عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 18-12-2008, 02:18 AM   رقم المشاركة : 52
معلومات العضو
د. حسين علي محمد
أقلامي
 
إحصائية العضو







د. حسين علي محمد غير متصل


افتراضي رد: أوراق خضراء: مقالات مُختارة

(44) اتفاقيــة المعــابر لم تعــد تلزمنــــا

بقلم‏:‏ فهمـي هـويـــدي
...........................

أسوأ ما في الأمر أن يصبح تدمير حياة الفلسطينيين في غزة خبرا عاديا‏,‏ وأن يعد استمرار الحصار حدثا مقبولا‏,‏ وأن نقف متفرجين أمام كل ذلك‏.‏
‏(1)‏
يسألني فهد الرشود من الرياض‏:‏ ما هو مستقبل أهلنا في غزة؟ وأتلقي رسالة من لجنة أهالي المرضي في غزة تتساءل عما إذا كان هناك حكم بالإعدام على ‏1200‏ مريض يحال بينهم وبين العلاج في الخارج‏.‏ ويصبحون مخيرين بين الموت علي فراش المرض أو الموت برصاص حرس الحدود‏.‏ يتزامن ذلك مع المظاهرة السلمية التي احتشد فيها الفلسطينيون أمام معبر رفح مطالبين بفتحه‏.‏
كما يتزامن مع المذكرة التي قدمها رئيس وزراء لبنان الأسبق الدكتور سليم الحص باسم اللجنة العربية لفتح معبر رفح وفك الحصار،,‏ إلي السفير المصري في بيروت‏,‏ والمظاهر التي قام بها بعض النشطاء المصريين أمام مقر وزارة الخارجية بالقاهرة،‏ مطالبة بفتح المعبر ورفع الحصار‏.‏ وأخيرا‏,‏ الباخرتين اللتين حملتا بعضا من النشطاء الأوروبيين واتجهت إلي غزة لمحاولة كسر حصارها‏.‏
وسط هذه الأجواء نشرت الصحف المصرية تصريحات للمتحدث باسم الخارجية المصرية تحدث فيها عن التزام القاهرة باتفاقية المعابر في عام ‏2005.‏ كما نشرت الصحف الإسرائيلية هاآرتس‏(‏ في 12/‏8)‏ الخطوط الرئيسية لمشروع التسوية النهائية الذي قدمه أولمرت إلي الرئيس محمود عباس وبدد الأمل الذي علقه البعض علي إمكان التوصل إلي اتفاق مع الحكومة الإسرائيلية‏,‏ حتي وإن كان اتفاق رف‏,‏ يحسن المنظر دون أن يقدم أو يؤخر‏.‏
هذه المؤشرات التقت علي أمرين‏,‏ أولهما أنها استدعت موضوع فتح معبر رفح ليصبح أحد العناوين الرئيسية للأسبوع الماضي،,‏ وثانيهما أنها استبعدت‏,‏ في ظل موازين القوة الحالية‏,‏ إمكان التوصل إلي حل سلمي مع الإسرائيليين‏.‏ وهو ما يدعونا إلي الكف عن المراهنة علي حسن نيات الآخرين‏ (إن وجدت‏),‏ ويطرح علينا السؤال الذي يهرب الكثيرون من الإجابة عنه وهو‏:‏ ماذا علينا أن نفعل في هذه الحالة؟
‏(2)‏
منذ أكثر من شهر يقف الناشط الفلسطيني الدكتور خليل النيس علي باب معبر رفح وقد اصطحب معه من اسكتلندا سيارة محملة بطن ونصف الطن من الأدوية والمساعدات الطبية،‏ أراد توصيلها من خلال دول أوروبا إلي أن وصل إلي العريش في نهاية المطاف،‏ لكن دخوله إلي القطاع‏,‏ الذي يفترض ألا يستغرق عدة دقائق يجتاز خلالها معبر رفح‏,‏ أصبح مشكلة لا حل لها‏,‏ خلال شهر كامل علي الأقل‏.‏
حالة الدكتور خليل ليست فريدة في بابها بطبيعة الحال‏,‏ بعدما أصبح إغلاق معبر رفح الوحيد الذي يربط فلسطين بالعالم الخارجي هو الأصل‏,‏ وهو الإغلاق ذاته الذي يسري علي المعابر الأربعة الأخري‏,‏ التي تتحكم إسرائيل فيها‏,‏ وتستخدمها في إحكام الحصار وخنق الفلسطينيين وإذلالهم‏.‏
لم يعدم الغزاوية حيلة لتحدي الحصار‏,‏ إذ إلي جانب ثورتهم ضد المعابر ومحاولتهم كسر القيود التي كبلت حياتهم‏,‏ فإنهم لجأوا إلي حفر الانفاق لمحاولة تمرير بعض الأغذية والأدوية التي تسد الرمق وتخفف بعضا من الوجع‏.‏ وفي تقرير نشرته الشرق الأوسط‏(‏ في 12/‏8)‏ ذكرت أنهم حفروا نحو‏900‏ نفق عبر الحدود من رفح إلي غزة‏,‏ لتوصيل بعض البضائع‏,‏ إلا أن الإسرائيليين ومعهم الأمريكيون أصروا علي إغلاقها وتدميرها‏,‏ بحجة أنها تستخدم في نقل السلاح إلي غزة‏,‏ في حين أن الذين أقاموها وبدأوها كانوا مهربي المخدرات بالدرجة الأولي‏,‏ وبعدهم دخل التجار علي الخط وتوسعوا في العملية‏,‏ الأمر الذي رفع من أجور حفاري الأنفاق حتي وصل الأجر الشهري للواحد منهم إلي‏2500‏ دولار‏.‏
وخلال العام الأخير احتلت عملية تدمير الأنفاق مكانة خاصة في مشروع الحصار‏,‏ حتي قيل إن الأمريكيين ساعدوا علي توفير أجهزة متقدمة جدا للكشف عن الأنفاق وتتبع مسارها‏,‏ كما أنهم وفروا للجهات المعنية أنواعا معينة من الغازات التي تطلق في النفق فتصيب مستخدميه بالاختناق‏.‏
وإذا أضفنا إلي هذه الخلفية أن ثمة قرارا لوزراء الخارجية العرب بكسر الحصار في شهر سبتمبر ‏2006,‏ الذي أعقبه صدور قرار مماثل من جانب وزراء خارجية الدول الإسلامية في الشهر التالي مباشرة‏,‏ وتذكرنا أن مثل هذه القرارات تبخرت فور صدورها‏,‏ فسوف ندرك أن جهود إحكام الحصار والتضييق منه تواصلت وتقدمت‏,‏ في حين أن جهود رفعه وفتح معبر رفح لم تتقدم خطوة واحدة إلي الأمام‏.‏ وتلك خلاصة كاشفة‏,‏ لأنها تشير بوضوح إلي أن القدرة العربية في هذه القضية في مستوى الصفر‏,‏ الأمر الذي يستدعي السؤال التالي‏:‏ إذا كانت هناك حدود القدرة العربية في قضيتهم المركزية‏,‏ فما بالك بها فيما دون ذلك من قضايا؟‏!‏
‏(3)‏
لا مفر من الاعتراف بأن إسرائيل نجحت في فرض ترسانة من الاتفاقات التي كان هدفها الأساسي التحكم في قطاع غزة‏,‏ وتحويله إلي سجن كبير تملك مفاتيحه‏,‏ وإن استخدمت في ذلك واجهات أخري‏.‏ وهذه الاتفاقات أربع‏,‏ هي‏:‏ اتفاقية المعابر الإسرائيلية ـ الفلسطينية الموقعة في ‏15‏ نوفمبر ‏2005,‏ اتفاق إسرائيلي ـ أوروبي فلسطيني لمراقبة المعبر‏,‏ الاتفاق المصري ـ الإسرائيلي الموقع في أول أغسطس عام ‏2005‏ المعروف باسم اتفاق فيلادلفي‏,‏ واتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل الموقعة في ‏29‏ مارس‏1979.‏
للباحث القانوني محمد سيف الدولة بحث مهم في هذا الموضوع تحدث فيه عن ضرورة تحدي البنية التحتية للحصار‏.‏ وكيف أن خنق معبر رفح بوجه أخص أسهمت فيه أربعة اتفاقات وثلاثون دولة‏.‏ وقد ذكر بأن معبر رفح يخضع من الناحية الشكلية للسلطات الفلسطينية والمصرية‏,‏ وأن هناك معبرا آخر بين غزة ومصر يخضع لسلطات الاحتلال‏,‏ هو معبر كرم أبو سالم ‏(كيريم شالوم‏).‏ من الناحية الشكلية أيضا فإن تنظيم الحركة بالمعبر تشترك فيه عدة أطراف هي إسرائيل والسلطة الفلسطينية والولايات المتحدة ومصر‏,‏ والاتحاد الأوروبي بدوله السبع والعشرين‏.‏
وهذه الأطراف هي الموقعة علي الاتفاقات الأربعة سابقة الذكر‏.‏ لكن من الناحية العملية فإن التحكم في المعبر يتم من خلال عدد من أجهزة التصوير ‏(الكاميرات‏)‏ وأجهزة الفحص للأشخاص والسيارات التي فرضتها إسرائيل للمراقبة‏.‏ وهذه الأجهزة تتحكم في فتح وإغلاق المعبر‏,‏ لأن وجودها شرط أساسي لاستخدامه طبقا لنصوص تلك الاتفاقات‏.‏ ولذلك فإن إسرائيل عندما تريد إغلاقه فإنها إما أن تمنع المراقبين الأوروبيين من الذهاب إلي عملهم‏,‏ والذرائع لديها كثيرة‏,‏ علي رأسها الحجج الأمنية‏.‏ وإما أن تسطو علي الأجهزة وتأخذها إلي مواقعها بعيدا عن المعبر‏,‏ الأمر الذي يؤدي إلي إغلاقه تلقائيا‏.‏ ذلك أنه لا عبور دون مراقبين‏,‏ ولا عبور دون أجهزة تصوير ومراقبة‏,‏ وهذه هي خلاصة اللعبة التي تتم منذ أكثر من عامين‏.‏
‏(4)‏
الحجج التي أوردها المتحدث باسم الخارجية المصرية‏,‏ السفير حسام زكي‏,‏ لا تخلو من وجاهة لأول وهلة‏,‏ لكن هناك أكثر من رد عليها‏.‏ ذلك أن هذه الاتفاقات لا تتحرك في فراغ قانوني‏,‏ بمعني أنها تظل محكومة بمرجعية القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني‏.‏ والكلام ليس من عندي‏,‏ ولكنه رأي لا يختلف عليه فقهاء القانون‏,‏ وقد أثبته مفصلا الدكتور صلاح عامر أستاذ القانون الدولي العام بجامعة القاهرة‏,‏ الذي أعد مذكرة قانونية بطلب من الحكومة الفلسطينية حول النتائج المترتبة علي إغلاق إسرائيل المعابر‏.‏
وفي هذه المذكرة تحدث بوضوح عن أن حق الاتصال بين الدول هو من الحقوق المعترف بها والمقررة قانونا‏,‏ الأمر الذي لا يجيز لأي دولة أن تفرض حصارا يعزل أي دولة عن العالم المحيط بها‏,‏ ويمنع وصول مقومات الحياة إليها‏.‏ في رأيه أيضا أنه في حالة التعارض بين أي اتفاقات موقعة وبين القانون الدولي الإنساني فالأولوية للقانون الأخير‏,‏ لأنه في غير حالة الحروب المعلنة فينبغي ألا يسمح بالتضحية بحياة البشر لأي سبب كان‏.‏
تحدث الدكتور صلاح عامر أيضا عن أن اتفاقية المعابر التي يكثر الاستشهاد بها تحمل إسرائيل بالتزامات أخلت بها‏,‏ منها مثلا النص علي أن تعمل المعابر بشكل متواصل‏,‏ وأن تسمح إسرائيل بتصدير جميع المنتجات الزراعية بالقطاع‏,‏ وأن تضمن انسياب حركة مرور الأشخاص والبضائع والمنتجات عبر المعابر التي تصل الأراضي الفلسطينية بمصر ‏(معبر رفح‏)‏ وبإسرائيل والأردن‏.‏ منها أيضا النص علي تشغيل ميناء غزة مع تعهد إسرائيل بعدم التدخل في عمله‏.‏ ولأن إسرائيل لم تف بشيء من تلك الالتزامات جريا علي عادتها في أن تأخذ ولا تعطي‏ (‏تاريخها حافل في رفض الشرعية الدولية التي نتذرع بها‏,‏ من رفض قرارات مجلس الأمن الداعية إلي بطلان إجراءات تهويد القدس إلي قرار محكمة العدل الدولية ببطلان بناء الجدار‏,‏ وإخلالها بما تم الاتفاق عليه في أنابوليس لوقف الاستيطان‏).‏ لذلك‏,‏ فإن من حق السلطة الفلسطينية وحكومتها إما أن تنهي هذه الاتفاقات من جانب واحد وأن توقف العمل بها‏,‏ استنادا إلي المادة ‏(60)‏ من اتفاقية فيينا بشأن قانون المعاهدات‏.‏
كما أن لها الحق في أن تطالب إسرائيل بالتعويضات المالية عما لحق بالفلسطينيين من أضرار محققة من جراء مخالفاتها الجسيمة للاتفاقات المعقودة‏.‏
النقطة الثانية التي أثارها المتحدث الرسمي‏,‏ التي لا تخلو من وجاهة أيضا‏,‏ هي أنه يتعذر فتح معبر رفح وتشغيله في غياب السلطة الفلسطينية الشرعية‏.‏ لكن ذلك أيضا مردود عليه بأن ذلك العامل له أهمية‏,‏ لكنه ينبغي ألا يكون سببا لاستمرار محاصرة القطاع ومنع وصول الاحتياجات الحياتية إليه‏,‏ لأن الاعتبارات الإنسانية هنا ينبغي أن تسمو فوق أي اعتبار سياسي‏.‏ من ناحية ثانية فإن في فلسطين شرعيتين وليس شرعية واحدة‏,‏ ذلك أن السلطة القائمة في غزة لها شرعيتها المستمدة من فوزها في الانتخابات النيابية‏,‏ كما أن السلطة الموجودة في رام الله لها شرعيتها المستمدة بدورها من الانتخابات الرئاسية‏.‏ وفي حدود علمي فإن سلطة غزة قبلت بإدارة فلسطينية مشتركة بين الطرفين‏.‏ وهو حل وسط يمكن القبول به بشكل مؤقت حتي يتم الوفاق بينهما‏.‏
لقد استغربت قول المتحدث باسم الخارجية أن مصر تضغط علي إسرائيل لكي تزود القطاع باحتياجاته الإنسانية‏,‏ لأننا الأولى بذلك‏,‏ إن لم يكن لما تمثله مصر فعلي الأقل احتراما لقواعد القانون الدولي الإنساني‏.‏ ثم ينبغي ألا ننسي أن صبر المحاصرين ليس بلا حدود‏,‏ وأننا ينبغي أن نتوقي أسباب الانفجار قبل أن نضطر للتعامل معه بعد وقوعه‏.‏
.......................
*الأهرام ـ في 19/8/2008م.







 
رد مع اقتباس