(51 ) رباعية بحرى .. تجربة شخصية
بقلم: محمد جبريـل
....................
إذا الإنسان طاف حول الإسكندرية فى الصباح
فإن الله سوف يصنع له تاجاً ذهبياً
مرصعاً باللآلئ
ومعطراً بالمسك والكافور
يشع الضوء شرقاً وغرباً
" ابن دقماق "
تحضرنى ملاحظة ذكية أبداها أستاذنا على الراعى حول مسرحية " مهاجر بريسبان " للكاتب اللبنانى جورج شحادة . تقدير الراعى أن " الأدب العالمى كان يكسب كثيراً لو أن شحادة استخدم قدراته الكبيرة فى ترجمة لبنان إلى العالم (الهلال ـ فبراير 1969) . تقدير الراعى كذلك أن " العالم محتاج إلى أن يتعرف على أجزائه الكثيرة المترامية . وهذه الحاجة ثقافية وفنية قبل أن تكون سياسية . فإذا جاء الممتازون من كتاب البلاد الصغيرة ، وكتبوا بلغة غير مميزة تسلكهم فى أى عداد شئنا ، فالخسارة خسارة الأدب العالمى مثلما هى خسارة الأدب المحلى"
***
بداية ، فأنا لم أكتب عن البحر ، ولا عن الصلة بين البحر واليابسة ، وهو ما يبين فى الكثير من إبداعاتى الروائية والقصصية ، لم أكتب لطرافة الموضوع ، وإنما لأنه لم يكن بمقدورى سوى الكتابة عن البحر . البحر يحتضن الإسكندرية من معظم جوانبها ، ويحيط بحى بحرى من ثلاث جهات ، كان هو المكان الذى تطل عليه شرفة بيتنا، ويطل السطح على امتداد آفاقه . كنت أسير على شاطئه، وأتابع التعامل اليومى معه فى صيد السنارة والطراحة والجرافة ، وعمليات الشحن فى الميناء الغربية ، وركوب البحر نفسه فى قوارب صغيرة تعبر المسافة من باب واحد إلى باب رقم ستة ، أو فى لانشات تمضى إلى قرب البوغاز . حتى فى الظلام ، كنت أستمع إلى البحر ، وإن كنت لا أراه . أتذكر قول رامبو : إنه البحر وقد رحل مع الشمس .
البحر ليس موضعاً طارئاً فى حياتى . إنه الحياة نفسها ـ والموت أيضاً ، كما سأحدثك حالاً ـ . وعلى الرغم من انقضاء عشرات الأعوام على ابتعادى ـ بصورة عملية ـ عن الإسكندرية ، فإنى أفضل ـ حتى الآن ـ أن تدور أحداث أعمالى فى بحرى ، لأنى أشعر أن الحى تحت تصرفى . أعرف تاريخه وأسواقه وشوارعه ومساجده وبناياته وسلوكيات حياته اليومية . أعرف المعتقدات والقيم والعادات والتقاليد . حتى مسميات الأشياء واللهجة هى وسيلة التعبير عندى . حتى مستطيلات البازلت التى تتفق فيها مع المدن الساحلية الأخرى ..
البحر عند الشخصيات الأدبية بعامة ، مبعث للتأمل الرومانسى ، ولقضاء إجازة الصيف. البحر عند شخصياتى مصدر للرزق . يحصلون على قوت أيامهم بالعمل فيه ، والإفادة من تنوع خيراته ، وتشقيهم أحواله من نوات وعواصف ورياح ، حتى أنه يختطف البحارة والصيادين ـ أحياناً ـ من فوق بلانساتهم [البلانس هو سفينة الصيد الكبيرة] ويغيبهم فى أعماقه ، ويعطى الموروث الشعبى تأثيراته التى تدين ـ غالباً ـ للخرافة . البحر مرادف للحياة بعامة فى الأعمال الإبداعية ، فهو يتسربل بالسحر والخرافة والأسطورة . أما البحر فى أعمالى ، فهو مرادف للحياة والموت فى آن . قد يكون حصيرة ـ بلغة أهل الإسكندرية ، فيتاح ركوبه ، والحصول على الرزق من أعماقه . وقد يعانى النوات والعواصف والرياح ، فتنعكس معاناته على من يركبونه ، أو يقفون على شاطئه ، بحثاً عن الرزق .
***
كنت أتحدث فى المركز الثقافى الإيطالى عن الإسكندرية ، وحى بحرى بخاصة. لاحظت ـ بدا لى الأمر كأنى أكتشفه للمرة الأولى ! ـ أن أبناء بحرى ينتمون إلى الطبقات ما بين الدنيا ، وما فوق المتوسطة ، فهم يعملون فى صناعة المراكب والصيد وبيع السمك وأعمال البحر وشركات التصدير والاستيراد ، وهم حرفيون وتجار ومهنيون .. لكن أصحاب رءوس الأموال الكبرى ـ وكبار الاقتصاديين بعامة ـ يفضلون السكنى فى منطقة الرمل . لذلك فإن بحرى يخلو إلا من قصرين متقابلين ، أحدهما سراى رأس التين الذى بناه الخديو إسماعيل فى أواسط القرن التاسع عشر ، وهو الآن أحد قصور الدولة . وفى مواجهته قصر آخر صغير ، للسيدة عصمت محسن حفيدة حسن باشا الإسكندرانى ، والتى كان يطلق عليها ـ لا أدرى من كان وراء التسمية ـ لقب أم البحرية . فيما عدا قصرى رأس التين وأم البحرية [أزيل القصر الثانى ـ فيما بعد ـ وشيدت فى موضعه بناية سكنية] فإن ملامح بحرى المعمارية قوامها بيوت قصيرة ، متآكلة ، متلاصقة ، وبنايات متوسطة ، وما فوق المتوسطة . ثمة الأقل من البنايات الفاخرة ، لكن النسق المعمارى لحى بحرى ينتمى ـ فى معظمه ـ إلى الطبقتين الفقيرة والدنيا ..
***
لقد أحب كامى البحر ، ولا أعتقد أن أحداً من الأدباء الفرنسيين عبر عن مشاهد طبيعة البحر المتوسط مثل كامى . وثمة ملفيل فى عمله الضخم " موبى ديك " ، وجوزيف كونراد الذى اتخذ البحر موضوعاً للعديد من رواياته ، وأشهرها رائعته " قلب الظلام " .. وثمة من الأدباء العرب صالح مرسى وحنا مينا وغيرهم ..
وحى بحرى بالإسكندرية هو الأرضية لمعظم ما كتبت من إبداعات . وقد أردت فى رباعية بحرى بأجزائها : أبو العباس ـ ياقوت العرش ـ البوصيرى ـ على تمراز ، أن أكتب فصولاً مستقلة ، تتكامل فى تصوير حى بحرى الذى أحببته ، وامتداده الطبيعى إلى المكس ، أو إلى الرمل ..
قوام الرباعية هو الحنين إلى الماضى ، إلى الزمان الماضى ، والمكان الماضى . الجو حافل بالأسطورة والصوفية والرموز والخوارق والتأملات الميتافيزيقية والتطلع والخنوع وطلب المدد ..
أردت بهذه الرباعية الروائية أن أكتب فصولاً مستقلة ، لوحات ، تصور الحياة فى حى بحرى بالإسكندرية عقب الحرب العالمية الثانية . لا صلة بين الكثير من اللوحات ، فلا يكاد القارئ يتبين ما يربط بينها . همنى الوحدة الداخلية، سواء على مستوى المكان ، أو الشخصيات ، أو الجو العام ، بحيث تتكامل الفصول ـ أو اللوحات ـ فى بناء روائى يهبنا لوحة بانورامية الأبعاد والتفصيلات لهذا الحى الذى عشت فيه طفولتى وصباى وشبابى الباكر . ومازلت أحيا فيه ـ رغم البعد ـ ويحيا فىّ ، حتى الآن .
حين بدأت فى كتابة أجزاء رباعية بحرى ، كان همى أن أصف الأشخاص القريبين منى ، والذين ألفت رؤيتهم فى جوامع بحرى وميادينه وشوارعه وأزقته ، وصيادى الجرافة بين الكورنيش وشاطئ البحر ، والأماكن المرتبطة فى وجدانى بذكريات باقية . ولعلى أعترف أنى حاولت أن أضمّن الرواية ـ فى سياق السرد ـ الكثير من المعارف البحرية [ اكتشفت ـ وأنا أراجع البوصيرى ـ أنى كررت اسمى لوحتين كتبتهما فى ياقوت العرش . فكرت فى استبدالهما ، لكننى شعرت انه من الصعب أن أختار غيرهما للوحتى البوصيرى ]
الرباعية فصول مستقلة ، فى أجزاء منفصلة ، لكن الفصول والأجزاء متصلة بشكل وثيق . ولأن بعض الفصول جاءت أقرب إلى القصة القصيرة ، فقد نشرها "الأهرام" باعتبارها كذلك ..
***
أنسية ليست مومساً على أى نحو ، ليست حتى مومساً فاضلة ، وليست ـ بلغة علم الاجتماع ـ ضحية بريئة ، لكنها فتاة من الطبقة الأدنى ، واجهت مأزقاً صعباً ، بذلت أعواماً من حياتها للتغلب عليه . وعندما تصورت أن ذلك ما حدث، واجهت مأزقاً أشد قسوة ، وهو أنها قد تعود إلى ما كانت فيه لو لم تنجب ، لو لم تهب الرجل مطلبه فى الولد والامتداد والخلود . وقد تطلع سيد الفران إلى الولد والامتداد لأنه ـ على حد تعبيره ـ كان مقطوعاً من شجرة . وربما لامس المرء الوهم للخلاص من الواقع ، كما فعل حمدى رخا . وحين يعجز المرء عن مواجهة الخطر أو الظلم ، فإنه قد يلجأ إلى قوة عليا يجد فيها الحماية والأمان ، وهى الصوفية . وهو ما فعله على الراكشى عندما أجاد الحاج قنديل حصاره ، فوجد الملاذ فى كلمات يوسف بدوى ، وفى قراءة كتب الصوفية وممارسة طقوسها . وحين ضاقت السبل بجابر برغوت ، فإنه لجأ للسفر إلى القاهرة ، يضع بين أيدى سادة الديوان الذى ترأسه السيدة زينب مشكلات الناس وما يعانون . وكما يقول ايفانز ريتشارد فإن " مواجهة الإنسان للأزمات والكوارث يؤدى إلى شعوره بالخوف والقلق ، وانه لا يستطيع أن يسيطر على مشاعره ، ويقضى على يأسه ، إلاّ عن طريق تكوين الشعائر الدينية " . واللافت أن عدد أعضاء الطرق الصوفية فى مصر قد تزايد بعد نكسة 1967 بنسبة 25 % ( البناء الاجتماعى للطريقة الشاذلية فى مصر ـ فاروق أحمد مصطفى ـ هيئة الكتاب 1980 ) . ولاشك أن الصوفية والأولياء والموالد والأذكار وغيرها من المظاهر الدينية أبعاد ثابتة فى حى بحرى . ثمة أبو العباس والبوصيرى وياقوت العرش وكظمان ونصر الدين وعشرات من الأولياء الذين يحظى بحرى بوجود أضرحتهم ومقاماتهم ، وبملايين المريدين والزوار من طالبى البركة والمكاشفة والنصفة والمدد . ويربط حسن الساعاتى بين وجود عدد كبير من المساجد فى بحرى وبين استقرار الحياة فى الحى ، وزيادة كثافته السكانية ، لأن أضرحة الأولياء تكون مراكز جذب للسكان ، باعتبار أن الأهالى ينزلونهم من أنفسهم منزلة عظيمة ، لأنهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون . وكان ذلك ما حدث فى رائعة يحيى حقى قنديل أم هاشم ، حين حرص الجد ـ محسوب السيدة زينب ـ على الإقامة بجوار مسجدها. سيدى الأنفوشى له ـ فى قلعة قايتباى ، فى الطرف الشمالى لمدخل الميناء الشرقية ـ مسجد وضريح ومقام ، لكنه ـ دوناً عن جميع الأولياء ـ بلا أتباع ولا مريدين ، بلا دعوات وابتهالات وتهدجات واحتفالات مولد ونذور وأذكار . حياته لا يذكرها أحد : من هو ؟ أصله ؟ فصله ؟ كراماته ؟ سيرته ؟ . الرواية ـ أصلاً ـ غير مؤكدة . ربما الأنفوشى حقيقة ، وربما رفاته فى الضريح الذى يتوسط فناء مدرسة البوصيرى الإلزامية بالموازينى . لكن مسجد قايتباى الصغير بلا اسم ـ معلن ـ لولى . ثمة رأى أن اسم الأنفوشى هو " الكهنفوشى "، وهو اسم فارسى لشيخ عجمى . والاسم موجود فى كتاب " الضوء اللامع " للسخاوى . الهوية المجهولة حياة سيدى الأنفوشى . البداية منبعها الغموض ، مصبها الغموض كذلك ، وربما لم يكن فى حياة الإسكندرية ولى بهذا الاسم . أبو العباس المرسى ، حارس الإسكندرية ، وسلطانها ، وكبير أوليائها ، وحبيب الغلابة والمنكسرين والمظلومين والتائبين ، والباحثين عن الذرية الصالحة والبرء من العلة والسقم . نسيج القصة رائق ، متماسك ، لا ينقص خيطاً : رحلة الزهد والتصوف من مرسيه إلى الإسكندرية : " فو الله ما رأيت العز إلا رفع الهمة عن الخلق ، ولا السلامة فى الدنيا إلا بترك الطمع فى المخلوقين " . انتشار الدعوة ، تكاثر المريدين والأتباع . القسم بياقوت العرش لا يمتد إلى خواء ، وإنما يمتد إلى حياة طيبة ، متكاملة . صديق المرسى ونديمه وصفيه وتلميذه . لم يكن يؤذن لأية صلاة إلا إذا تناهى الأذان من العرش الإلهى . بردة البوصيرى الشهيرة تحيط بصحن جامعه . على تمراز مجذوب ، وله كرامات ، لا يدرى أحد من أين جاء ، ولا كيف سارت حياته إلى الموت . حتى سيدى جابر الذى ترقد رفاته فى الجانب الآخر من المدينة ، له أصل ، وإن كان يصعب تحديده . اجتهادات تؤكد أنه الرحالة ابن جبير . اجتهادات مقابلة ، واثقة ، ترى أنه سيدى جابر الأنصارى . بل إن بعض هؤلاء الأولياء ترتبط مكاشفاته بالبحر . كان الشيخ على الصياد ـ على سبيل المثال ـ صياداً موفقاً . وكان يحب أن يخلو إلى نفسه بعيداً عن الناس حتى ألفته طيور البحر ، فكان يخاطبها بلسانها . وذات يوم أدركه المرض ، فتبارت الطيور فى إحضار الأعشاب الشافية من الجزر البعيدة عبر الأفق ، وراحت تنثرها بين يديه متوسلة إليه أن يجرب علاجه بها ، فقال لها : إذا كان قد حان أوان الشفاء ، فسأشفى بدونها ، وإن لم يكن قد حان ، فما الفائدة ؟. وظل على مرضه حتى لفظ آخر أنفاسه عند الشاطئ . وبكته الطيور البحرية ، ودعت الله أن يجعل مثواه فى مملكتها ، فاحتضنته مياه البحر ، وصار الولى الوحيد الذى تغمر المياه ضريحه . ويحرم الصيادون على أنفسهم محاولة صيد آلاف الطيور التى تحج إلى حرم الضريح ..
***
ما أوجه الاتفاق ـ والاختلاف ـ بين رباعية الإسكندرية ورباعية بحرى ؟..
صدمنى السؤال فى البداية ، وربما تضايقت منه ، ثم ألفته بالمعاودة . أصارحك أنى تعمدت ألاّ أقرأ رباعية الإسكندرية حتى لا أقع فى شبهة تأثر ـ قرارى بكتابة رباعية بحرى يعود إلى مطالع حياتى الأدبية ـ وبالذات فى ضوء الحفاوة النقدية الواضحة ، والتى اعتبرت رباعية داريل من أعظم إبداعات القرن العشرين .
ثم حاولت ـ بعد أن صدرت رباعية بحرى ـ أن أفتش عن جوانب الاتفاق والاختلاف ، لا كناقد ، فقد مللت التأكيد أنه حتى فوزى بجائزة الدولة فى النقد لا يلغى تفهمى لقدراتى النقدية ، وأنى سأظل دوماً خارج أسوار النقد !
***
يقول جون فويلز : " إن المدن المنفتحة هى أمهات للمجتمعات المستنيرة ، ووجود مثل هذه المدن هام بشكل خاص للأدب . ولهذا فإننى أعتقد أننا نتعشق أوهامنا عنها ، ونغفر لها الكثير من خطاياها " . يضيف فورستر : نحن حين نفعل ذلك مع الإسكندرية ، فإننا لا نلام ، لأنها النموذج الأصلى للكوزموبوليس وانصهار المتناقضات ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 11 ) .
وإذا كانت صلة شخصيات ميرامار نجيب محفوظ بالإسكندرية هى صلة هامشية ، حيث اختاروا الإقامة فى الإسكندرية كمنفى ، لا تشغلهم حياة ناسها اليومية ، ولا مشكلاتهم . فالبنسيون بالنسبة لمن يقيمون فيه ـ على حد تعبير سيزا قاسم ـ مكان سلبى أقرب إلى محطة السكة الحديد ، حيث يتقابل ـ للحظات معدودات ـ المسافرون ، كل يلهث فى طريقه ( روايات عربية ـ روايات مقارنة ـ 161 ) . إذا كان ذلك كذلك ، فإنه من الصعب إهمال التأثيرات الأجنبية فى حياة الإسكندرية . وعلى سبيل المثال ، فإن يوم الأحد فى الإسكندرية يختلف عن اليوم نفسه فى بقية المدن المصرية . الشوارع خالية نسبياً ، والكثير من المتاجر يغلق أبوابه ، ذلك لأن التأثيرات الأجنبية التى تحققت من خلال " مواطنة " أعداد هائلة من الجاليات الأوروبية لم تندثر من المدينة بصورة كاملة بعد . لكن الصورة التى رسمها داريل فى رباعية الإسكندرية ـ على حد تعبير صلاح عبد الصبور ـ تنتمى إلى داريل أكثر مما تنتمى إلى الإسكندرية " فالإسكندرية ليست هى مدينة هذه الحفنة من الأجانب والمتمصرين ، وليس هى مخادع اللذة وأندية الشواذ والمغامرين ، بل هى مدينة ممتدة مليئة بالرجال والنساء الذين يصنعون الحياة ، ويأكلون العيش بعرق الجبين " ( عالم القصة ـ العدد الرابع ) . ويقول صديقى الكاتب المسرحى الكبير الفريد فرج ، إن انتباه داريل ـ قبل أن يكتب رباعية الإسكندرية كان متجها إلى مجتمع الأجانب والمتمصرين دون المصريين ( الأهرام 15/3/1998 ) . المعنى نفسه يورده إدوار الخراط ، فإسكندرية داريل هى أسطورته الشخصية أولاً وأخيراً ، أسطورة تكونت من مشاهد خارجية التقطتها عين أجنبية ، ومشاهد وأخيلة تخلقت فى نفس منفصلة محجوزة عن قلب البلد وروحها ، بانحيازات رازحة وراسخة . داريل لم يعرف من الإسكندرية إلاّ سطحها الخارجى ، قشرتها السطحية : بيوت ومكاتب الديبلوماسيين والموظفين والملاك . الفئة الفوقية من المتمصرين الذين لم يعرفوا من مصر سوى أنها البقرة الحلوب ، يطفون على عباب مدينة تمور بالحياة ، كالزبد أو الرغوة . الشوارع والبيوت ـ والأحياء أحياناً ـ التى كانت محرّمة على أولاد البلد . ما كتبه عن الإسكندرية هو موقع أو حالات نفسية للأجانب ولأشباه المصريين ، أو مجرد استعارات وأقنعة مصنوعة وزائفة للمصريين أو المتمصرين ، الذين لم يعرفوا من مصر إلاّ كيف يستغلونها . أما الوطنيون ، فهم الخدم والبغايا وغيرهم ممن يحيون فى الهامش ، وينظر إليهم الكاتب بنفور ، وبعدم مبالاة فى الوقت نفسه ( الأهرام 16/7/1996 ) . ويضيف إبراهيم فتحى أن رباعية داريل " تموج بأنماط عجيبة من البشر لا تجد بينها وجهاً واحداً نتعاطف معه ، أو يعكس صورتنا الحقيقية . لقد كان داريل يصور الإسكندرية المستلقية فى حلمها الأزرق كأنها إحدى الزواحف القديمة ، يغمرها الضوء البرونزى الذى تلقيه البحيرة " ( إبراهيم فتحى : العالم الروائى عند نجيب محفوظ ـ 126 ) . لقد اختار داريل شخصياته كلها من جو الأقليات الوافدة إلى الإسكندرية : اليهود واليونان والإيطاليين والفرنسيين والأرمن والإنجليز وغيرهم ، ومع ذلك فإن اختياره اقتصر على فئة من الوافدين انغلقت على نفسها تماماً ، فهى تجد فى الإسكندرية مكاناً ، محل إقامة ، دون أن تحاول التفاعل معها كشعب أو كمدينة ( أفكار معاصرة ـ 242 ، 243 ) . وعموماً ، فإن داريل كتب عن الإسكندرية ، مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، ومن ثم فقد جعل الإسكندرية مدينة إغريقية أو متأغرقة !. إنها ـ على لسان كليا ـ تتراوح بين الوهم والحقيقة ، بين الواقع والصور الشعرية التى يثيرها اسمها بذاته فى الأعماق ( كليا ـ 11 )
***
والحق أنه من الصعب أن أجرى شخصياً مقارنة بين ما كتبته وما كتبه مبدعون آخرون ، لكن الذى أستطيع تأكيده أن الكتابة عن الإسكندرية ـ وبحرى تحديداً ـ حلمى القديم ، الجميل ، الذى يرافق محاولاتى الإبداعية منذ بداياتها . السؤال : لماذا ، لم أناقشه ـ بينى وبين نفسى ـ على الإطلاق . فقد كانت الكتابة عن حى الطفولة والنشأة والسمات المميزة والبيئة التى تختلف عن مثيلاتها فى أحياء الإسكندرية الأخرى .. كانت شيئاً أشبه بالقدر .. لكننى أملك ـ فيما أقدّر ـ طرح بعض الآراء التى تناولت رباعية داريل ، ثم أترك للقارئ ـ قارئ أجزاء الرباعية وقارئ هذا المقال ـ أن يتعرف إلى ما ينشده من أوجه الاتفاق والاختلاف ..
***
يقول الناقد الإنجليزى جلبرت فيلبس : " إن داريل يبذل قدراً كبيراً من الطاقة فى رباعية الإسكندرية ، لكنها أقرب تماماً إلى أن تكون طاقة ذهنية ، ناشئة من الذهن ، وموجهة إليه ، ولا يمكن مقارنتها بذلك التعاطف الخيالى العميق الواسع المدى الذى يميز القصة العظيمة فى أى عصر ، والقيم الإنسانية فى رواياته هزيلة ومهتزة ، فالروايات توهم بأنها تحلل الحب ، ولكن أين هذه الأمثلة للعلاقات الإنسانية التى يمكن وحدها أن تدعم الدعوى وتؤيدها ؟.. إن المهارة هنا مهارة ذهنية ، أو متعلقة بالسلوك الجنسى المطلق فى الحب . إنه جنس فى الرأس ان صح التعبير ( مجلة " نادى القصة " ـ نوفمبر 1970 ) .
قدم داريل الإسكندرية المدينة ، التى لا هى باليونانية ولا السورية ولا المصرية ، لكنها خليط ، شئ مشترك من كل هؤلاء ، بل إن بعض شخصياته الأجنبية ـ ومعظم شخصيات الرواية من الأجانب ! ـ كانوا يجدون فى فلسطين ملاذاً مرتقباً لليهود ، وللجاليات الأجنبية فى مصر " لو استطاع اليهود أن يكسبوا حريتهم ، فإننا جميعاً سنكون فى يسر وهناء . إنها أملنا الوحيد " ( ماونت أوليف ـ 251 ) . لكن مدينتى هى الإسكندرية السكندرية ، الإسكندرية المصرية التى ينتمى أهلها إليها بتعاقب الأجداد ، وبالميلاد والطفولة والنشأة وأفق المستقبل .
***
إذا كان البحر المتوسط صغيراً للغاية ، فإن عظمته وامتداد تاريخه ـ والقول للورانس داريل ـ يجعلاننا نتخيله أكبر مما هو عليه حقاً [ يلتازار ] . وقد تحققت العظمة وامتداد التاريخ على أيدى هؤلاء الذين يحيون على سواحل المتوسط ، والسكندريون ـ كما تعلم ـ يحيون على سواحل المتوسط ..
الإسكندرية البعيدة عن الأحياء الوطنية ـ فى رواية داريل ـ ليست مدينة مصرية ، لكنها مدينة متأغرقة ، هى ليست إسكندرية القرن العشرين ، ولكنها إسكندرية القرون الوسطى . فحين انهارت دولة الإسكندر المقدونى ، واقتسمها أتباعه ، ازدهرت عواصمهم الصغرى ، مثل إنطاكية وإسكندرية وغيرهما من مدن الشرق الأوسط القديم . وكانت هذه المدن تحاول أن تتمسك بطابع سادتها الإغريقى ، وتحاول أن تتمثل الثقافة الإغريقية وتعيد بعثها فى أثواب جديدة ومظهر جديد . وحين انتشرت المسيحية فى هذه المدن تصالحت المسيحية مع النزعة الإغريقية ، ومن ذلك كله ولدت نزعتان دافقتان قويتان ، كانت أولاهما عطاء مسيحياً فى أصله ، مختلطاً بالوثنية القديمة ، وذلك هو فلسفة الأفلاطونية الجديدة التى ابتدعها إغريقى سكندرى هو أفلوطين . وكانت ثانيتهما عطاء وثنياً فى جوهره ، محتكاً بالمسيحية الناشئة ، وهى النزعة الحسية المسرفة ، حين تتوزع بين صبوات الجسد ، ثم تتلذذ بعد ذلك بالندم على الخطيئة . ومن استشراف الأفلاطونية الجديدة وتصوفها وإيمانها بالروح ، ومن إيمان الوثنية القديمة بالحس والشهوة والخطيئة ولدت الروح الهلنستية أو المحاكاة للهيلينية ، والمتأغرقة أو المحاكية للإغريقية . ولأن داريل كان يكتب عن الإسكندرية مستمداً من ثقافته لا من تجاربه ، فقد جعلها مدينة هلنسنية أو متأغرقة .. الإسكندرية ـ فى تقدير لورنس ـ عاصمة أوروبا الآسيوية ، حيث تهيمن الفرنسية والإيطالية واليونانية على المشهد كله ، وكل شئ مصبوب فى قالب أوروبى ( مانت أوليف ـ 181 ) . بل إن جوستين تتشابه مع الإسكندرية فى أن لكل منهما نكهة قوية ، دون أن يكون لها شخصية حقيقية ( جوستين ـ 154 ) . ويصف داريل إسكندرية الحرب العالمية الثانية بأنها عاصمة أوروبا الآسيوية . إذا كانت القاهرة تصب حياتها كلها فى قالب مصرى ، حيث العربية هى لغة الجميع ، فإن الأحاديث فى الإسكندرية يهيمن عليها الفرنسية والإيطالية واليونانية " الجو المحيط هنا ، والسلوك الاجتماعى ، وكل شئ مختلف . إنه مصبوب فى قالب أوروبى ، حيث تعيش الإبل وأشجار النخيل وأهل البلد المتلفعون بالعباءات ، يعيشون فقط ، وعلى نحو ما ، كحاشية وضاءة ملونة ، كخلفية وضاءة ملونة ، كخلفية قماشية لحياة مقسّمة إلى أصولها المختلفة " ( مانت أوليف ـ 181) . إنها " خمسة أجناس ، وخمس لغات ، ودستة من المذاهب : خمسة أساطيل تدور بظلالها اللزجة عبر البحر خلف حاجز الميناء . إلاّ أن هناك ما يزيد على خمسة أجناس يبدو العنصر اليونانى الشعبى متميزاً فيما بينها " ( جوستين ـ 12 ) . ويقول : " إن عقل مصر هو مجتمعها الأجنبى " ( مانت أوليف ـ 130 ) . ويتحدث الراوى فى " كليا " عن نسيم الذى بدأ " المصريون " فى تجريده من ممتلكاته ، فانشغلت الإسكندرية كلها فى الدفاع عن عزيزها ( كليا ـ 142 ) ، ومن الواضح أنه عنى بكل الإسكندرية الوافدين إليها من أبناء الجاليات الأجنبية . وإذا كان اليهود ـ فى ثنايا الرواية ـ يتطلعون إلى أرض الميعاد ، فإن الأقباط يمثلون أقلية مستضعفة ومقهورة . الرواية تحفل بعبارات التكريس للعداء المختلق بين المسلمين والمسيحيين . والكاتب يرى أن الإسكندرية التى تبدو مسالمة فى ظاهرها ، لم تكن ـ فى الحقيقة ـ مكاناً مأموناً للمسيحيين " ( جوستين ـ 169 ) . يقول على لسان قبطى مصرى : " إننا الأخوة المسيحيين طابوركم ـ الأجانب ـ الخامس فى مصر " ( مانت أوليف ـ 143 ) . ويتحدث عن حركة سرية ينظمها الأقباط للاستيلاء على الحكم ، وتحرير البلاد من المسلمين ، تستعين فى ذلك بتسليح البدو ( مانت أوليف ـ 275 ) .
لقد عاش داريل فى الإسكندرية فعلاً لوقت قليل خلال الحرب العالمية الثانية حين كان يعمل فى المخابرات البريطانية ، ولكن هذه الحياة المعزولة بطبيعتها ، الضائعة فى صمت التكتم والتآمر لم تتح له الفرصة لمعرفة الإسكندرية بناسها الخلص ونبضها الصادق ، فقد كان كل من يراهم فلولاً من المتمصرين والأجانب والمغامرين والجواسيس المزدوجين ، وكل أولئك البشر حين ينتظم خيط فنى لا يصنعون إلاّ عملاً وثنياً مليئاً بالخطيئة والندم مثل رباعية الإسكندرية " ( مجلة " عالم القصة " ـ العدد الرابع ) . يضيف أحمد بهاء الدين ـ وأعتذر لأن سأنقل نصاً مطولاً ، لكنه مهم للغاية ـ أن داريل يرسم للإسكندرية صورة بنفسجية بديعة ، بكل ما فيها من تفصيلات وضواح وأسماء : محطة الرمل وشوارع سعد زغلول وصفية زغلول والسبع بنات والنبى دانيال وفندق سيسل ومطاعم المكس المطلة على البحر ورمال العجمى البيضاء ، ولكنه يرسم للمجتمع صورة تنزف بالصديد ، ويرسم للمهاجرين صورة تنزف بالصديد ، لا يكاد المرء يعثر فى رواية على شخصية فيها صراع بين القوة والضعف . كل البشر عنده تقريباً مشوهون من الداخل ، مستسلمون تماماً للضعف والنقائص بدون أية مقاومة أو صراع ، واستكمالاً لهذا الإحساس حشد الكاتب فى قصته عدداً لا مثيل له من ذوى العاهات : ليزا الجميلة الفاتنة عمياء ، وسميرة عذراء الإسكندرية بدون أنف ، نيروز شقيق نسيم مشقوق الشفتين ، نسيم نفسه يفقد إحدى عينيه خلال الغارات ، وتنتهى القصة وهو بعين واحدة ، و " كليا " الرسامة تنتهى القصة ويدها التى ترسم بها مصابة ( أفكار معاصرة ـ 248 ، 249 ) . وانطلاقاً من ذلك كله ، فإن أحمد بهاء الدين يعلن ثقته فى أن التاريخ الأدبى لن يضع داريل فى مصاف الأدباء العظام ، لأن كاتب القصة العظيم ـ فى تقدير بهاء ـ لابد أن تكون فيه صفة مهمة جداً ، وهى الإحساس بأنه يتعاطف مع الإنسانية الممثلة فى أبطال قصصه ، كلهم ، أو بعضهم . داريل لا يروى قصة الحياة ، لكنه يروى فضيحتها ، وهو يحاول أن يدس فى نفس القارئ إحساساً بالشماتة لا بالعطف ( المرجع السابق )
من ناحيتى ، فقد أدهشنى أن داريل جعل السيالة حياً للبغاء ، وهو حى له عاداته وتقاليده ومعتقداته الدينية . برر داريل ذلك الخطأ المعيب فى حوار مع صديقى فتحى الإبيارى بأنه اقتبس " الصورة " من حى كلوت بك القاهرى !.. وكانت ميليسا فى رباعية داريل مومساً محترفة ، فاضلة ، ولم تكن أنسية ـ كما تعرف ـ كذلك . لم تكن أنسية مومساً ، إنما هى فتاة مصرية عانت مأزقاً ، وأمضت الكثير من سنى عمرها فى محاولة اجتيازه ..
***
تبقى ملاحظة مهمة يجدر بى أن أشير إليها : إن رباعية بحرى تختلف عن رباعية داريل وميرامار نجيب محفوظ ورجل فتحى غانم الذى فقد ظله ، فى أن الفصول / اللوحات منفصلة ، متصلة ، وأن الرواية لا تتكرر عبر تعدد الأصوات ، فالصوت واحد سواء أكان الراوى العليم ، أو الراوى المشارك ، أو من خلال التداعى ، والمونولوج الداخلى . روايتى بوح الأسرار هى ما ينتسب ـ بالفعل ـ إلى تعدد الأصوات . الحادثة الواحدة يتعدد رواتها ، كل من وجهة نظره . لذلك فإنى أسمح لنفسى بأن أختلف مع صديقى الناقد شوقى بدر يوسف فى أن رباعية بحرى تحتفى بالشكل نفسه الذى سبق أن ظهرت عليه رباعية داريل ( الرافد ـ ديسمبر 2001 )
***
أصارحك أنى لم أفهم قول ا . م . فورستر إن السكندريين لم يكونوا أبداً مصريين حقيقيين ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ 48 ) . دعك من حكاية الموقع الفريد ، وغيرها من التعبيرات التى تحاول أن تنزع عن الإسكندرية صفتها الوطنية [ لا يخلو من دلالة وصف ا . م . فورستر الرياح الشمالية الباردة بأنها القديس ـ الولى ـ الحقيقى الحارس للإسكندرية ] . وبالتأكيد فإن أهل الإسكندرية ـ أو غالبيتهم ـ ليسوا امتداداً خالصاً لأبناء الإسكندرية القديمة . ثمة القادمون من الصعيد ومدن الدلتا . ومع اعتزازى بسكندريتى ، وأنها كانت هى بداية تعرفى إلى كلمة وطن ، فإنه من الصعب أن أهمل انتماء أبى إلى عائلة من بركة غطاس بأبو حمص ، ومولد أمى فى دمنهور . وأذكر قول صياد حلقة السمك فى ثقة ، إن السكندرى الحقيقى أصله من رشيد . لا يخلو التعبير ـ بالطبع ـ من مبالغة ، لكن المعنى الذى يهمنى إظهاره أن الكوزموباليتينية التى كانت لإسكندرية ما قبل الحرب العالمية الثانية ، وربما إلى حرب 1956 ، قد انتهت إلى أهلها الوطنيين [ أذكرك بروايتى الشاطئ الآخر ] . وأعداد كبيرة منهم ليست من مواليد المدينة ، أو أن آباءهم ليسوا كذلك . الإسكندرية تكوين فى الجغرافية المصرية ، قطعة من الزمكانية المصرية . المواطن السكندرى هو ابن راقودة وفاروس والصعيد والدلتا والبحر والبادية . هو تلاقى ذلك كله ، واختلاط ذلك كله . قال داريل إن الإسكندرية لن تتغير أبداً طالما استمرت الأجناس تموج هنا كالخمر فى دن من الدنان ( كليا ـ 77 ) . وقد تغيرت الإسكندرية . نزحت الأجناس التى كانت تموج فيها ، ولم يعد إلا أهلها
بالتأكيد فإنى أنتمى إلى موطنى الإسكندرية ، وإلى وطنى مصر ، وإلى قوميتى فى امتداد الأقطار العربية بهمومها ومشكلاتها وتطلعاتها ، وإلى انتمائى إلى المجتمع الإنسانى فى إطلاقه . ولعل فورستر يدحض رأيه الغريب فى تأكيده ـ هو نفسه ـ بأن الأجانب لم يختلطوا بأبناء الإسكندرية الأصليين إلا نادراً ! ( الإسكندرية تاريخ ودليل ـ ت . حسن بيومى ـ المجلس الأعلى للثقافة )
***
البحر عندى امتداد لليابسة ، وبالتحديد هو امتداد لبحرى الصيادين والحلقة والبحارة وعمال الميناء والجوامع وأضرحة الأولياء والمقاهى وحكايات الموروث الشعبى . البحر امتداد للبيئة الساحلية ، للأنشطة التى تعتمد على ركوب البحر والصيد . فضلاً عن رائحة الملح واليود والطحالب والأعشاب . الرائحة التى لا تخطئها أنفى حين أقترب من بحرى . تبدو كأصوات هامسة فى الميناء الشرقية ، ثم تعلو الأصوات ، وتتضوع الرائحة فى الاقتراب من امتداد الطريق إلى معهد الأحياء المائية وقلعة قايتباى ، وانحناءة الطريق إلى الأنفوشى ..
مفردات البحر هى : الأمواج ، الرمال ، الأسماك ، الطيور ، الصخور ، الطحالب ، الأعشاب ، السماء ، الشمس ، القمر ، النجوم ، الأفق ، السفن ، الصيادون ، البحارة ، عمال الميناء ، الموانى ، البواغيز ، الفنارات ، الحاويات ، الأوناش ..
البحر مكان وزمان وأحداث وموروث وواقع يومى ودلالات . إنه الرزق والمغامرة والحرية والآفاق اللامتناهية والجمال والخوف والجو المتمايز ، المعتدل ، والنافذة التى تطل على العالم . تناقضاته هى تناقضات الحياة نفسها ..
البحر فى أعمالى كيان ، شخصية ، محور ، مكان ، سيد ، يهب تأثيراته فى البيئة من حوله ، ويحرك الأحداث ..
البحر عندى هو الموطن ، هو بحرى ، والطفولة ، والنشأة ، والذكريات الملتصقة بلحم جسدى ..
أتذكر قول فورستر ـ تانى ! ـ " إن الطريقة المثلى لرؤية الإسكندرية هى أن تتجول فيها فى هدوء ، وبلا هدف " . أواصل السير ـ الآن ـ فى شوارع بحرى وميادينه وحواريه وأزقته . أتأمل البيوت والدكاكين والجوامع والزوايا والمقامات والأضرحة والمقاهى والأسواق والساحات . كل ما انطبع فى ذاكرتى وألفت رؤيته تغير . اختلط بما لم يكن موجوداً ، أو اختفى .
***
أتمنى أن أظل أكتب ، وأكتب، بينما نظراتي تتجه إلى البحر.
" محمد جبريل ".