ما لم يكتشف في فلسطين .. 4
إن الافتراض بأن أرض التوراة العبرية كان فلسطين لم يؤد إلى تشويش الموضوع في حقل علم الآثار الفلسطيني وفي قراءة المنقوشات الكنعانية والمنقوشات الأخرى والتي عثر عليها في فلسطين وتأويلها وحسب , بل هو فرض أحكاما مسبقة على دراسة كل نصوص الشرق الأدنى القديمة الأخرى التي تتعلق بتاريخ التوراة بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر .
والجداول الطبوغرافية المصرية القديمة الخاصة ب " غرب آسيا " هي إحدى هذه الحالات .
وفي الفصل 11 ( مسار حملة شيشانق ) سيجري بحث محتويات أحد هذه الجداول لإيضاح كيف أنها تتعلق عمليا بغرب شبه الجزيرة العربية . وليس بفلسطين والشام والعراق , وهو ما أخذ حتى الان كأمر مسلّم به .
وليست الجداول الطبوغرافية المصرية الأخرى وحدها هي التي تورد أسماء أماكن توراتية , بل ان الجداول الأشورية والبابلية , مثل جداول آشور بانيبال الثاني ( 883 – 859 قبل الميلاد ) , وشلمانصر الثالث ( 859 – 824 قبل الميلاد ) , وسرجون الثاني ( 721 – 705 قبل الميلاد ) , تقدم أيضا سجلات للفتوحات في غرب شبه الجزيرة العربية , وليس في الشام .
ولإعطاء مثال واحد لا أكثر , فانه في الأسطر الأولى من جدول سرجون الثاني , يصف هذا الملك الآشوري نفسه بأنه " فاتح سا-مي- ري-نا (سمرن ) وبيت-خو-ءم-ر-يا(خمري ) " . وقد ساد الاعتقاد حتى الان أن الاشارة في هذين الأسمين هي الى " السامرة " / شمرون / بالعبرية و " بيت " عمري ملك اسرائيل / عمري / بالعبرية . وقد كانت مملكة عمري الاسرائيلية بالتأكيد في جنوب الحجاز , أي في عسير الجغرافية , كما سنوضح في الفصل 10 . و " السامرة " ما زالت هناك
وتدعى " شمران " , باسمها في صيغته التوراتيه الأصليه بلا تغيير ( الفصل 10 ) . لكن الاشارة في جدول سرجون الثاني ليست الى " السامرة " و " بيت عمري " بل الى منطقة جيزان , حيث ما زالت توجد قرية في جبل هروب اسمها الصرمين ( سمرن في جدول سرجون ) , وقرية أخرى اسمها الحمراية ( خمري في جدول سرجون ) في وادي عقاب بناحية أبي عريش .
والنص الذي يلي , والذي يورد أسماء أمكنة كثيرة أخرى , يشير الى أنه لا بد أن يكون سرجون الثاني قد فتح كل عسير الجغرافية , أي كل أراضي غرب شبه الجزيرة العربية الواقعة بين الطائف وحدود اليمن .
وعلى سبيل المثال , فانه في منطقة جيزان " طارد مي-دو-ءا, ملك موس-كو " . وموس-كو هي اليوم قرية مسقو , في ناحية العارضة شرق أبو عريش .
وفي رجال ألمع قام ب " نهب أس-دو-دو " التي هي اليوم قرية السدود . وفي النهاية الشرقية لوادي نجران " اقتنص ال يا-ما-نو في ال يا-مو كالسمك " . والاشارة هي الى " اليمنيين " أي " شعب الجنوب " ( " البنيامينيون " التوراتيون , أو " بنو يامن " في الشعر العربي القديم ) الذين لم يعيشوا في " البحر " ( يم ) , بل في بلاد يام ( يم ايضا ) , بين وادي نجران ورمال الربع الخالي .
وفي منطقة الطائف , " هزم " مو-صو-ري( مصر ) و را-في-خو ( رفخ ) , اللتين هما اليوم آل مصري و الرفخة . وكذلك فقد " أباد كل تا-با-لي " , التي هي اليوم وادي تبالة , من روافد وادي بيشة , وخي-لاك-كو( خلك ) , التي هي اليوم الخليق ( خلق ) , في منطقة الطائف .
وفي مكان قريب " أعلن كون ها-نو, ملك خا-زا-أت-آ-آ غنيمة " .
وحتى الان , أخذت خا-زا-أت-آ-آ على أنها " غزة " , / عزه / بالعبرية , وهو ما لا يمكن أن يستقيم بقدر عدم استقامة خو-ءم-ر-يا على أنها عمري / عمري / .
ونظرا الى أن حرف " العين " لا تفرق عن " الهمزة " في الكتابة المسمارية المقطعية ....
ملاحظة : الكاتب يحلل ويعيد قراءة جدول سرجون الثاني المكتوب " بلغته " لذلك استعمل بين الحروف " – " . انتهت الملاحظة .
....
لا بد أن تكون الاشارة هنا الى قبيلة من غرب شبه الجزيرة العربية القديم , هي قبيلة خزاعه ( خزعت ) التي ما زالت بقاياها موجودة في موطنها الأصلي في جنوب الحجاز ( الجوار العام لمكة المكرمة والطائف ) .
وعلى بعد حوالي 200 كم الى الجنوب من أراضي خزاعة هذه ( أي " على مسافة سبعة أيام " كما جاء في المنقوشة ) " أخضع ( سرجون الثاني ) سبعة ملوك من بلاد ءيء-ياء " ( ءيء , أو عيء ) , التي هي اليوم وادي عياء , من روافد وادي ابن هشبل على الجانب البحري من عسير .
وبوجود جميع هذه الأسماء الواردة في جدول سرجون في غرب شبه الجزيرة العربية, وهي ما زالت قائمة, وبلا أي تغيير فيها كما هي الحال , أي سبب يبقى للإصرار على الاعتقاد بأن هذا الجدول يشير الى فتوحات آشورية في الشام وفلسطين , حيث لا يمكن العثور على أي من هذه الأسماء ؟
على أمل الانتقال في الإضافة القادمة الى " رسائل العمارنة " .
تعقيب ضروري ..
مما سبق , وحتى لا يضيع القصد من وراء القول بأهمية هذا الكتاب وعلميته , يجب دائما التذكير بأن الكاتب " الدكتور كمال الصليبي " , اختصاصي باللغات القديمة , إذن هو قام بعمل من ضمن اختصاصه وعلمه .
وعاد الى التوراة القديمة , بنصها الأول , أي قبل عمل " المصوراتيين " في القرن العشر الميلادي كما ورد في المقدمة , كما وأعاد قراءة السجلات " الجداول " الآشورية والبابلية والمصرية " , بلغتها " التي كتبت فيها , وليس بترجماتها الى اللغات الحديثه كالانكليزية والفرنسية والالمانيه , وصحح في أحيان كثيرة ليس فقط الترجمات وإنما الكلمات في قرأتها بحرفها ولغتها التي " نقشت " بها ,
وإذا وافقنا على ان علماء اليهود التوراتيين , لم يحسنوا إعادة تشكيل التوراة في القرن العاشر الميلادي بسبب انقطاع الزمن , ثم زوروا قصدا في العصر الحديث , وكما برهن الدكتور الصليبي , ترجمة النقوش المكتشفة في فلسطين , وأولوها بغير معناها .
تصبح الردود التي قام بها كتاب عرب من أمثال " فراس السواح " و " أحمد داوود " , واللذين لا يجيدان اللغات القديمة , وليسا اختصاصيين في التاريخ القديم أكاديميا , نوع من العبث الفكري المستند الى ترجمات مشكوك بها لنصوص لم يحسن علماء الآثار واللغات القديمة قراءتها في أحسن الافتراضات , هذا إذا ابتعدنا عن نظرية المؤامرة في موضوع يتعلق بأكبر مؤامرة في التاريخ " دولة اسرائيل " .
..
_________________