الفصل الأول
مجال الاستشراق
... الروح القلقة الطموحة للأوروبيين ... نافذي الصبر لاستخدام الأدوات الجديدة لقوتهم ...
جان بابتسيت _ جوزيف فورييه
"مقدمة تاريخية (1809) , وصف مصر"
1
التعرف على الشرق
يوم الثالث عشر من حزيران . 1910 , ألقى آرثر جيمس بلفور محاضرة على مجلس العموم البريطاني حول "المشكلات التي ينبغي علينا أن نعالجها في مصر" قال فيها أن هذه المشكلات تنتمي "إلى فصيلة تختلف اختلافا كليا" عن تلك المشكلات التي تترك آثارها ( عدد بلفور مناطق بريطانية) .
وقد تحدث بلفور بثقة نائب طويل العهد بالبرلمان , و .... , ومتمرس بخبرة ما لا يحصى من الأزمات , والانجازات , والتغيرات التي جرت في ما وراء البحار .
يعدد "سعيد" تاريخية مسؤوليات بلفور الإمبراطورية ليقول : ... , وتملّكه الجليّ لمقاليد إدارة الشؤون الإمبراطورية , كلّها أضفت على ما أبلغه لمجلس العموم عام 1910 سلطة مرجعية كبيرة . غير أن خطاب بلفور كان ذا أبعاد أخرى أو , على الأقل , كان ثمة أبعاد أخرى لكونه شعر بالحاجة إلى إلقائه بهذه الطريقة التعليمية والأخلاقية . ذلك أن عددا من أعضاء المجلس كانوا يتساءلون عن ضرورة وجود "انكلترا في مصر" , وإذا كانت العبارة تشير هنا إلى احتلال كان ذات مرة رابحا ثم تحوّل إلى مصدر للمتاعب , الآن , وقد أصبحت القومية المصرية حركة صاعدة ولم يعد من السهل الدفاع عن استمرار الاحتلال البريطاني لمصر . وقد تحدث بلفور , حينئذ ليخبر وليشرح .
ومستعيدا تحديا قدمه نائب بريطاني , أعاد بلفور نفسه طرح السؤال " .... أيّ حقّ لديك لتستشعر هذا الحسّ بالفوقي بإزاء شعوب تختار أن تسميها شرقية ؟ " وكان اختيار لفظة "شرقية" الاختيار الشرائعي القويم , لأن اللفظة كانت قد استعملت سابقا من قبل تشوسر وماندفيل , ومن قبل شكسبير , ودرايدن , وبوب , وبايرن , وكانت قد حدّدت آسيا والشرق جغرافيا , وأخلاقيا , وثقافيا . وكان بوسع الإنسان أن يتحدث في أوروبا عن شخصية شرقية , وعن جوّ شرقي , وعن حكاية شرقية , وعن طغيان شرقي , أو عن أسلوب شرقي في الإنتاج , ويكون مفهوما . وكان ماركس قد استعمل اللفظة , وها هو ذا بلفور يستعملها الآن . ولقد كان اختياره لها طبيعيا لا يتطلب تعليقا على الإطلاق :
"أنا لا أتلبس موقفا فوقيا , لكنني أسأل ..... من يمتلك حتى أكثر درجات المعرفة بالتاريخ سطحية أن يواجهوا الحقائق التي لا بد أن يعالجها رجل الدولة البريطاني حين يجد نفسه في موقع السيادة على شعوب عظيمة كسكان مصر وبلدان الشرق . نحن نعرف حضارة مصر أكثر مما نعرف حضارة أي بلد آخر , نعرفها من أغوار التاريخ , ونعرفها معرفة صميمية حميمة , ونعرف عنها أكثر مما نعرف عن غيرها , وهي حضارة تتجاوز بكثير الفترة الضئيلة لتاريخ عرقنا الذي كان ما يزال ضائعا في مرحلة ما قبل التاريخ يوم كانت الحضارة المصرية قد تجاوزت ذروتها . انظر إلى جميع البلدان الشرقية ولا تتحدث عن الفوقية أو الدونيّة " .
يطغى على ملاحظات بلفور , هنا وفيما سيتلو , موضوعان عظيمان : المعرفة والقوة , الموضوعان البيكونيّان ( نسبة إلى روجر بيكون) .
وأن يبرر بلفور ضرورة الاحتلال البريطاني لمصر , يرتبط التفوق في ذهنه , بمعرفت "نا" لمصر , لا بالقوة العسكرية , أو الاقتصادية بالدرجة الأولى . والمعرفة في رؤية بلفور تعني المسح (كما في علم المساحة) الكامل لحضارة ما من أصولها الأولى إلى ذروتها ثم انحطاطها , وتعني طبعا امتلاك القدرة على القيام بهذا المسح .
والمعرفة تعني الارتفاع فوق الآنية , وعبر الذات , للوصول إلى الغريب البعيد .
وأن نمتلك معرفة كهذه بموضوع كهذا هو أن نسيطر عليه , أن نمتلك سلطة عليه . والسلطة هنا تعني أن ننكر "نحن" الاستقلالية عليه _ على البلد الشرقي _ ما دمنا نحن نعرفه , وما دام هو قائما , بالمعنى الذي نعرفه .
وهكذا فالمعرفة البريطانية لمصر هي في رؤية بلفور , مصر نفسها .
وأعباء المعرفة تجعل أسئلة كالدونيّة والاستعلاء تبدو تافهة . ولا ينكر بلفور في أي سياق فوقية بريطانيا ودونيّة مصر , بل يعتبرها مسلمات بديهية حين يصف عواقب المعرفة :
" ... ويمكنك أن تنظر إلى تاريخ الشرقيين بأكمله فيما يسمى , بشكل عام , المشرق دون أن تجد أثرا لحكم الذات على الإطلاق .
كل القرون العظيمة التي مرت على الشرقيين _ ولقد كانت عظيمة جدا _ انقضت في ظل الطغيان , ظل الحكم المطلق .
وكل إسهاماتهم العظيمة في الحضارة الإنسانية _ ولقد كانت عظيمة جدا _ أنجزت في ظل هذا النمط من الحكم .
فقد خلف فاتح فاتحا , وتلت سيطرة سيطرة , غير انك في دورات القدر والمصير كلها لا ترى أمة واحدة من هذه الأمم تؤسس بدافع من حركتها الذاتية ما نسميه نحن , من وجهة نظر غربية , حكم الذات . ... "
وما دامت هذه الحقائق حقائق , فإن على بلفور أن يستمر إلى أن يبلغ القسم التالي من منظومته :
" أهو خير لهذه الأمم العظيمة _ وأنا أعترف بعظمتها _ أن نقوم نحن بممارسة هذا النمط من الحكم المطلق ؟ في ظني أن ذلك خير . ... نحن في مصر لسنا من اجل المصريين وحسب , مع أننا فيها من اجلهم , نحن هناك أيضا من أجل أوروبا كلها " .
لا يقدم بلفور دليلا واحدا على أن المصريين و "الأعراق التي نتعامل معها" تنظر بتقدير إلى , أو تفهم , على الأقل , الخير الذي يأتيها من الاحتلال الاستعماري .
ولا يخطر بباله أن يترك للمصري أن يتحدث بنفسه ولنفسه , لأن أي مصري يمكن أن يرفع صوته , فيما يبدو , يرجّح أن يكون المحرض الذي يرغب في خلق "المتاعب" لا المواطن الطيب الذي يتغاضى عن "متاعب" السيطرة الأجنبية .
وهكذا يلتفت بلفور , أخيرا , بعد أن يحل المشكلات الأخلاقية , إلى المشكلات العملية .
"إذا كان عملنا هو أن نحكم , مع اعتراف بالجميل أو دون اعتراف , مع التذكر الحقيقي والأصيل لكل الخسارة التي جنبناها للسكان [ ولا يتضمن ما يقوله بلفور هنا , بأي شكل , الإشارة , كجزء من الخسارة التي يذكرها , إلى خسارة الاستقلال المصري أو , على الأقل , تأجيل هذا الاستقلال إلى أمد غير محدود ] ودون تخيّل ساطع حيّ لكل الفوائد التي أغدقناها عليهم , إذا كان ذلك واجبنا , فكيف لهذا الواجب أن يؤدى وينجز ؟ " إن انكلترا تصدّر "أفضل ما لديها إطلاقا لهذه البلدان" وهؤلاء الإداريون الين ينذرون أنفسهم دون أنانية يقومون بأداء عملهم "وسط عشرات الآلاف من الناس الذين ينتمون إلى عقيدة أخرى , وعرق آخر , وشروط حياة أخرى ."
ومنطق بلفور هنا شيق كونه منسجم انسجاما تاما مع المقدمات المنطقية لخطبته كلها . , فانكلترا تعرف مصر , ومصر هي ما تعرفه انكلترا , وانكلترا تعرف أن مصر لا يمكن أن يكون لها حكم ذاتي , وانكلترا توثّق ذلك باحتلال مصر , وبالنسبة للمصريين , فان مصر هي ما احتلته انكلترا وما تقوم الآن بحكمه , لذلك فإن الاحتلال الأجنبي يصبح "الأساس الفعلي" للحضارة المصرية المعاصرة , ومصر تتطلب , بل إنها في الواقع لتصر على الاحتلال البريطاني .
وفي الثلاثين من تموز عام 1907 كان بلفور من دعم في مجلس العموم مشروع هبة كرومر جائزة تقاعد مقدارها خمسون ألف جنيه إسترليني مكافأة له على ما فعله في مصر . وقال بلفور إن كرومر قد صنع مصر , وإنه :
" في كل ما مسه نجح .... وقد ارتقت خدمات لورد كروم بمصر خلال ربع القرن من أدنى درجات المهانة الاجتماعية والاقتصادية إلى حيث تقف الآن بين الأمم الشرقية الفريدة , في اعتقادي , دون منازع في ثرائها , ماليا وأخلاقيا . "
أما كيف قيس ثراء مصر الأخلاقي , فإن بلفور لم يشرع بتقديم إيضاح .
وبخلاف بلفور الذي تلبست أطروحاته حول الشرقيين لباس الكونية الموضوعية , فقد تحدث كرومر عن الشرقيين من حيث هم , تحديدا , من قام بحكمهم أو كان عليه أن يتعامل معه في الهند , أولا , ثم في مصر لخمس وعشرين سنة برز خلالها القنصل العام الأسمى في إمبراطورية انكلترا بأكملها .
وشرقيو بلفور هم , عند كرومر , العروق الخاضعة التي جعلها موضوع مقالة طويلة له نشرت في كانون الثاني عام 1908 ....
" .... حين نتعامل مع الهنود , أو المصريين , أو الشيلوكين , أو الزولو , هو أن نأخذ بعين الاعتبار ما تؤمن هذه الشعوب , التي هي , من حيث القومية في حالة تلمذة , بأنه الأفضل لخدمة مصالحهم , ...
.... وقد يكون حينئذ ثمة أمل في أن يتردد المصري قبل أن يلقي بما لديه من إمكانيات وراء عرابي آخر في المستقبل ... بل قد يتعلم المتوحش في أواسط أفريقيا ذات يوم ... "
إلى أي درجة ينبغي على الحاكم أن يأخذ بعين الاعتبار "بصورة جدية" الاقتراحات التي يطرحها العرق المحكوم ؟ لقد وضّحت هذه النقطة معارضة كرومر المطلقة للقومية المصرية .
فقد رفض كرومر باستمرار مطالب عادية لا تفاجئ أحدا , مثل إيجاد مؤسسات وطنية حرّة , وإنهاء الاحتلال الأجنبي , وإقامة سيادة قومية داعمة لذاتها بذاتها .
وقد أكد كرومر دون التباس أن "مستقبل مصر الحقيقي ... يقوم لا في اتجاه قومي يشمل سكان مصر الأصليين فقط ... بل في الاتجاه نحو عوالمية موسّعة" .
فالعروق المحكومة لا تمتلك في ذاتها القدرة على معرفة ما هو خير لها .
وقد كان معظمهم شرقيين يعرف كرومر خصائصهم معرفة وثيقة لأنه كان قد خبرهم في الهند ومصر .
وكان أحد الأشياء المريحة لدى الشرقيين , في نظر كرومر , أن إدارة أمورهم كانت , رغم أن الظروف قد تختلف قليلا من مكان لآخر , واحدة تقريبا في كل مكان .
وكان ذلك بالطبع , لكون الشرقيين حيثما وجدوا تقريبا , شيئا واحدا .
وفي الفصل الرابع والثلاثون من كتابه ذي المجلدين "مصر الحديثة" , وهو السجل الجليل لتجربته وانجازاته ... يظهر الشرقيون والعرب سذجا , غافلين , محرومين من الحيوية والقدرة على المبادرة , مجبولين على حب "الإطراء الباذخ" , والدسيسة , والدهاء , والقسوة على الحيوانات , والشرقيون لا يستطيعون السير على الطريق أو الرصيف (فعقولهم الفوضوية تعجز عن فهم ما يدركه الأوروبي البارع بصورة فورية , وهو أن الطرقات والأرصفة شقّت وبنيت لكي يمشى عليها) , والشرقيون عريقون في الكذب , وهم "كسالى سيئو الظن" , وهم في كل شيء على طرف نقيض من العرق الانجلو_ساكسوني في وضوحه , ومباشرته , ونبله .
وهكذا , فإن أي خروج على ما أعتبر معيارا للسلوك الشرقي كان يعتبر غير طبيعي , ونتيجة لذلك , فقد أعلن تقرير كرومر السنوي الخير من مصر أن القومية المصرية كانت "فكرة طارئة كليا" و "غرسة لم تنم في تربة محلية بل في تربة غريبة" .
خلال السنوات الأول من القرن العشرين , كان بإمكان رجال مثل بلفور وكرومر أن يقولوا ما قالوه , وبالطريقة التي بها قالوه , لأن تراثا من الاستشراق , أقدم من تراث القرن التاسع عشر , زودهم بمفردات , وصور , وبلاغة, ومجازات ليقولوه بها .
ومع ذلك فإن الاستشراق عزّز , وعزّز بالمعرفة الأكيدة لكون أوروبا أو الغرب تسيطر , بمعنى الكلمة الحرفي , على الجزء العظم من سطح الأرض .
ذلك أن مرحلة التقدم الضخم في مؤسسات الاستشراق وفي مضمونه تواكبت تماما مع مرحلة التوسع الأوروبي الفريد . فمن 1815 إلى 1914 اتسع مجال السيطرة الأوروبية الاستعمارية المباشرة من حوالي 35% من سطح الأرض إلى حوالي 85% منه .وقد تأثرت بهذا التوسع جميع القارات , وبشكل خاص أفريقيا واسيا .
وكانت الإمبراطوريتان العظيمتان البريطانية والفرنسية حليفتين وشريكتين في بعض الأشياء , ومتنافستين متعاديتين في أشياء أخرى ..
وبإيجاز , فانه يحسن أن يفهم الاستشراق باعتباره طقما من الضوابط المقيّدة والمحدوديات المفروضة على الفكر , بدلا من كونه , ببساطة , مذهبا ايجابيا .
وإذا كان جوهر الاستشراق هو التمييز الذي يستحيل اجتثاثه بين الفوقية الغربية والدونية الشرقية , فان علينا أن نكون على استعداد لنلاحظ كيف أن الاستشراق في تناميه وفي تاريخه اللاحق , قد عمّق هذا التمييز , بل أعطاه صلابة وثباتا .
وحين أصبحت الممارسة العادية لبريطانيا خلال القرن التاسع عشر أن تحيل إدارييها في الهند وبلدان أخرى على التقاعد مع بلوغهم سن الخامسة والخمسين فقد تحققت درجة أبعد من الصقل والتشذيب , إذ لم يكن ليسمح لشرقي أبدا بأن يرى غربيا يهرم وينحط , تماما كما لم يكن لغربي أبدا أن يرى نفسه , مرئيا في أحداق عرق محكوم , إلا رجلا مليئا بالحيوية , عقلانيا , يقظ الذهن أبدا .
ومن اجل أغراضي الخاصة هنا , فإن الصيغة الأساسية للعلاقة بين الشرق الأدنى وأوروبا كانت قد تشكلت بالغزو النابليوني لمصر 1798 الذي كان , على أكثر من وجه , النموذج الأكمل للمصادرة العلمية التي تمارسها ثقافة ما ضد ثقافة أقوى منها .
ذلك أن احتلال نابليون لمصر أدى إلى تحريك عمليات بين الشرق والغرب ما تزال تسيطر على منظوراتنا الثقافية والسياسية المعاصرة .
خريف 2008
..
_________________