9
مصادر الأناجيل الأربعة .. 2
ولا بد من استدراك هنا بشان تعريف القرآن لعيسى ابن مريم بأنه "المسيح" , على كونه من أصل هاروني , وليس من أصل داودي .
فمن المعروف لدى أهل الاختصاص أن من بني إسرائيل من كان ينتظر مجيء مسيح داودي يخلص شعبه عن طريق (إعادة الملك إليه) , ومنهم من كان ينتظر مجيء مسيح هاروني (يعيد الكرامة لشعبه) عن طريق ((تقويم ديانته)) .
( الأقواس أعلاه , تدخل من الشايب )
ولا بد أن الإسرائيليين الذين كانوا ينتظرون مجيء مسيح كهنوتي كانوا يأملون بان يكون هذا المسيح عالويّا من نسل هارون , وليس من ألأسرة الصادوقية غير الهارونية الأصل التي أخذت الكهنوت الإسرائيلي عن بيت عالي من دون أن يكون لها حق في ذلك .
والقرآن يدل على هذا الأمر حيث يشير إلى تقديس النصارى لعيسى ابن مريم , وهو المسيح الهاروني النسب , خلافا لليهود الذين قدّسوا "عزير" (التوبة 30) , وهو الكاهن الصادوقي غير الهاروني الأصل .
ولا بد من أن عيسى وأمه مريم التي كانت تقيم في "المحراب" , وكذلك يحيى وأباه زكريا الذي كان كفيل مريم في "المحراب" ذاته (على ما يذكر القرآن) , كانوا ينتمون إلى السلالة العالوية ذاتها .
والظاهر أن أنصار الكهنوت العالوي من بني إسرائيل كانوا يشتركون مع أنصار بيت داود في عدائهم لليهود . وفي ذلك ما يفسر إتبّاع يسوع وجماعته لمذهب "النصارى" الذي اعترف بصدق نبوّة عيسى ابن مريم .
وفي القرآن إشارتان إلى فريق من غلاة النصارى كان يعتبر عيسى إلها , ويقول "الله هو المسيح ابن مريم" (المائدة 17,72) , فهل كان بين "الرقوق" التي عثر عليها بولس ما يمكن أنّه كان كتابا خاصّا (أو كتب خاصة) بهذا الفريق ..؟
لا يوجد في الأناجيل الثلاثة "المتناسقة" ما يدل على ذلك , إذ إن الكلام المنسوب إلى يسوع في جميع هذه الأناجيل لا يشير إلى مصدر غير بشري له .
غير أن هذا الأمر لا ينطبق على ما يسميه المختصون "مقاطع أنا" من إنجيل يوحنا ...
لعل مصدرها كان الكتاب الخاص بذلك الفريق من النصارى الذي اعتبر أن الله هو المسيح عيسى ابن مريم , كما هو وارد في القرآن .
وفي رسائل بولس اقتباسات غير معروفة المصدر ربما اقتبسها من هذا الكتاب , أو من كتب أخرى لتلك الجماعة من النصارى التي كانت تؤله عيسى ابن مريم , عثر عليها خلال زيارته إلى "العربية" .
ليس في رسائل بولس ما يشير إلى انه أعار اهتماما خاصا لما يمكن اعتباره أنجيل عيسى ابن مريم الخاص بالنصارى , من بين "الرقوق" التي حصل عليها خلال الزيارة التي قام بها إلى "العربية" .
ولكنه لا بد من انه اطلع على هذا الإنجيل , ولذلك أحجم عن ذكر والدة يسوع بالاسم على أنها مريم , تماما كما فعل يوحنا من بعده . أما الكتاب الخاص بالنصارى الذين كانوا يؤلهون عيسى , فيبدو انه كان المصدر الأساسي لتبشير بولس بكون يسوع هو "المسيح" ليس بمعنى المطالب بعرش داود , بل بمعنى الإله الواحد الأزلي الذي "ظهر في الجسد" . وكذلك فعل يوحنا ...
والتبشير هذا عن يسوع لم يكن تبشير أتباعه الأوائل في أورشليم الذين بقوا على شريعة موسى , يفرضون الختان على كل ذكر يطلب الالتحاق بهم إذا صدف كونه غير إسرائيلي الأصل , وغير مختون .
بل بولس هو الذي بدا بهذا التبشير , فأخذه عنه الذين وضعوا الأناجيل الربعة وغيرهم من "الرسل" حتى طغى على تبشير "النصارى" وأصبح التبشير "المسيحي" السائد .
والدليل على أن بولس وجد ما وجده من رقوق "شيعة النصارى"والجماعة منهم التي كانت تؤله عيسى ابن مريم , في مكان ما من "العربية" , هو دليل ظرفي لا قطعي . ولا يجوز الجزم في الموضوع على أساس هذا الدليل الظرفي وحده . فهل ثمة من دلائل أخرى تشير إلى هذا الأمر ..؟
يقول محمد بن عبد المنعم الحميري في حديثه عن نصارى منطقة نجران بالجزيرة العربية , في كتابه "الروض المعطار في أخبار الأقطار" (بيروت 1984 , ص 573) , "وكان أصل ذلك الدين بنجران " . ( ويلاحظ بالمناسبة كون نجران أقرب مناطق الجزيرة العربية إلى منطقة جيزان, حيث قرية عنطوطة التي هي في رأيي عناثوث , مركز اللاهوت الإسرائيلي "العالوي" ) .
ومن ميزات الديانة المسيحية القول "بالثالوث" . ( الآب , والابن , والروح القدس ) .
ومن المستبعد أن يكون إنجيل النصارى ( وهو الذي يقر القرآن بصحة تنزيله ) مصدر هذا القول .
بل لعل مصدره هو الإنجيل الخاص بالنصارى الذين اعتبروا عيسى ابن مريم إلها .
ومن غريب الأمر وجود ثلاث قرى متجاورة في منطقة محايل من تهامة عسير , إلى الغرب من منطقة نجران والشمال من منطقة جيزان , تحمل الأسماء الآتية " "المروة آل عيسى" , و "الخيال آل عيسى" , و "مشباح آل عيسى" . علما بأن عبارة "آل عيسى" قد تعني "بيت عيسى" أو "قوم" عيسى , وقد تكون لفظة "آل" في أسماء هذه الأماكن الثلاثة هي تعريب للفظة العبرية والآرامية "أيل" بمعنى "الإله" . أما "المروة" و "الخيال" و "المشباح" وهي التي تحير العقول في الأسماء المركبة لهذه القرى الثلاث , فلا بد من كونها تعريبا لما كان في الأصل الآرامي "ماروت" أي "سيادة" بمعنى "المُلك" فأصبحت "مروة" , "حيلا" بمعنى "الحيل" أي "القدرة" أو "القوة" فأصبحت "الخيال" (بقلب الحروف) , و "مشبح" بمعنى "التسبيح" أو "التمجيد" التي أصبحت "مشباح" .
وهكذا تكون هذه القرى الثلاث من "العربية" قد احتفظت بصفات الثالوث المنسوب أصلا إلى عيسى ابن مريم من ذلك الفريق من النصارى الذي اعتبره ليس مسيحا نبيا فحسب بل إلها , على ما يقوله القرآن بهذا الشأن .
فجاء من نسب هذا "الثالوث" من الصفات (الملكوت والقوة والمجد) إلى الله , ملحقا إياها "بالصلاة الربانية" التي أوردها متى في إنجيله .
ثم أتى ثالوث "الآب والابن والروح القدس" الذي جاء به بولس أول الأمر , على ما يظهر , فحل مكان ثالوث (الملكوت والقوة والمجد) الذي هو الثالوث الأقدم .
هذا هو تصوري لبدايات العقيدة المسيحية من الناحية التاريخية ...
18/9/2008
..
_________________