عرض مشاركة واحدة
غير مقروء 28-08-2008, 10:20 PM   رقم المشاركة : 38
معلومات العضو
د.عبدالرحمن أقرع
أقلامي
 
الصورة الرمزية د.عبدالرحمن أقرع
 

 

 
إحصائية العضو







د.عبدالرحمن أقرع غير متصل


افتراضي مشاركة: كتبوا في وداع محمود درويش

[align=right]
[align=center]يابا....بدي أقلّك محمود درويش مات....
سهيل كيوان
[/align]

رغم أنني اشتركت في نشر الخبر يوم الجمعة الماضي في «كل العرب» بأن الشاعر محمود درويش في حالة حرجة ،إلا أنني كنت على يقين في عقلي الباطني وبقناعة راسخة أن هذا لا يعني أنه قد يموت.


مررت على خبر وجوده في حالة حرجة فقط كي ألاحظ إذا ما كانت هناك أخطاء إملائية في الخبر أم لا، لاحظت أن الهمزة أسقطت في كثير من المواضع لأن الزميل الذي طبع الخبر لا يحسن استخدام الحاسوب تماما، وافترضت أن القارئ سيتسامح مع أخطاء كهذه. كنت في عجلة من أمري وقررت ترك القارئ ليضع الهمزات بنفسه، لم أفكر حتى بخطورة الخبر،وبأنني أقرأ الخبر يوم الخميس مساء بينما درويش صار غائباً عن الوعي وأن دماغه الذي أبدع الروائع قد توقف منذ ساعات،استبعدت فكرة الموت عن درويش تماما، ليس روحيا فقط، بل لم أفكر في غيابه الجسدي، أن يمرض نعم، أن يتعب نعم ،أن يعاني، وأن يدخل في غيبوبة قد تمتد أياما وربما أسابيع نعم،ولكنني كنت على يقين أننا سنسمع خبرا عن عودة درويش الى رام الله، ثم سنتابع أخباره، وسيهمس لنا أحدهم إن درويش عند أهله في جديدة في الجليل، وسوف يفاجئنا بالمزيد من العوالم الشعرية الجديدة.


في اليوم التالي الجمعة تردد الخبر عن حالة محمود الصحية المتدهورة، ولكنني كنت على يقين أنه سيعود ليحكي هذه المرة بطريقة ساخرة ويقول لنا...لقد تفاوضت مع الموت وأقنعته بأن يمهلني مرة أخرى، قلت للموت...» ساعتي لم تأت بعد ، ولم يحن وقت الحصاد». عندما يحين الأجل سوف أدعوك بنفسي فلا تتعب نفسك، سأقول لك بدون زعل وحتى بدون حزن...تفضل أيها الموت أنا جاهز الآن،وشكرا لأنك أمهلتني كي أشم نرجسة جليلية أخرى!


يوم السبت اتصل بي زياد خداش من رام الله وقال لي ...درويش في وضع حرج..قلت له...نعم أعرف هذا..الله يشفيه، ورغم هذا لم أستوعب أنه قد يموت! استبعدت فكرة الموت تماما، لأن درويش اتفق مع الموت على التأجيل، ولأننا بانتظار أن يحكي عن مغامرته الجديدة! ومرة أخرى اتصل زياد وقال لي باكيا ...درويش مات ،وأغلق الخط، بقيت محدقا في شاشة الجزيرة التي ما لبثت أن بثت خبر وفاته!
وصلت رسائل على جهاز الهاتف تخبر وتعزي برحيله، وواصلت استلقائي على سريري محملقاً في التلفزيون، كان الخبر أكبر من استيعابه دفعة واحدة، لا أعرف ما هي مشاعري بالضبط في تلك اللحظة ، رأيت درويش في هيئة عملاق أعلى من ناطحة سحاب ،رأيته شبه عار ثم ينحني ويهوي مثل أحد برجي التوأمين، شعرت أن مرحلة فلسطينية قد أنتهت، شعرت بخيبة ومرارة،رأيت حلم هذا الشعب مترنحا وآيلا للسقوط، لم أفكر في الشاعر وشعره في تلك اللحظات،مرت في ذهني أرض كنعان،مروج الأقحوان (جرح الحبيب) التي يذكرها بكثافة في شعره ونصوصه، مر في ذهني نساء قرويات سائرات على قارعة الطريق على رؤوسهن أكياس من الخيش مليئة بالبقول من السهول المحيطة بالبروة يمشين باتجاه الشرق.


كنت أفكر بهذا ولم أنتبه بعد لدرويش الجسد الذي مات، رن هاتفي مرة أخرى...من هذا الذي سينقل لي الخبر مرة أخرى! كان هذا ابني سلام الذي لم يبلغ الرابعة عشرة بعد، الذي اعتاد أن يقول لي .. يابا تعال خذني من عند خالتي..أو... يابا تعال خذني من دار سيدي ...أو يابا تعال خذني من البِركة! هذه المرة قال لي...يابا بدي أقول لك إن محمود درويش مات...، لم أر ابني يقرأ درويش أو غيره، فهو للأسف لا يهتم بغير دروسه في أحسن الأحوال، ولكنه لسبب غامض رأى أن يهاتفني ويبلغني بهذا النبأ، كأنه قال لي إن درويش ليس الشعر فقط، إنه أعمق وأبعد من الشعر،إنه في طعامنا وشرابنا وأفراحنا وأتراحنا، إنه في حياتنا السياسية والإجتماعية والعاطفية، إنه ليس فقط لقرائه،ولا لمتذوقي الشعر، في كل واحد منا شيء من درويش...درويش هو نحن .. هو شعب فلسطين..درويش مات...ونحن في عز المحنة،الآن بدأت أستوعب ما حدث،الآن عرفت دموعي طريقها......
[/align]







 
رد مع اقتباس