08-10-2008, 01:41 AM
|
رقم المشاركة : 4
|
معلومات
العضو |
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
مشاركة: الشاعر والأديب والمترجم الفلسطيني د. عبد الرحمن أقرع في حوار مفتوح مع الأقلام
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إباء اسماعيل
ستبدأ أوراق تشرين الموشّاة بالأسئلة تتساقط ورقة ورقة على بساط حوارنا
لتوقظ في شاعرنا وضيف محطتنا الشهرية الابداعية د. عبد الرحمن أقرع قلق العودة إلى ذاته والآخر ..
رحلة الزمان والمكان ، ونزيف الفرح و الجرح ، ومسيرة العطاء الذي مازال يختزن الكثير الكثير
- مابين نابلس وفارنا مسافتان . خذنا معك أيها الشاعر في رحلة الطفولة الزمانية- المكانية من أولى شرارات الوطن الذي أشعل أناملك أحرفاً وردية
إلى آخر أبواب الغربة التي أوصلتك إلى ...... ؟!
|
[align=right]هنا قصة تطول زميلتي الفاضلة.
وأفضل أن أختزلها عبر بقع ضوءٍ تُسلط على أبرز المحطات من رحلة العمر الذي يشعر المرء بسرعة مروره دون أن ينجز شيئاً بعد.
والمشهد الأول: قرية صغيرة بالقرب من نابلس في ليلةٍ تشرينية باردة من عام 1970 تداهمها قوات الإحتلال من كل حدبٍ وصوب لاعتقال أحد رجالات المقاومة في عامه السابع والأربعين تاركين وراءه زوجةً تضم بذعرٍ بين ذراعيها العظيمتين أطفالا وشباباً تسعة ، وفي أحشائها جنيناً يمضي في ظلمات الرحم شهره السادس.
وبعد أيامٍ أربعة بالتمام يعودوا من جديد ليخرجوا أهل البيت من غرفته الكبيرة الآمنة ومن ثم يقوموا بهدمه تاركين أطلالا لا تقي حراً أو برداً .
وبعد أشهرٍ ثلاث وفي ليلةٍ قارصة البرد من شباط يبدأ المخاض مؤلماً تحت وطء تعاقب الأحداث الدراماتيكية في حياة الأسرة ليبدأ نزف الدم بغزارة مهدداً حياة الأم والوليد معاً فيتم النقل الى أحد مشافي نابلس وهناك يحظى الوليد الجديد دون التسعة الذين سبقوه لرعاية صحية حقيقية ما كان ليحظى بها على يدي داية القرية، وذلك على أيدي الأطباء الذين أخرجوه من جدار بطن الأم بعمليةٍ قيصرية عسيرة ليستهل صارخاً في لقائه الأول مع الحياة بكامل تناقضاتها.
لم أعِ تلك اللحظات بالتأكيد بيدَ أني بعد ما يزيد عن 30 عاماً دخلتً ذاتِ الغرفة طبيباً دون أن أعلم أن فيها أبصرت النور فأحسست بألفة غريبة مع المكان رغم أنه كان غرفة للعناية الطبية المركزة في المستشفى الوطني بنابلس لأكتشف أن ذات الغرفة كانت قسما للولادة وجراحات الولادة فيما سبق.
منذ لحظة الميلاد كانت نابلس أول النورِ وأول الهواء فارتبطت بها روحاً وهوى رغم انها لم تكن مستقر الأسرة ، وارتبطت في ذاكرتي من جديد بمشهد آخر لا أظن تتابع الأزمان بقادرٍ على محوهِ من صفحت الذاكرة: ألا وهو شد الرحال اليها قبيل الفجر الى ساحة واسعة من ساحاتها تجتمع فيها باصات الصليب الأحمر الدولي لنقل أهالي الأسرى إلى صحراء النقب في فلسطين لزيارة ابنائهم أو آبائهم أو اخوانهم من الأسرى.. ومن هنا تعززت آصرة الارتباط بنابلس المدينة والتاريخ والشعر لتكون خيار الاستقرار والعمل بعد رحلات الغربة الطويلة.
أما فارنا فقد دخلتها بعد أن شقَّ الشباب التمائم ممتلئا بالطموحِ والخوفِ معاً: طموح تحقيق حلمي الشخصي بدراسة الطب من جهة ، وحلم الوالد -رحمه الله- ، والوالدة- حفظها الله- ، وفي الوقت ذاته بهاجس الخوف من الآخر ، والرغبة الشبابية في جعل الآخر نسخةً عن الذات ، ذلك الشعور الذي تغير كلياً فيما بعد حيث أصبحت النظرة للآخر نظرة ندٍ ترفده ويرفدك.
جعلتني فارنا أؤمن كما لم أؤمن من قبل أن المدن كالبشر منهم من تألفه منذ الوهلة الأولى وكأنك تعرفه منذ سنين ، ومنهم من لا تتفاعل معه وإن عاشرته دهرا بأسره.
فعندما وطأت قدماي مطار صوفيا العاصمة أحسست بالإختناق ، وراودتني رغبة طفولية بالعودة الفورية ، بيد ان اللقاء الأول مع نسيم فارنا - والذي تم أيضاً في تشرين- منح الفؤاد شعورا بالألفة والأمان لتبدأ قصة حبٍّ مع مدينة لا تزال لذكراها ما يبعث القلب على الوجيب في لحظات التحنان.
صريع هوى مدينتين : إحداهما شرقية تشعر بالوقار في أحضانها العبقة بالياسمين والورد الجوري ، وترتشف من شفتيها رحيق الكنافة والحلاوة الموسمية ، واخرى غربية تموج عند مخاصرتها كما يموج البحر المتكسرة امواجه صخباً على الصخور الجاثمة متأملةً الكون على شواطئه منذ عقود طوال ، وترى في عينيها جرأةً تشعرك بلذة مذاق الحياة وقد ظننتَ يوماً أن لا حياة.
أما المحطة الأخيرة فهي رهن علم الله الذي بيده الملك يهبه لمن يشاء وينزعه ممن يشاء ، ولا ملك كالحياة ، ولا وسيلة ارفع لشكر الله عليها من التمتع بكل لحظةٍ فيها بإيجابية باقية وبعفوية طفولية جذلة.[/align]
|
|
|
|