يردن/
أو "الأردن" الذي ربط به المكانان اللذان ورد اسماهما في قصة هجرة لوط لا يمكنه أن يكون إلا جبل هروب, الذي ما زالت قرية ريدان تحمل إلى اليوم اسمه التوراتي (الذي يعني الجرف أو المرتفع).
و "الدائرة" /ككر/ التي تلي لا بد أنها كانت تشير في الأزمنة التوراتية إلى الشعاب التي تشكّل حوضي وادي صبيا ووادي بيش في محيط جبل هروب, كما ذكرنا. وكذلك, فان /قدم/ لوط ليست "الشرق" بالتأكيد, بل مورد الغمد قرب ريدان جبل هروب*.
.............*
اخترع الباحثون التوراتيون تعبير "بنتا بوليس" أي "المدن الخمس" ل "سهل الأردن", إشارة إلى (سدوم, عمورة, أدمة, صبوييم, بالع_صوغر) (التكوين 14),
على أنهم لم ينجحوا في تحديد موقع أي من هذه "المدن الخمس" في وادي الأردن الفلسطيني.
.................................................. ..
وبالنسبة إلى أسم المكان /مصريم/, لا بد من لفت الانتباه إلى أنه نادرا ما استخدم في التوراة العبرية للإشارة إلى "مصر" وكما يفترض عادة.
وحيث لا تشير الكلمة إلى المصرمة في جوار أبها وخميس مشيط, فهي تشير إلى مصر في وادي بيشة, أو إلى المضروم /مضرم/ في مرتفعات غامد, أو إلى آل المصري في منطقة الطائف .
.
.
بالحكم من خلال توزع أسماء الأمكنة هذه في غرب شبه الجزيرة العربية, فان /ءرص مصريم/ التوراتية (أي أرض المصريين) كانت تشمل كامل حوض وادي بيشة, بالإضافة إلى حوض وادي رنية إلى الشمال.
و "فرعون" التوراتي /فرعه/, كما سيذكر لاحقا, لم يكن ملك مصر, بل يبدو أنه كان الحاكم المتسلط في وقت ما على "المصرمة" وجوارها في حوض وادي بيشة.
وفرعا /فرعء/ اسم لقبيلة ما زالت موجودة في وادي بيشة إلى اليوم.
واسم هذه القبيلة لا يختلف في اللفظ عن /فرعه/ التوراتية, ولعلّه استمرار في الوجود للقب حكّام هذه الناحية في الأزمنة الغابرة.
وعندما يتم الاعتراف بأن "الأردن", أي /ه_يردن/ التوراتية, ليست اسما لنهر ما, بل لفظة تعني "الجرف, القمة, المرتفع", أو هي أسم مكان مثل ريدان يحمل الاسم نفسه, يصبح سهلا فهم تعابير توراتية مركبة أخرى تظهر فيها اللفظة نفسها.
وقد لوحظ سابقا أن /يردن يرحو/ (سفر العدد 3:26و63, 12:31 , 33:48 و50 , 1:35 , 16:36 ) ليست "أردن أريحا", بل هي "مرتفع وراخ" في بلاد زهران.
والى جانب /يردن يرحو/, هناك تعابير توراتية أخرى تظهر فيها نسبة مماثلة إلى /يردن/, ولا بد من دراستها.
إن /معبروت ه_يردن/ (القضاة 28:3 ,5:12 و6), مثلا, لم تكن "مخاوض الأردن", بل كانت "شعاب الجرف"*.
...........*
فؤاد حمزة, الذي زار عسير سنة 1934, أحصى 24 من أمثال هذه الشعاب التي تعبر الجرف من النماص جنوبا, بغض النظر عن تلك التي بين النماص والطائف. أنظر كتابه في بلاد عسير. (الرياض 1968 ) ص 91 _ 93 .
..............................................
و/سفت ه_يردن/ (الملوك الثاني 13:2)
لم تكن "شاطيء الأردن", بل "شفا الجرف". والشفا ( قابل /سفه/ بالعبرية) هو "حرف كلّ شيء وحدّه". وما زالت "الشفا" تستعمل في المصطلح المحلّي للدلالة على حرف السراة في جنوب الحجاز وعسير.
و /جليلوت ه_يردن/ (يشوع 11:22 ) لم تكن "دائرة الأردن", بل "أجلال الجرف" (جمع جلّ, والجل من الأرض "القطعة ذات جدار وحدّ معلوم").
والأجلال هي المدرجات الزراعية في الأراضي الجبلية.
وأخيرا, فمن الأكيد أن /جءون ه_يردن/ (ارميا 15:12 , 19:49 , 44:50 , زكريا 3:11) لم تكن "كبرياء الأردن" (أو "أدغال الأردن", كما في معظم الترجمات الأوروبية).
وكلمة /جءون/ العبرية مثبتة بمعنى "مرتفع", وما من سبب غير جموح الخيال يمكن أن يجعلها تعني "كبرياء", أو "أدغال" بمعنى "الشجر الشامخ المرتفع".
عبارة /جءون ه_يردن/ يمكنها أن تشير إلى "مرتفع ريدان" (أي مرتفع جبل هروب).
لكن الواقع هو غير ذلك.
فهناك واديان في منطقة جيزان يسمّى كل منهما اليوم وادي غوّان /غوء ن/. الأول منهما واد ساحلي يصب في البحر عند بلدة الشقيق, والثاني أبعد جنوبا, وهو من روافد وادي بيش, وينبع من النهاية الشمالية لقمة جبل هروب (/يردن/ أو ريدان لوط) ويتصل بجداول مياه أخرى هناك.
وللتفريق بين وادي "غوان الجرف" أو "غوان ريدان" هذا, ووادي غوان الساحلي إلى شماله, يسميه النص التوراتي المشار إليه /جءون ه_يردن/.
وهذا هو الأمر بكل بساطة, بشأن هذه العبارة التوراتية التي حيّرت حتى اليوم عقول المفسّرين.
..
_________________