منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - الحذاء العجيب
الموضوع: الحذاء العجيب
عرض مشاركة واحدة
قديم 23-12-2008, 11:32 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
بن عبد الله عمار
أقلامي
 
الصورة الرمزية بن عبد الله عمار
 

 

 
إحصائية العضو







بن عبد الله عمار غير متصل


افتراضي الحذاء العجيب

لست أدري كيف تحولت هناك.. إلى السوق..لست أدري كيف انزلقت أصابعي إلى جيبي و أستلت كل نقودي و أسلمتها يد البائع..لست أدري كيف أعادها لي و قال : هذا حذاء ليس له ثمن.. إنه بركة من السماء و هدية من الأوابد..ما صنعته يد بشر..جلده الإباء و نعله العزة و عقبه الكبرياء.. ثم أضاف و هو يقدمه لي : إياك أن تنتعله..فقلت له : و لماذا أقتنيه إذا ؟؟ و إذ هممت أن أضيف كلمة أخرى كان قد أختفى.
في الطريق كنت أحمل هذا الحذاء كمن يحمل سرا قد عظم..ثم أصبحت كمن يحمل برميلا من الزئبق..ولما بلغت منزلي كان التعب قد ألزمني عتبة الباب.. و استلقيت على ظهري فيما كان نظري يلازم الحذاء الذي انطرح وسط الغرفة..بدا لي كأن له عينين و كأنه يحملق في ساخرا..و خيل إلي كأنه تكلم..أو ربما أرسل طيفا من ألفاظ التحدي.." أنتعلني إن كنت تعتقد في قوتك و تملكك أيها الآدمي البغيض"..و لم أدر كيف زحفت و أطبقت عليه و أنتعلته و شددت خيوطه.. فسكن.. و أحسست بالدفء يلف قدمي..و قمت، و سرت به في الغرفة.. و درت..و قفزت.. و ركلت الحائط..و دست على كل الأعراف..و قتلت ما يدب تحت قدمي.." هيا.. أرني كبرياءك و عزتك.. تحداني..هيا..هيا..إنك و إن كنت من صنع أيد غيبية و من جلد مسحور لن ترقى إلى مجرد حذاء..حذاء يضاف إلى مجموعة أحذيتي.."و أستقمت في وقفتي..و سرت إلى الكنبة..و شغلت التلفاز..كنت كذلك برهة..قدم فوق الأخرى..أمضغ علكة..و أستمتع بصوت مطربة فاتن آسر شهي خلاب لما تحركت قدمي..قدمي تحركت والله رغما عني..و راح يهتز..و يهتز..تشبثت بأذرع الكنبة..ضغطت بكل بدني..أيها السائق تريث..و ما استكان..و ما هدأ..وأخذ صوت إحتكاكه بالبلاط يشتد..يتعالى..يئز..كأنه الرعد القاصف..قنابل جبارة..زلزال..بركان في غيهب المحيط الهادر..عاصفة صحراء قاهرة..دمدمة اليوم الآخر..الصيحة الكبرى..و عندما هممت بسد أذني كان قد طفق يحلق بي في فضاءات الغرفة..و راح يعبث بي..يرفعني إلى السقف..يسحبني على الحائط سحب العنكبوت للذباب..يجرني فوق البلاط و يمسح بي الغبار..يغوص بي تحت السرير..يلوي قدمي..يلتف و يصفعني..ثم يعود و يجرجرني..يجعلني أرقص..يبكيني..يضحكني..يؤدب الوحش المغرور المتعالي في مكنون غرائزي..و يختطفني الإغماء.
لما استفقت و جدت نفسي وحيدا فوق صخرة..عار..الصخرة على رابية..الرابية فوق جزيرة..هناك..لا إنس و لا عزة..وحدي..و قبالتي كانت رزمة من الأحذية الجلدية تنظر في باحتقار كبير و ترسل ضحكاتها الجنونية في فضاء الغرب البعيد البعيد.






 
آخر تعديل ربيع عبد الرحمن يوم 25-12-2008 في 12:21 AM.
رد مع اقتباس