مقدمة المترجم ..
_ كتاب ادوارد سعيد لا يدور على دقة تصور الغرب للشرق , بما هو فضاء جغرافي ثقافي متميز , وصحته .
بل انه , كما قلت , لا يدور على الشرق _ بل انه لينفي وجود الشرق .
انه كتاب عن الغرب وإشكالاته الفكرية , والخلخلة الجوهرية في ثقافته , والمفارقات الضدية الأساسية التي تقوم فيما بين ما يعتبره مبادئ لتطوره الحضاري , والبحثي , والعلمي وبين الطريقة التي يعاين بها الآخر _ حين يكون هذا الآخر الشرق _ وحين تتم هذه المعاينة في إطار القوة والفوقية والسلطة _ وهي طريقة تبدو خالية من أي من هذه المنطلقات الأساسية لحضارة الغرب , خاضعة لا للفكر النقدي الذي يمارسه الغرب في فهم ذاته , بل لفكر آخر مصدره الإنشاء الاستشراقي المتشّكل المتصلب والذي تأسس في إطار معطيات ومنطلقات أخرى غير المنطلقات الأولى , منطلقات لا يمكن أن تكون الأولى أو تنبع منها لأن الظاهرة التي تتناوله مختلفة , والشروط التي يتم فيها التناول مختلفة أيضا , والعلاقة التي تتشكل بين المعاين (بكسر الياء) وبين المعاين (بفتح الياء) ( الذات _ الذات في الحالة الأولى / والذات _ الآخر في الحالة الثانية) مختلفة جوهريا أيضا في الحالتين .
_ لا يمكن أن يكون التمثيل الغربي للشرق على غير ما هو عليه .
لأن الشروط التاريخية والاقتصادية والثقافية والفكرية التي صنعته هي ما هي . ثمة حتمية تاريخية تحكمه , وتحكم حتى مفكرين من طراز ماركس فيه , وما يتضمنه هذا القول هو أن تغيّر هذا التمثيل هو أيضا خاضع لحتمية تاريخية :
أي أنه مشروط بتغيرات جذرية في بنية الغرب , وفي علاقة القوة والسلطة القائمة بينه وبين الشرق .
( مرة جديدة نسجل عودة للأبجدية الماركسية الفعالة) . المجموعة
_ يطرح ادوارد سعيد منظومة أساسية هي أن الشرق "كيان مشكّل مكون" , لا حقيقة من حقائق الطبيعة , وأن مفهوم وجود فضاءات جغرافية , ذات سكان محليين , مختلفين جذريا ويمكن تحديدهم على أساس ديني أو ثقافي أو عرقي خاص ومتّسق مع ذلك الفضاء الجغرافي هو مفهوم قابل للنقاش المطول .
بيد أن ما لا يقرره كتاب سعيد بوضوح هو أن الغرب , من المنطلق نفسه , هو "كيان مشكل مكون" أيضا .
ولا يحجب هذه الحقيقة سوى غياب منظور خارجي لمعاينة الغرب وكون الغرب , حتى الآن , هو صاحب المنظور الفعلي الوحيد في دراسة ذاته . أي أن الغرب بحاجة إلى معاينة باعتباره كيانا مشكلا . ولعل بين أهم ما قدمته الماركسية أنها حاولت أن تشكل منظورا لمعاينة الغرب لا في إطار كونه "غربيا" , بل في إطار تجسيده لمرحلة معينة من تطور علاقات الإنتاج تتجسد فيها لا وحدانية الغرب وأحاديته وتناسقه , بل انشراخه وانقسامه على ذاته وضمن ذاته .
لكن كون كلا الشرق والغرب كيانا مكونا يعجز عن إلغاء الميل إلى التصنيف الجغرافي ( الذي يبدو ظاهرة تنتمي إلى بنية العقل الإنساني ) بدليل أنني في اللحظة التي انفي فيها وجود الغرب استخدم ضمير الهاء المفرد الغائب للحديث عنه : ذاته نفسه , وان ادوارد سعيد في كثير من المواضع يتحدث عن الشرق بالطريقة نفسها , كما يتحدث لمرة واحدة على الأقل عن "الثقافة الشرقية" , بدلا عن "الثقافات الشرقية" .
(ارتباط الجغرافيا ببنية العقل "الإنساني" , حقيقة فكرية لا يمكن تجاوزها وان كان يصعب تعليلها أو تفسيرها أو "قولبتها" , وهي هنا تشكل اندفاعه للفكر القومي الجغرافي , وعائق للفكر الشيوعي الكوني , وهي بالضرورة ليست صح أو غلط , بل طبيعة إنسانية) . المجموعة
_ إن قدرة الغرب على تجاوز أزماته المستمرة منذ ديكارت حتى اليوم , على الأقل , أي منذ تبلور أزمة مركزية الإنسان أو الإله في الطبيعة , تنبع , في تصوري , من امتلاك هذا الوعي النقدي الضدي . ولعل خطر تصور الخصوصية الأول هو أنه يميل في شروط تاريخية معينة على الأقل إلى تعمية هذا الوعي الضدي أو طمسه إذا وجد , لصالح الهوية الموحدة والتركيب المتناسق المتناغم , أو تأكيد صلابة الخصوصية وتماسكها .
إذ تبدأ الخصوصية بالبحث عن الكلية والشمولية , وترفض أي مفهوم لإمكانية وجود انشراخات داخلية في "الكل" الذي هو "الماضي _ التراث _ الأمة" , وتميل الخصوصية أيضا إلى البحث عن الصفاء , عن الماهية الصافية للذات , وإذ يقترن تأكيد الكليّة بتأكيد الصفاء يبلغ خطر إلغاء الوعي النقدي الضدي ذروته وتكتسب الثقافة المؤسسة قدرة هائلة على القمع .
(هذه الفقرة وما يليها , من المترجم , تحتاج لنص موازي يلي) . المجموعة
_ أما الوعي النقدي الضدي فانه يفترض , مسبقا , نفي الصفاء والكلية , أو يتصور الكلية في إطار العلاقة الجدلية بين المكونات التي يتم تفاعلها عبر "النفي" لا عبر "التأكيد والتوثيق" .
ومن هنا فان انعدام الوعي النقدي الضدي في الاستشراق كان حصيلة لكونه "توثيقا إحاليا" , كما وصفه ادوارد سعيد , يعيد فيه النص الجديد توثيق سلطة النص القديم , وهكذا .
_ ف "الاستشراق" بما هو تجسيد لوعي نقدي ضدي غربي , ليس ظاهرة "شرقية" , بمعنى أن ليس عمل شرقي يهاجم الغرب .
وإنما هو تفجر من داخل الثقافة الغربية يمارس فاعليته الخلاقة على حيّز من هذه الثقافة بطريقة جلية ستؤدي في النهاية إلى إخصاب جديد لاستشراق من نمط جديد .
_ وقد يكون من نافل القول أو البديهي أن يقال : أن تطور اللغة مشروط بتطور الحضارة . لكن ما قد يكون أقل بداهة هو عكس هذه المقولة , والقول أن تطور الحضارة مشروط بتطور اللغة , بثورة لغوية , بتفجير للبعد اللغوي لعملية التغير والتطور الثقافية_الحضارية .
ولن يتم هذا التفجير , في تصوري , إلا بالمغامرة الرائدة , بالجرأة لا على نقل الفكر من العالم وحسب بل على اللغة أيضا , على بناها العميقة والسطحية , وعلى مكوناتها الصوتية , والمورفولوجية , والنظمية , جرأة تهدف في النهاية إلى انجاز جوهري هو توسيع اللغة .
وتوسيع اللغة ليس شرطا يخيف , بل انه شرط أساسي لتطور اللغة في مراحل الصدام الحضاري , شرط حققته العربية في عصر اصطدامها الأول بالحضارة العالمية , اليونانية والفارسية والهندية .
فقد كان المترجم العربي في تعامله مع اللغة أكثر جرأة على بنيتها ونظامها .
وقد يكون صعبا على التصديق الآن أن مصطلحات ومفاهيم بسيطة شائعة , حتى ضمن علوم أساسية كعلوم اللغة , كانت حين ظهرت , أي حين جرؤ المترجم العربي على اقتحام بنية اللغة وصياغتها , تمثل اختراقا للقوانين اللغوية الصارمة , وجرأة على الابتكار والتطوير .
(وهذه الفقرة أيضا , من المترجم , تحتاج لنص موازي يلي) . المجموعة
خريف 2008
..
م : انتهى الاقتباس من مقدمة المترجم , وبقي النص الموازي للفقرتين المشار إليهما أعلاه .
..