عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 08-02-2009, 12:37 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
زياد هواش
طاقم الإشراف
 
إحصائية العضو







زياد هواش متصل الآن


افتراضي رد: الاستشراق .. ادوارد سعيد .

4

أزمات

قد يبدو غريبا أن نصف شيئا ما بأنه يتخذ موقفا نصّيّا .

في ضوء ما سبق , انظر إلى نابليون ودوليسبس , لقد كان كل ما عرفاه , تقريبا نابعا من كتب ألفت في تراث الاستشراق , ووضعت في مكتبة عن الأفكار المتوارثة , وبالنسبة لهما , كان الشرق مثل الأسد الفتاك , شيئا سيواجه ويتعامل معه , إلى حد ما , لان النصوص جعلت ذلك الشرق ممكنا .
وشرق كهذا كان صامتا , في متناول يد أوروبا لتحقيق مشروعات شبكت السكان الأصليين , لكنها لم تكن أبدا مسؤولة مباشرة أمامهم , وعاجزا عن مقاومة المشروعات , والصور , أو حتى مجرد الأوصاف التي ابتكرت له .

إن وجود علاقة وثيقة بين السياسة والاستشراق أو , لنضع الأمر بشكل أكثر احتراسا , إن الاحتمال الكبير لإمكانية استخدام الأفكار المستنبطة حول الشرق من الاستشراق لأغراض سياسية , هو حقيقة هامة , لكنها حقيقة حسّاسة جدا .

وأكثر من أي شيء آخر , فان الظروف السياسية والثقافية التي ازدهر فيها الاستشراق الغربي تلفت النظر إلى المكانة الوضيعة للشرق , أو الشرقي , من حيث هو موضوع للدراسة .
وهل بإمكان أية علاقة أخرى غير علاقة السيد_العبد السياسية أن تنتج الشرق المشرقن الذي جسد ملامحه أنور عبد الملك تجسيدا كاملا ؟
"ويرى المرء إلى أي مدى , بدءا من القرن الثامن عشر والى القرن العشرين , رافق تسلط الأقليات المالكة التي كشف عنها النقاب ماركس وانجلز , والتمركزية الإنسانية التي فككها فرويد , تمركزية أوروبية في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية , وبالأخص في العلوم ذات العلاقة المباشرة بالشعوب غير الأوروبية ."
ويرى عبد الملك أن الاستشراق ذو تاريخ , قاده , في نظر "الشرقي" في الجزء الأخير من القرن العشرين , إلى الطريق المسدود الذي وصف أعلاه .

فقد كان للاستشراق منذ بدئه , إذن , خصيصتان عظيمتان :
1_ وعي للذات علمي طارئ مبني على أهمية الشرق اللغوية لأوروبا .
2_ ميل إلى التقسيم , والتفريع , وإعادة التقسيم , لموضوعه دون أن يغيّر أبدا نظرته إلى الشرق بوصفه دائما نفسه : شيئا لا متغيّرا , متجانسا , وشاذا شذوذا جذريا .

فقد بدت اللغة والعرق موحدين وحدة لا تنفصم عراها , وكان الشرق "الجيد" دون استثناء مرحلة كلاسيكية في مكان ما من هند ضاعت منذ زمن بعيد , أما الشرق "السيئ" فانه استمر في آسيا المعاصرة وأجزاء من شمال أفريقيا , وبلاد الإسلام في كل مكان .

إن الأمر ليبدو , من جهة أولى , كما لو أن ثمة برميلا اسمه "الشرقي" تطرح فيه دون تفكير جميع آراء الغرب السلطوية , اللامنسوبة , والتقليدية حول الشرق , بينما يستطيع المرء , من جهة أخرى , وبشكل يخلص لتراث فن القصاصين القائم على الحادثة المسلية , أن يصف رغم ذلك تجارب مع الشرق أو فيه ليس لها إلا علاقة عابرة بالبرميل الذي يؤدي الغرض بشكل عام .
*

لقد كان الإسلام , مثلا , شرقيا نمطيا في نظر مستشرقيّ أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين .

فقد قال "كارل بكر" إنه رغم أن "الإسلام" (لاحظ التعميمية الهائلة) ورث التراث الهيليني فانه لم يكن قادرا على أن يفهم أو يستخدم التراث اليوناني الإنساني .
وعلاوة , فمن أجل أن يفهم المرء الإسلام كان عليه قبل كل شيء آخر أن يعاينه لا بوصفه دينا "أصيلا" , بل بوصفه شيئا من محاولة شرقية فاشلة لاستخدام الفلسفة اليونانية في غياب للإلهام الخلّاق الذي نجده في أوروبا عصر النهضة
.

وكان الإسلام , في عرف لويس ماسينيون , الذي قد يكون أعظم المستشرقين الفرنسيين شهرة وتأثيرا , رفضا منتظما للتجسّد المسيحي , وكان بطل الإسلام الأعظم لا محمد أو ابن رشد بل الحلّاج ,القديس المسلم الذي صلبه السنيّون لجرأته على شخصنة الإسلام .
**

ومع نهاية الحرب العالمية الأولى شكلت كل من أفريقيا والشرق مجالا متميزا للغرب أكثر مما شكلت استثارة فكرية له .
وقد تطابق مجال الاستشراق بدقة مع مجال الإمبراطورية , وكانت هذه التوحدّية المطلقة بين الاثنين ما أثار الأزمة الوحيدة في تاريخ التفكير الغربي بالشرق والتعامل معه , وهي أزمة ما تزال مستمرة
.
وبدءا من العشرينيات , ومن أحد طرفي العالم الثالث إلى طرفه الآخر , كانت الاستجابة للإمبراطورية والإمبريالية استجابة جدلية (ديالكتيكية) .
ومع انعقاد مؤتمر باندونغ عام 1955 كان الشرق بأكمله قد حصل على استقلاله السياسي عن الإمبراطوريات الغربية وبدأ يجابه تجسيدا آخر للقوى الامبريالية متمثلا في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي .
ووجد الاستشراق نفسه الآن عاجزا عن تميّز "شرقه" في العالم الثالث الجديد , ويواجه شرقا جديدا ومسلحا سياسيا .
ويرى عبد الملك أن أحد مؤشرات الأزمة لم يكن ببساطة أن " حركات التحرر الوطنية " في الشرق " الذي كان مستعمرا , قد عصفت بتصورات المستشرقين عن شعوب محكومة سلبية , قدرية بددتها , بل كان ثمة , إضافة إلى ذلك , حقيقة أن المختصين , والجمهور الواسع , أصبحوا على وعي للمسافة الزمنية الفاصلة لا بين علم الاستشراق والمادة موضوع الدراسة فحسب , بل كذلك – وكان هذا العامل حاسما _ بين التصورات , والمناهج , وأدوات العمل في العلوم الإنسانية والاجتماعية وتلك التي استخدمها المستشرقون ."

وفي عرف الاستشراق , كان للإسلام معنى يمكن أن يوجد , إذا كان للمرء أن يبحث عن صياغته الأكثر دقة وجلاء , في رسالة رينان الأولى , فمن اجل أن يفهم الإسلام فهما أفضل , ينبغي أن يُقَلصَّ إلى "الخيمة والقبيلة"
أما تأثير الاستعمار, وظروف الحياة اليومية , والتطور التاريخي فإنها جميعا كانت بالنسبة للمستشرقين كالذباب بالنسبة إلى صبية عابثين ...

وهكذا , فبينما يجتاح الغليان الثوري الشرق المسلم , يذكرنا علماء الاجتماع بان العرب مدمنون على "الوظيفة الشفوية" , بينما يلاحظ الاقتصاديون _ وهم مستشرقون أعيد تصنيعهم _ بأنه لا رأس المالية ولا الاشتراكية تصلح , بالنسبة للإسلام الحديث , عنوانا ملائما .
وإذ يجتاح الشعور ضد الاستعمار العالم الشرقي بأكمله بل , في واقع الأمر , يوحّد هذا العالم , فان المستشرق يلعن ذلك كله , لا بوصفه إزعاجا فارغا فقط , بل بوصفه اهانة للديمقراطيات الغربية .

ويحذر خبراء العالم الخرافيون في وزارة الخارجية الأمريكية من مخططات العرب للاستيلاء على العالم .
ويوصف الصينيون والهنود نصف العراة , والمسلمون السلبيون بأنهم حدءات ستنهش عطايانا ...

تطغى هذه الآراء المعاصرة للمستشرقين على الصحافة والعقل الشعبي .
فالعرب , مثلا , يتصورون راكبي جمال , إرهابيين , معقوفي الأنوف , شهوانيين شرهين تمثل ثروتهم غير المستحقة اهانة للحضارة الحقيقية
.
وثمة , دائما , افتراض متربّص بان المستهلك الغربي , رغم كونه ينتمي إلى أقلية عددية , ذو حق شرعي إما في امتلاك معظم الموارد الطبيعية في العالم , أو في استهلاكها , أو في كليهما معا .
لماذا ؟ لأنه بخلاف الشرقي , إنسان حق .

وليس ثمة مثل أفضل اليوم على ما أسماه أنور عبد الملك "تسلط الأقليات المالكة" والتمركزية الإنسانية متحالفة مع التمركزية الأوروبية , في الحالة التالية :
إن غربيا ابيض ينتمي إلى الطبقة الوسطى يؤمن بأنه امتياز طبيعي له لا أن يدير شؤون العالم غير الأبيض وحسب , بل أن يمتلكه كذلك , لمجرد أن العالم الآخر , تحديدا , ليس بالضبط إنسانيا تماما بقدر ما "نحن" كذلك
.
***

ليس ثمة مثل أصفى من ذلك على الفكر المفرغ من الإنسانية .

وبمعنى ما , فان قصور الاستشراق ومحدوديته هما , كما قلت سابقا , القصور والمحدودية اللذان يأتيان نتيجة طبيعية لتجاهل ثقافة أخرى أو شعب آخر أو إقليم جغرافي آخر , وتحويلها إلى جوهر خالص , وتعريتها من إنسانيتها .
ولكن الاستشراق خطا خطوة أبعد في هذا الاتجاه , فهو يعاين الشرق بوصفه شيئا وجوده معروض دائما للغرب , وبوصفه أيضا شيئا ثابتا في الزمن والمكان , من أجل الغرب
.

خريف 2008

..

..................

*
ويرافق شعور الخيبة والنظرة المعممة _ كي لا أقول الانفصامية (الشيزوفرينية) _ إلى الشرق , عادة , خصلة شاذة أخرى .
فالشرق , لأنه حوّل إلى شيء عام , يمكن أن يجعل بأكمله وسيلة إيضاح لشكل خاص من أشكال السلوكية .
ها هو ذا فلوبير , مثلا , يصف معجبة الشرق :
" من أجل تسلية الجمهور , أخذ مهرج محمد علي امرأة في احد أسواق القاهرة ذات يوم , ومددها على دكة أحد الدكاكين وضاجعها علنا بينما كان صاحب الدكان يدخن غليونه بهدوء .
وقد توفي ناسك منذ فترة _ أبله _ كان قد اعتبر لزمن طويل قديسا اختاره الله , لقد جاءت إليه جميع النساء المسلمات يحلبن عضوه _ وأخيرا مات من الإعياء _ فمنذ الصباح حتى المساء كان الأمر خضا لا ينقطع ... " (ص 126)

**
على هذه النقطة نرتكز في رؤيتنا لضرورة إعادة النظر الشاملة والعميقة , بكل ما كتب عربيا وإسلاميا (عن الإسلام وتراثه) , من خلال تأثير مفترض للحضارة الهيلينية على مفكريه (القدماء والمعاصرين).
ولا بد دائما من التذكير , أثينا , كانت (سمراء) , استمدت فلسفتها من مصر الفراعنة , والتي بدورها استندت إلى عمق الرؤية التوحيدية لبلاد عسير مهد التوحيد الإنساني الأول .
(المجموعة)

***
هذا الغربي الأبيض المشبع بفلسفة الاستعمار والتفوق (العنصري) , نسميه في نصوصنا (الناخب الغربي) الحر الإرادي العاقل .
(المجموعة)

..
_________________







 
رد مع اقتباس