منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - جيلاليات...-1-
الموضوع: جيلاليات...-1-
عرض مشاركة واحدة
قديم 10-09-2008, 05:47 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
نورالدين شكردة
أقلامي
 
الصورة الرمزية نورالدين شكردة
 

 

 
إحصائية العضو







نورالدين شكردة غير متصل


إرسال رسالة عبر MSN إلى نورالدين شكردة إرسال رسالة عبر Yahoo إلى نورالدين شكردة

افتراضي جيلاليات...-1-

جــيــلالــيــات


مجلولة 1 :
الصمت و الهدوء يلفان الأزمنة و الأمكنة و الشخوص .
استيقظ " الجيلالي " متوجسا و جسده يتصبب عرقا ، تأمل بغباء و رهبة خرساء ألوان الظلمة المحيطة به ، و تذكر أنه استهلك ليلتها آخر عود ثقاب ، و آخر شمعة و هو يتذوق روعة حبكة لجنة " صنع الله " و يختتم متأسفا لوعة دنيا إله " الكيلاني " عاد و تناوم ، انكمش تحت غطائه و جاهد كي لا يترك منفذا يسمح بمرور أيادي الظلام .
أحيانا يتوجس من صوت أنفاسه و هي تتلاحق ، من خفقان قلبه و هو ينقبض و من سريان الدم في شرايينه . امتداد البصر تحت الفراش جد قصير ، و في عمق العتمة تراءت للجيلالي أطياف و أرواح الموتى و الجن و العفاريت ، و أقسم النوم ليلتها ألا يعرف طريقا إلى مقلتيه ...
مجلولة 2 :
كنت لا أمكث يوما عند جدتي – رحمها الله – بكوخها القروي المتواضع ، حتى أقرر العودة لمدينتي . و كانت المشمولة برحمته تستجديني أن أطيل إقامتي معها ليـوم أو يومـين آخرين ، لكنني اعتدت الرفض و التصميم غير مبال بتوسلاتها و إغراءاتها . مازحتني يوما : " وليدي دبا يلا حكمـوا عليـك تعـيش فشـي دوار طـول حـياتك ، شنـو غاديـر ؟ لـم أرد عليها ؛ لاستحالة و قسوة التصور ، و لم أكن أدري أنها عن غير وعي ؛ كانت تقصد بسؤالها ما يلي : وليدي دبا يلا وليتي معلم ... ؟ و لقد " وليت " حقا معلما . و ها أنا ذا أعيش أصولي الحقيقية ؛ متأخرا عنها بعشرين سنة ، معوضا الدوار في خصاص أبي الذي هاجر للمدينة صغيرا من أجل هدف نبيل لم يكن يتوقعه . و هو إرسال أحد أبنائه للمساهمة في الحد من هجرة أصدقائه و أبناء أصدقائه .
مجلولة 3 :
تستهويني تلك اللحظة التي أرخي فيها العنان لمخيلتي لتشكيل الغيوم كما أشاء ، قطيع مشوي من الغنـم ، عـذراء عاريـة ، كعـكة ، أمـي ، حوالـة ، أو أي شـكل آخـر مسـتفز لأحاسيـس محرومة . كما اعتدت خلال لحظات سأمي القصوى مسابقة ظلال الغيوم ، و كنت الخاسر دائما ، فبدء تجاري الغيمة إيقاعاتي ، لكنها سرعان ما تتركني وراءها لاهتا ، متجاوزة فجا أو هضبة أو كتلة من الصخور في لمح البصر .
أردت أن أتباهى أمام أحد المعلمين القدامى خلال لقاء تربوي جمع بيننا ، فأخبرته متحمسا بأنني أسابق الغيوم ، و بأنني لمست غيمة بيدي و تذوقت زبدها ، ملمحا إلى مدى علو منطقة عملي . ابتسم المحترف بمكر و دهاء و علق متهكما : أنا من فرعيتي تبولت على غيمة !!!
مجلولة4 :
كان سيعد يوما مشهودا لو سار كما خمنت ، و لو توفـرت أدنى شـروط العمل و العيـش و التواصل . و كان سيؤرخ لميلاد مرحلة جديدة في حياتي ، و انخراط نهائي في مسيرة مهنية راشدة ، لولا أن مفاهيم و تسميات الأعمار و الأزمنة في وطننا تعرف تداخلا و امتدادا و تمطيطا لكل مراحلها ، و لولا ( ... ) .
ففي السابع عشر من شتنبر إحدى أواخر سنوات الألفية الثانية ، استفقت على غير عاداتي لأجد نفسي بين عشية و ضحاها و سنتين ، موظفا قابعا بين أخاديد ثان أعلى قمة جبلية في المغرب ، توضأت ، صليت ، تناولت طعام إفطاري ، و مارست طقوس الاستهلال في أول أيام العمل الرسمي ، و لم أكن أدري أنها سنكون آخر مرة . خطوت مبسملا و متيمنا على عتبة باب القسم ، وجدت المادة الخام لوظيفتي في انتظاري ، حييتهم تحية الإسلام ، تأملتهم حفاة ، أنصاف عراة ، يعلو الوسخ و الإهمال و الجوع و الحيرة و فرح خفي محياهم ، اقتربت منهم صافحتهم و داعبتهم واحدا واحدا ، عدت لمكتبي ، واجهتهم ، ابتسمت في وجوههم ، لم يتجاوبوا مـع الابتـسامة و اكـتفوا بـدورهـم بتفحصـي صامتـين ، قـصـدت أحدهـم بالسـؤال : ما اسـمـك ؟ و لم يـرد ، لأنه لم يفهم ما قلت ، و لأنه لم يعتد أن يسأل عـن اسـمه بدارجـة أو فـصحى عربيتين ... انصرفـوا بعـد ساعتـيـن من اللاتواصل و التـيه و محاولات فاشلـة لـخلق لغـة بديلـة للـتفـاهم و التوافق . اقتعدت محبطا كراسي طاولاتهم ، مشطت خشبها شبرا شبرا ، و لم أعثر

على كلمة واحدة ذات معنى ؛ خطوط منعرجة و مستديرة ، علامات و أشكال فريدة ، طلاسم يصعب فك معانيها . و تذكرت أنني كنت أمضي نصف حصص الدروس التطبيقية خلال سنتي التكوين في قراءة جرائد التلاميذ الخشبية ؛ إشارات ، إحالات ، رسائل و رسوم ...و كدت أرفع الراية البيضاء ...
أسابـيع قلـيلة بعـد ذلـك ، تمـكنت خلالها من بـعض أبجديات أو لنقل أمزغيات لهجتهم ، و تمكنت أكثر من كسب حبهم و ألفتـهـم و الاقـتراب من هواجسهم و ملكاتهم . و بدوام المحاكاة و الإيماءات وسيل مضبوط من الكلمات و المصطلحات ، بات من الواضح أن المدرسة المغربية بحملها للواء التعميم و التعريب تكون قد أدت – نسبيا – حقا الوظيفة المنوطة بها على أكمل وجه و أن الدولة مصيبة و حكيمة في غاياتها المسطرة . و صار من الضروري أيضا تنظيف طاولات تلاميذي كل شهر .
مجلولة5 :
" الكميلة " عالم جديد اقتحمت غماره لأول مرة بعد تهجيري من منزل العائلة ، كنت أعود من المدرسة أو من الحي أو من الملعب لأسأل عن حصتي المحفوظة من الوجبات المعتادة .الآن فقط اكتشـفت أن تلـك الأطبـاق اللذيـذة التـي كنـت أبـدع في التهامـها و النبش عنها في الأدراج والأركان ، لم تكن في البدء سـوى خضراوات نيئـة و مـاء و توابـل ، و أن البصل عندما يقـشر يرغـم العـين على ذرف الـدموع . عشية يوم مـمطر ضبطت عشيري و زميلي في المهنة و هو يخلط بين دموع البـصل و دموع الحنين و الألـم ، و بيـن زيت المائـدة و زيت البطارية .
مجلولة 6 :
أذكر جيدا ذلك الألم الذي كان يخلفه ارتطام العصا براحة اليد ، و أستحضر بصدق لحظتئذ مشاعر الخوف و الرهبة ، و تلك الرعشة الشاملة التي تحل بالبدن هنيهات قبل العقاب .
كما أذكر جيدا ذلك الاستصغار و إهانة النفس اللتان أرمق بهما ذاتي و يرمقني بها زملائي ساعة رجوعي لطاولة جلوسي باكيا ، مرتجفا ، غارقا في الحياء ... و أحيانا في البلل ... أعتقد أن شخصيتي غير المتزنة راهنا ، ما هي إلا نتاج لكثرة ما ارتطمت بها الأشياء الصـلبة الموجعة . و أجزم أن غياب توازن مستقر بين شعوري و لا شعوري إنما هو نتيجة حتمية للأرجحة المتشنجة التي كنت أرغم على تقمصها ساعة العقاب ...
شاءت الأقدار أن أكون تلميذا تعيسا لمدة عسيرة من الزمن امتدت لثلاث سنوات من القمع و من دراستي الابتدائية لدى الشهيرة " محجوبة ." فزاعة حياتي كما أسميها أو محجوبة

المحبوبة كما كانت تسمي نفسها ، أو محجوبة المجنونة كما كان يجيب تلامذتها كلما سئلوا عن اسمها . مخلفات تربيتها الفريدة لم تنمح من ذاكرتي قط ، و لم أوفق على مر مشوار حياتي الطويل أن أجعلها تبرح حركيتي الإرادية و حساسيتي الشعورية ، بل و كل أوجه تمظهر شخصيتي … حاليا و في سني المتقدم هذا تنتابني لحظات حزن و هلع مفاجئة ، فأسترسل في التداري و الاحتماء و الاستجداء … و مما ألفته و عهدته في نفسي و عهده أصدقائي بي أن يمد لي أحدهم كفه بغتة لمصافحته فأمد له كفي مفتوحتين و دونما شعور انتظارا لعقابي …






 
آخر تعديل نورالدين شكردة يوم 21-06-2009 في 02:20 PM.
رد مع اقتباس