3
النقلة إلى فلسطين ..2
بتصرف ..
والمعروف أن يهود فلسطين قاموا بثورة ضد السلوقيين في أواسط القرن الثاني قبل الميلاد , وذلك بقيادة أسرة من الكهنة تسمى الأسرة "المكابية" , والأصح "الحشمونية" . والثورة هذه نتج عنها قيام دولة يهودية اعترف لها السلوقيون بنوع من الاستقلال .
واستمر الحشمونيون يحكمون دولة "اليهودية" في فلسطين بصفتهم كهنة , إلى أن بدا المتأخرون منهم يسمون أنفسهم ملوكا . وصار الأخوة من البيت الواحد يتنافسون على العرش . وكانت مثل هذه المنافسة قائمة عندما دخل الرومان فلسطين عام 63 ق.م , بعد قضائهم على الدولة السلوقية في سورية , فاحتكم المتنافسون من الأسرة الحشمونية إليهم , وانتهوا إلى الخضوع التام لمشيئتهم .
ففقدت الدولة الحشمونية في "اليهودية" استقلالها , وصار الرومان يعينون ولاة بلقب (وكيل) على البلاد , مع الاستمرار في الاعتراف بالحشمونيين ملوكا إلى حين .
وكان أول من عينه الرومان واليا على "اليهودية" في العام 47 ق.م رجل ثري وبارز من عرب "إيدوميا" الحديثي العهد باليهودية , اسمه باليونانية "أنتيباتر" . وزوجته تنتمي هي أيضا إلى أسرة عربية من أعيان دولة الأنباط بالبتراء .
ما لبث أن اغتيل أنتيباتر عام 43 ق.م , فعيّن الرومان ابنه "هيرودس" حاكما على "اليهودية" مكانه , ثم اعترفوا به ملكا على البلاد (37_4 ق.م) .
وحرص هيرودس خلال ملكه على إظهار يهوديته المشكوك في أصالتها وهو الذي كان يعتبر "نصف يهودي" , فجاء بمن يختلق لأسرته نسبا يرجعها إلى يهود السبي في بابل . وربما كان للسب نفسه أن همّ هيرودس في تشييد هيكل عظيم لليهود في أورشليم "اليهودية" جاعلا بذلك من هذه المدينة , وربما للمرة الأولى , قبلة ليهود العالم . وكانت بداية بناء هذا الهيكل عام 19 ق.م واستغرق العمل في بنائه سنة وستة أشهر .
بعد وفاة هيرودس عام 4 ق.م , تقسمت مملكته إلى أربعة "أرباع" ثلاثة منها توزعت بين ثلاثة من أبنائه , والرابعة وهي ربع "اليهودية" , أوكل حكمها إلى ولاة رومانيين . ومن هؤلاء الولاة الرومانيين على "اليهودية" بيلاطس المعروف بالبنطي .
المهم في الأمر لأن دولة "اليهودية" التي أسسها الحشمونيين في فلسطين , وورثها عنهم الهيروديون من بعدهم , كانت الدولة اليهودية الوحيدة في زمانها .
وكان اليهود وغيرهم من الإسرائيليين قد بدأوا يتكلمون الآرامية بدلا من العبرية منذ زمن السبي , سواء في فلسطين أو في بابل وغيرها من بلاد المشرق , بما فيها الجزيرة العربية , خاصة بعد أن اعتمدت الدولة الفارسية اللغة الآرامية لحكم هذه البلاد , بحيث زالت العبرية من الوجود زولا تاما مع الوقت كلغة محكية في أوساط العامة .
بحرفيته ..
تبقى القضية التي لا تتحدث عنها المصادر المتوفرة , بل ربما تتحاشى ذكرها عن قصد , وهي قضية الفريق الإسرائيلي الذي بقي يأمل في ظهور "مسيح" من بيت داود , وربما من سلالة زربابل حصرا , يتبوأ عرش داود ويعيد إلى بني إسرائيل ملكهم الضائع . ولا بد أن هذا الفريق الإسرائيلي "المسيحي" (إذا صح التعبير) بقي له وجود _بل ربما وجود مرموق_ بعد زمن زربابل .
ولو لم يكن الأمر كذلك لما اضطرت المؤسسة الصادوقية , في إخراجها للأسفار اليهودية المقدسة , إلى الإبقاء على أسفار الأنبياء الذين أملوا بعودة الملك إلى بيت داود . ويفترض بان أنصار بيت داود من الإسرائيليين لم يصبحوا يهودا بالمعنى الكامل , أي يهودا معترفين بشرعية القيادة الصادوقية لملتهم , بل جل ما في الأمر أنهم قبلوا بشرعية الأسفار اليهودية المقدسة كما جرى إخراجها على أيدي الصادوقيين وأعوانهم من الكتبة .
ويفترض أيضا أنهم لم يأنسوا لقيام الدولة الحشمونية الكهنوتية وغير الداودية في فلسطين في زمن السلوقيين , كم أنهم لم يأنسوا لحلول الأسرة الهيروديّة غير الإسرائيلية أصلا على رأس هذه الدولة , مكان الأسرة الحشمونية , في بداية العهد الروماني .
هذه الافتراضات عن قدم وجود فريق إسرائيلي "مسيحي" لا يعترف بشرعية الأمر "اليهودي" الواقع لا تدعمها أيّة معلومات ثابتة . لكنها على ذلك , تبقى افتراضات مشروعة .
قد يكون من الممكن , في ضوئها , تفهم النواحي الغامضة من سيرة "يسوع المسيح" . وهو الإسرائيلي الناطق بالآرامية الذي كان يسمى في زمانه "ابن داود" و "ملك إسرائيل" .
15/9/2008
..