مقدمة المترجم ..
يمثل كتاب ادوارد سعيد الاستشراق جزءا من ثورة جديدة في الدراسات الإنسانية تضرب جذورها في الماركسية والثورة الألسنية والبنيوية , وما يكاد يكون مدرسة جديدة من "التاريخ الجديد" تنتسب بعمق إلى أعمال ميشيل فوكو بشكل خاص .
وتتكثف في هذه الثورة منطلقات متعددة لعل أهمها أن يكون مفهوم جديد للقوة والشبكة الخفية من علاقات القوة التي تنسجها المعرفة متجسدة في الإنشاء الكتابي , ومفهوم "سياسيّة" العلاقات الإنسانية بكل أشكالها و وسياسيّة المعرفة , وسياسيّة البحث .
وإذ تسيّس هذه الثورة الفكرية الوجود الإنساني إلى درجة تفوق حتى ما فعلته الماركسية في تصورها "لاقتصادية" الوجود الإنساني , فإنها تبدأ بإضاءة منابع ومكامن للقوة ظلت حتى الآن خارج نطاق الدراسة السياسة_الفكرية , مضيئة العالم إضاءة جديدة وطالعة, أحيانا كثيرة , بكشوف باهرة فعلا , كشوف يبدو أنها قادرة , في النهاية , على تكوين علم آثار جديد للمعرفة الإنسانية إذا كان لي أن أستعير عنوان كتاب فوكو التأسيسي في هذا المجال وأحوّره قليلا .
وينصب هذا التثوير للمعرفة حتى الآن على رجّ الثقافة الغربية وكشف آلية السلطة والسيطرة والقوة والتلاعب التحكمي فيها , والآلية التي بها يمارس ما اسميه "الداخل" _ أي المؤسسة التي تمتلك السلطة_ السيطرة المطلقة على "الخارج" _ موضوع السلطة .
وتتشكل علاقة الداخل / الخارج في مظاهر تعبيرية مختلفة لبنية أساسية . فلئن كان "الخارج" في نظام ميشيل فوكو هو المصابين بالشذوذ والانحراف , أو المرأة , أو الجنسية , إنه في عمل سمير أمين مثلا _ مع أن الوشائج بين عمله وبين عمل "سعيد" و "فوكو" لا يمكن تبينها بسهولة الآن _ هو "الهامش" _ دول العالم الثالث _ , وهو في عمل ادوارد سعيد "الشرق" .
أما الداخل فانه , على التوالي , العقل ( أي الغرب ) , المركز ( الغرب ) والاستشراق ( أي الغرب أيضا ) .
ليس كتاب ادوارد سعيد إذن دراسة للاستشراق , وإذ اكتب هذه الجملة فأنني ابدأ من موقع متطرف , من أجل أن أشرع في تعديله في فترات لاحقة .
ليس دراسة للاستشراق بوصفه تاريخا , وشخصيات , وأحداثا , وما هو _ كما تصفه صاحبة الترجمة الفرنسية التي ظهرت حديثا للكتاب _ بدراسة الشرق " كما خلقه الغرب " .
بل هو اكتناه غوّري صارم , مشبوب أحيانا , لكنه دائما على درجة مدهشة من حدة اللمعة الفكرية, ونفاذ الحدس , وجوهرية التحليل , لأسئلة جذرية في الثقافة والإنسان , أسئلة تدور حول مفاهيم "الحقيقة" و "التمثيل" , القوة وعلاقات القوة , وعي الذات والآخر , حول التصورات التي ينميها الإنسان لذاته وللعالم , والتمييزات التي يقيمها بينه وبين الآخر .
وهو أيضا دراسة في الآلية التي تتصلب بها هذه التصورات والتمييزات إلى معرفة , معرفة تغدو _ حين تتم في سياق القوة والسلطة سياسيا واقتصاديا وثقافيا – إنشاء يدّعي لنفسه مقام الحقيقة , ويحجب بشكل مطلق حقيقة كونه تمثيلا لا أكثر , حقيقة كونه يجسّد وعي الذات للآخر أكثر مما يجسد الآخر , إنشاء ذا طاقة مولدة للذات تفعل ضمن شروط نابعة من الذات المعاينة بالدرجة الأولى , ثم من الآخر , موضوع المعرفة , بدرجة ثانية أو ثالثة .
ثم إنه اكتناه للطغيان الذي يمارسه الإنشاء : على الثقافة التي تشكل فيها أولا , ثم على الآخر ثانيا , وللعلاقة وحيدة الاتجاه تقريبا التي تنمو بين الإنشاء_الثقافة وبين الفرد المنشئ الذي يكتب , ويتصوّر , ويفكر ضمن هذا الكون الإنشائي بموضوع المعرفة , الآخر .
............................
قد نعود إلى مقدمة المترجم لسبب ما ..
ولكننا نريد هنا التأكيد على ما يلي :
_ المترجم باحث في "بنية اللغة" لذلك هو يقرا نصوص ادوار سعيد من خلال "بنية اللغة" .
نحن لن نذهب في هذا الاتجاه , ما يهمنا هو إشعاع اللغة , الأثر إلي تتركه هذه اللغة فينا ويمكننا إدراكه واستيعابه وفهمه وضمه إلى النسيج الفكري الذاتي , والمعرفي الحيّ , لغة ادوارد سعيد .
_ ونريد أن نلفت الانتباه إلى رأي ادوارد سعيد في ماركس , كما قدّمه لنا المترجم :
ادوارد سعيد يرى ماركس , إلى درجة مطلقة تقريبا , ضحية لطغيان الإنشاء الذي يلجم ما يفترضه تعاطف ماركس الأساسي مع "البؤساء" ثم يدفعه في مجاري الرؤية الاستشراقية ليصوغه في النهاية خيطا آخر من خيوط الإنشاء الاستشراقي .
_ سمير أمين , من المؤسف أننا لا نملك الكثير من معرفة سمير أمين , استندنا على نص له نشر في مجلة الكرمل الفصلية , في دراسة لغوية ذات عمق ديني إسلامي , زمن الراحل الكبير فكريا محمود درويش , ثم ضيعنا الرجل والدراسة معا .
وهو مفكر يمتلك قدرة على تكثيف الفكرة واللغة والمصطلح بحيث تتلقى الفكرة بسهولة بالغة ووضوح هائل , ولكنك لن تكون قادرا أبدا على شرحها للآخرين بأقل من أضعاف حجمها اللغوي . ونحن نميل إلى الاعتقاد أنه يمتلك بنية اللغة العربية "فطريا" ويعيد إنتاج أفكاره عبر إشعاع لغوي لذيذ فعلا .
_ في مقدمة المترجم هذه الجملة المفتاح لفهم الترجمة والنص الأصلي "السعيدي" عبرها :
(( معرفة تغدو _ حين تتم في سياق القوة والسلطة سياسيا واقتصاديا وثقافيا – إنشاء يدّعي لنفسه مقام الحقيقة , ويحجب بشكل مطلق حقيقة كونه تمثيلا لا أكثر , حقيقة كونه يجسّد وعي الذات للآخر أكثر مما يجسد الآخر , إنشاء ذا طاقة مولدة للذات تفعل ضمن شروط نابعة من الذات المعاينة بالدرجة الأولى , ثم من الآخر , موضوع المعرفة , بدرجة ثانية أو ثالثة . ))
رأي ..
كل نص تجاوز فطرته أو انفعاليته أو غريزته أو اندفاعته الأولى , وتعرض "للتحطيم العقلي" الإرادي المنظم , وإعادة الصياغة و "القولبة" , سيصل إلى الكثير من الدقة المادية , وسيفقد الكثير من الدقة الإنسانية , مهما ادعى أنه يعبر عنها .
لذلك نميل إلى الاختلاف مع "ادوارد سعيد مترجما" , حول ماركس , الذي سيفقد عمله الفكري آفاقه , إذا ما تناولناه من أبجدية الاستشراق , أو من أبجدية الشيوعية , أو أبجدية الفلسفة الألمانية التقليدية , على سبيل المثال ..
الماركسية الفكرية , مرحلة من مراحل تطور العقل الإنساني .
ومراحل تطور العقل الإنساني ليست بالضرورة هرمية أو تصاعدية وفق بنية الرياضيات .
هي عملية جمعية تراكمية يمكن تبسيطا قياسها بالكائن الافتراضي النسبي , "الزمن" , بمعنى هذا الفكر جاء بعد ذلك الفكر إذا التأثير الطبيعي "نسبيا" هو للفكر الأقدم على الفكر الأحدث .
وهذا الشكل من التصنيف والفهرسة , يفترض الكثير من "الفرضيات المجحفة" بحق العقل الإنساني الجمعي , الحاضنة الرئيسية للعقل الإنساني الفردي .
والرؤية لهذا المنهج , في تقديرنا , تتعلق أساسا بالبيئة العامة للعقل الجمعي , وتوليدها في العقل الفردي المعبر عنها , (لضرورة فكرية قبل أخرى) , "كامنتين معا" في العقل الجماعي الإنساني الكلي , ولكن ظروف الولاة حددت , وضرورة الفهرسة الزمنية جعلت (الفكرة تسبق الأخرى) .
ولذلك لا يمكننا عمليا قبول فكرة تأثر مفكر بمن سبقه , واعتباره تطورا أو تمايزا أو تعارضا أحدث .
لنعود إلى مثال قد يساعدنا في شرح لغتنا لنا وللآخرين :
لنأخذ مفكر من مواليد القدس تحببا , المفكر محمود شاهين , هناك لوحة له ولدت العام 1990 وأخرى ولدت العام 2000 , بالخداع النسبي لمفهوم الزمن في منتج عقلي (اللوحة) خارجة عن فلسفة الزمن كلها (موهبة الرسم عند محمود شاهين) , حتى محمود شاهين لا يستطيع أن "يجزم" هل تشكلت في "عقله الفردي" , نواة لوحة العام 1990 أولا أو لوحة العام 2000 أولا , ولذلك لا هو ولا نحن , نستطيع أن نحسم قضية من من اللوحتين يجب اعتبارها متأثرة بالأخرى فعليا , نستطيع أن نحسم أمرا تفصيليا بسيطا , لوحة 1990 ولدت أولا , وفقط . نتمنى أن نكون أوصلنا رأيا ..
وهي هكذا إشكالية ما لا يزال يسمى "نسبيا" تطور العقل الإنساني , وما يجب أن يسمى فعليا , إرهاصات العقل الإنساني , بمعنى الولادات القسرية والصعبة للفكر بضغط البيئة والقلق , الجماعي والفردي معا وبتلازم .
الفكر الإنساني إذن , ولادات قسرية مقيدة , وليس ولادات إرادية حرّة .
لنعود إلى موضوعنا الرئيسي , مقدمة المترجم ..
هناك اتفاق إذا على ما يلي :
(( رجّ الثقافة الغربية وكشف آلية السلطة والسيطرة والقوة والتلاعب التحكمي فيها , والآلية التي بها يمارس ما اسميه "الداخل" _ أي المؤسسة التي تمتلك السلطة_ السيطرة المطلقة على "الخارج" _ موضوع السلطة ))
المفكر ................. الخارج (موضوع السلطة) ......... الداخل (السلطة)
سمير أمين ............. الهامش (دول العالم الثالث) ....... المركز (الغرب)
ادوار سعيد ............. الشرق ........................... الاستشراق (الغرب)
ميشيل فوكو ............ الانحراف المرأة الجنسية .......... العقل (الغرب)
لنأخذ من مقدمة المترجم ما يلي :
((على تكوين علم آثار جديد للمعرفة الإنسانية ))
لنسجل رأيا في السياق , نحن نلمس هنا واحدة من أكثر إشكاليات الفكر الغربي حدّة وظهورا , الفردية الطاغية على المشهد المعرفي , وشخصنة وفهرسة كل شيء , ومرّة جديدة نسجل ايجابية لفكر ماركس .
عند المعتزلة القضية المعرفية (ولو كانت دينية) , لا نهائية ومتطورة بمعنى أنها تنمو , وهي كذلك في الماركسية , وان بشكل لا ديني ومادي أيضا .
في الفكر الغربي , القضية معكوسة , بمعنى أن للقضية الفكرية دائما إحداثيات بمعنى فضاء نهائي , يمكن ويجب تحديده , رياضيات تقليدية .
نحن نقول بضرورة وضع أبجدية لا نهائية الحروف , لمتابعة وتوسيع فضاءات المنتجات المتتالية , وليس (الأثر أو الآثار) , العقلية الإنسانية .
خريف 2008
..
لا نزال نعالج هذا الكتاب الاسترتيجي ..
ونتمنى ان نتمم عملنا المنشور في عدة منتديات .
..