مسألة نهج ..
كل معرفه صحيحه تتضمن قدرا من نبذ المتداول . بفضل الأمانه العلميه الدقيقه التي تحلى بها المصورتيون , فان النص المكتوب بالأحرف الساكنه للتوراة العبريه وصل الينا من القدم دون أن يمس تقريبا .
لا بد أن الأسفار التوراتيه عموما , كما هي موجوده بين أيدينا قد أخذ معظمها شكله الحالي قبل النهاية التاريخيه لبني اسرائيل , أي في حدود القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد على الأقل
. والدليل على ذلك هو أن التوراة العبريه كانت قد ترجمت فعلا بكامل أسفارها الى اللغه الاراميه ( الترجومات ) خلال المرحله الأخمينيه , والى اليونانيه .
وما من دين الا ويعتني الأتقياء والمؤمنون من أتباعه أشد العنايه بحفظ نصوصه المقدسه في صيغتها الاصليه , ودراسة اسماء الاماكن تخدم بطريقتها الخاصه الغرض نفسه الذي يخدمه علم الاثار الميداني , ((مع فارق واحد هام)) , هو أن الاكتشافات الأثريه هي أكتشافات خرساء , ما لم تتضمن كتابات منقوشه , في حين أن اسماء الاماكن ناطقه , تخبرنا بكيفية نطقها الفعلي ومعناها ونوع اللغه التي انبثقت عنها .
على سبيل المثال , اذا وجد الباحث مجموعه من أسماء الأماكن في غرب شبه الجزيره العربيه تتحدر بوضوح من لغة مطابقه بأحرفها الساكنه للعبريه التوراتيه او للاراميه التوراتيه , أمكنه أن يستنتج بلا تردد أن لغات مطابقه أو مماثله للعبريه أو الاراميه التوراتيه كانت تستخدم في القدم للكلام في شبه الجزيره العربيه وذلك قبل الفي سنه .
واذا امكن البرهان , أكثر من ذلك , بأن لعدد كبير من أسماء الأماكن التوراتيه , مهما كانت أصولها اللغويه , مثائلها الحية في غرب شبه الجزيره العربيه , في حين أن للقليل منها مثائل في فلسطين , فان من المعقول طرح السؤال التالي : هل التوراة العبريه سجل لأحداث تاريخيه جرت في غرب شبه الجزيره العربيه
وليس في فلسطين .
وبالاضافه الى علم الأثار هناك طرق أخرى للتأكد مما اذا كان يمكن للتاريخ التوراتي أن يكون قد وجد مساره في غرب شبه الجزيره العربيه , لا في فلسطين .
وفي هذا المجال يجب ان تؤخذ في الاعتبار كل المسائل المتعلقه بالطوبوغرافيا والجيولوجيا والمعادن والمياه والحيوان والنبات .
على سبيل المثال , اذا وجد نهر أو جدول مائي أو مجرى مياه في شبه الجزيره العربيه يسمى " فيشون " فان هذا النهر لا يحتمل ان يكون هو نفسه " فيشون " التوراتي الا اذا كان يمر في منطقه يمكن العثور فيها على الذهب , أو كان يمكن العثور على الذهب فيها فيما مضى ( سفر التكوين 2: 11-12) .
والبرهان القاطع على أن " سدوم " و" عموره " التوراتيتين لم تكونا بلدتين قديمتين على شاطىء البحر الميت في فلسطين هو عدم وجود أي أثر لبراكين قديمه هناك , علما أن النار التي أخربت سدوم وعموره , على ما تقول التوراة , كانت ولا بد نارا بركانيه ( التكوين 19: 28,24) .
واذا وجد الباحث سدوم وعموره بالاسم في غرب شبه الجزيره العربيه , فان عليه ان يتأكد من وجود بركان أو اثار بركانيه بالقرب من المكان .
وكذلك اذا كان قصر الملك سليمان قد شيّد " بحجارة كريمه " ( الملوك الاول 7: 9-10 ) , فان من الصعب أن تكون مادة البناء المشار اليها هي أحجار فلسطين الكلسيه العاديه , بل ربما تكون من الحجر المانع " الغرانيت " الموجود في غرب شبه الجزيره العربيه .
أضف الى ذلك أن التوراة تذكر طيورا كثيره باسمائها ولا تأتي على ذكر الإوز والدجاج اطلاقا .
ويفيد الجغرافي اليوناني استرابون الذي توفي عام 23 للميلاد , أن الإوز وفصيلة الدجاج لم يكن لهما وجود حتى زمانه في مناطق شبه الجزيره العربيه المقابله للحبشه , وقد اعتبر ذلك أمرا جديرا بالملاحظه .
وكذلك يجب أن ينتبه الباحث الى كل ما ورد في القرآن الكريم حول المسائل المتعلقه بالجغرافيا والتاريخ التوراتيين , وهو كثير , اذ أن أحدا لم يفعل ذلك بعد .
لقد جمع القرآن ودوّن تقريبا في نفس الوقت الذي كان فيه المصوريتيون قد بدأوا بتصويت وتصويب نص التوراة العبريه .
وحيثما تكلم القرآن عن الآباء العبريين أو عن اسرائيل أو عن الأنبياء اليهود , اشار الى عدد من اسماء الأمكنه التي هي من الاسماء المعروفه في غرب شبه الجزيره العربيه .
استنادا الى التوراة ( الخروج 3: 2) فان ملاك الرب " يهوه " ظهر على موسى بلهب من وسط عليقه في جبل حوريب / حرب / .
وحتى الان جرى البحث عن جبل حوريب التوراتي في سيناء ولم يعثر عليه هناك بهذا الأسم .
وهذا ما جعل بعض الباحثين ينثنون عن سيناء الى البحث عن جبل حوريب في الحجاز ولكن دون جدوى .
ولكن القرآن يقول لنا بالدقه أين كان حوريب , فهو مرتفع جبلي في الجهة البحريه من عسير , ويسمى اليوم جبل هادي , وعلى سفح جبل هادي هناك قريه مازالت تدعى حتى اليوم " الطّوا " , يمكن ان تكون قد أعطت اسمها يوما الى رافد مجاور يصب في وادي بقره , ولا بد أن هذا الرافد هو " الوادي المقدس طوى " المذكور في القرآن .
وهي منطقه كانت ناشطه براكانيا .
وحيث يروي القرآن القصص التوراتيه , فانه لا يكرر الروايات التوراتيه لهذه القصص , كما هي النظره السائده اليوم بين الباحثين الغربيين .
بل ان محتوى القرآن الكريم حيث تتوافق مع محتويات التوراة العبريه هي روايه تاريخيه مستقله تماما عن رواية التوراة ولا بد من دراستها على هذا الاساس .
والشيء نفسه ينطبق على الروايات القرانيه لقصص الأناجيل المسيحيه .
وقد تبدو الروايتين التوراتيه والقرانيه محيّره للوهلة الاولى , ومع ذلك فانها قد تصبح باعثه على التنوير , لأن في القرآن الكريم ما يوضح غوامض التوراة في أحيان كثيره , وهذا أمر غاية في الأهميه .
..
_________________