كانت الغرفة تذرع مساحات شاسعة في ذاكرتي جيئة، وذهابا! الجدران تتسكع على أرصفة خيالاتي، وظلال لوحة تلتقط عينيّ لندفعها نحو دفقات ألوان تدلت، وظلت آثارها معلقة بين الإطار وبيني، توقفت ألقي نصف تحية على نصف القرص المتوهج، وانتظرت علّه يتمدد نحوي فيكتمل العرس، وينتفض حرفي، ويرتد إليّ طرفي. انتظرت لكن زخات البصر انقلبت إليّ حسيرة كلمح المطر!
دنوت من الوسادة، فابتعدت عني، أعرضت عنها فتهادت نحوي. تأملت الأرض المتعبة في خطاي، وأحصيت خطاي المفعمة برؤاي،"ماذا تنتظرين؟" "ماذا أنتظر؟" أنتِ المتكلمة الغائبة في رباي، الحاضرة في حماك!
فأنتِ سحرتني قبل السَّحَر،
وأبحرت في خافقي بدون شراع،
فأسرجت فيك مساحات عمري،
فأضناني فيك السهر،
فهلا اكتفيت بحلمي،
وأفرجت عني قبيل انبلاج الصراخ،
سناء، شتاء كصيف تهدهده ذاريات المطر؟!
تأملت هنا حيث تمايلت، وهناك حيث تدلّت، وهنالك حيث تماسكت، فأحسست بعطرها، وتذكرت خدرها، سرت فيّ رعشة، أغمضت عينيّ خلسة، لأعانق طيفها، وأنساب بين جوانحها... تفتحت في صدري نافذة اللقاء... كنت أتحسس خيط عطرها، فتتلوى رائحتها، وتنسلّ، من فرط الزحام، حسيرة على أكف شذاي...
تذكرت كيف كنت أبحث عنها، ولما يعييني السفر إليها تأتيني منهكة، تصافح في ألق عربات قطاري، ثم تمضي وهي تقطر حرارة تذيب جليد انتظاري...
إنها نسيج دثاري، ونجمة سماري، بائعة الكبريت على حافة هاويتي، لم تخجل يوما من حرفي، فاتنتي،تتعرّى في وضح الليل! فتضيء، بلا وجل، دفاتري المتناثرة على أهدابها!
أحسست بحنين يجرفني إليها يهمي بين ثنايا لحافي، يهتزّ، فيكلني إلى عبرات ترمقها عبرات تسبقها كوّة رجوتها أن تأخذني إلى مرابعها، ليسكت عنّي الشوق، وتغسلني رجفة الكلمات...
فجأة، التحفت بي، وانسابت بين لهاثي، وحنجرتي، ارتجت شفتاي، وارتجفت بيني، وبينها نسمات تصببت عرقا، فزادتها ألقا، ألقيت بنظراتي الملتهبة فيها أبحث عنها فإذا هي عارية بين أحضاني...
أسرعت، هيّأت قلمي، ولملمت ما تبعثر من أوراقي لألتقط شتات حسنائي قبل أن تتناثر منّي!!!