ان لهذه الهزة التي تبادر أجسامهم وتأخذها معنى يجسّد في هؤلاء الطلبة نوعاً من الغباء المستسلم الذي يضيق به سامي مشاهدنا اليقظ ويسره أنه ليس داخلاً فيه وانما يكتفي بملاحظاته من الخارج. والطريف ، ان ذلك هو السبب في ان سامي أحب (رفيق) منذ البداية ، فقد أعجب فيه ، فيما يلوح ، أنه رآه (نائماً) في الصف ، أو – بمعنى آخر – متمرداً ، فبادله الابتسامة . ومنذ هذه النقطة نستطيع ان نميّز الصديقين المتمردين اللذين خلعا العمامة فيما بعد وأنطلقا في طريق الحرية والحياة.
لا ريب في ان سهيل قد أعتنى بشخصية سامي أكثر مما أعتنى بأي شخص آخر في روايته ، فكان هو الذي تركز حوله العمل القصصي كله. وأما الآخرون فقد شخصهم المؤلف بلمسات سريعة عابرة خلال نظرة سامي اليهم. ولذلك لا نحتاج إلى ان نخصهم بفصول خاصة في هذه الدراسة وانما سنكتفي بأستعراضهم استعراضاً عاجلاً .
أما (الأب) فقد أعطاه المؤلف ملامح تقليدية حاول ان يمثل بها جيلاً معيناً من الناس بمفاهيمهم الضيقة وتزمتهم وشكلياتهم.
ونحن نشعر انه قد بالغ في هذا التمثيل حتى أستحال الأب إلى (رمز) أو (نموذج) ولم يعد إنساناً يعيش . ان الملامح والصفات التي أعطاها سهيل للأب هي الملامح والصفات التي يقدّسها الجيل الذي يمثله أبو سامي . فهذا الأب يعتبر أولاده (ملكاً) له ، عليهم أن يعيشوا لمجرد ارضائه ولو كلفهم ذلك ان يخونوا ميولهم وعواطفهم وفطرتهم . كان دائماً ينظر إلى سامي بأعتباره (أبنه) لا بأعتباره فرداً مستقلاً . واخلاقية سامي ، من وجهة نظر أبيه ، تتناسب طردياً مع رضوخه لمشيئة هذا الأب. فاذا أخطأ الولد في أمر ما صاح به أبوه : (بئس الأبن أنت)(21) وهو حين يلومه على انحراف في سلوكه لا يكون ذلك على الأساس الخلقي الدارج وانما على أساس سامي (شيخ أبن شيخ)(22) . وأما عندما يحسن سامي ويريد أبوه أن يكافئه فهو يقول له: (أهلاً بالأبن البار)(23). ومن ذلك كله يبدو أن الأب لا يعتبر لسامي أعتباراً ولا مزية أبعد من أنه أبنه. ولذلك نستطيع أن نفهم سبب الجفاء والبرودة التي أصبح الغلام يحس بها نحو أبيه. أن هذه اللفتة في الأب واقعية جداً نحن نكاد نجدها في أغلب آباء هذا الجيل.
والأب مؤمن بالقدر ، وهو يوجّه هذه الفكرة توجيهاً نفعياً بحيث يؤثر بها على أسرته فيقول عن سامي : (لقد قدر الله عليه وكتب على جبينه أن يكون شيخاً مثل أبيه.)(24) وبهذا نراه يوجه القدر نفسه. وهو يوزّع رضى الله وسخطه بحسب مشيئته الشخصية أيضاً (25)، فما يسرّه يسر الله وما يسخطه يسخط الله . ولقد كان سامي ملاحظاً صامتاً ينتبه لذلك دون ان يعلّق عليه ولا ريب في ان أبا سامي لم يكن خير نموذج للأب المتدّين الذي يغرس في أولاده روح الدين.
ومن لمسات التشخيص التي أعطاها المؤلف للأب المتدين أنه كان يخطيء الحكم على أفراد أسرته ويظهر جهلاً بحقيقة دوافعهم وسلوكهم ، فيظن مثلاً أن فوزي هو الولد الصالح في الأسرة بينما يتهم سامي ويعده مضيعة للتربية والجهد. ونحن نعلم ان فوزي كان نماماً وغيوراً يحسد سامي ، ويسوق الحياة عابثة تشوبها علاقات مريبة بطبقة واطئة من النساء.
وليس أبو سامي تقليدياً في شخصيته وحسب وانما ينقصه الحب الحقيقي لأسرته. أننا لا نراه يختلج نحوها بأي شعور حقيقي ، حتى أنه حين رأى سامي وقد شج رأسه ورقد متألماً على السرير لم تبدر منه ولو نبضة حنان وانما راح (يحوقل) ويلقي عليه موعظة حول ما يجب ان تكون عليه أخلاق شيخ أبن شيخ مثل سامي. ونحن لا نرى منه مشاركة لأولاده قط ، حتى أنه لم يستطيع ان يحس الألم الذي كان سامي يعانيه بعد فراقه سميا ، فوقف منه موقف الواعظ . فبدلاً من أن يحاول التخفيف عنه بوسائل ايجابية من الحب والرعاية ، راح يبتعد عنه وينفر منه .. وقد يكون هذا الجمود من سهيل ، لأنه جعل الأب نموذجاً يرمز إلى جيل معين ، فلم يمنحه أية أبعاد إنسانية وحرمه حتى من الحنان الذي يتّصف به كل الآباء. غير ان الإنصاف يقتضي أن نعترف بأن هذه الصفة تظهر في كثير من آباء ذلك الجيل ، سواء أمازجها حنان يلطّفها أم لا .
ولعل أفظع مثال لقلة العاطفة لدى هذا الأب غير الحساس أنه رأى ولده سامي يبكي فغالط نفسه بأن تلك كانت قطرات مطر لا دموعاً. ولو كان أباً حنوناً لأرقه مجرّد الشك وحرمه الراحة حتى يتأكد. وكان أبسط ما عليه أن يسأل سامي ويلح عليه بالسؤال ، أكان يبكي أم ان كان بقية من دموع المطر على وجنتيه ؟
ان هذه النقطة خير مناسبة ننتقل عندها من الأب إلى الأم. ونحن نلاحظ انها حدست فوراً بأن ما على وجه ولدها كان دموعاً. وفي وسعنا نحن القراء ان نعدها كذلك أيضاً لأن قلب الأم يحسن الحدس ، خاصة وأننا نملك من تفاصيل شعور سامي نفسه ما يجعلنا نقطع بأن تلك كانت دموعاً وان المؤلف يقصد ان نعدها كذلك. أن الأم في رواية (الخندق الغميق) تتمتع بالبصيرة التي يعطيها أياها حبها لأولادها . فالأخلاص يملي عليها المسلك الصائب في الحالات كلها . وذلك هو عين السبب الذي جعل الأب مخطئاً وفاشلاً حتى في رؤية ما هو صارخ الوضوح كسلوك فوزي.
ولكن هذه الأم تحل مشاكل الأسرة بالكذب، فتقضي وقتها في تدبير وسائل لإخفاء الحقائق عن الأب . وهي لا تكتفي بأن تكذب هي نفسها وانما تشجّع أولادها على الكذب كما فعلت حين بذلت الجهد في اقناع الأب بأن يكتفي من سامي بوعد ولا يضطره إلى قسم. ان في ذلك تشجيعاً ظاهراً منها لسامي ان يستهين بوعده ويعد الوعود غير نافذة ما لم تؤكد بأقسام مغلظة. والسر في كذب الأم انها تخاف حدوث مشاهد وأصطدامات في الأسرة ، الا انها ، ككل أم تحاول تحاشي المشاكل بالكذب ، لا تستطيع أن تحمي الأسرة من مجابهة هذه المشاكل أخيراً. فلا بد لكل كذبة ان تنكشف أخيراً مهما حرصت.
ولم يكن غريباً ان تكون هذه الأم أكثر تقبّلاً للتطور من الأب. ذلك انها بما تملك من حب مفرط لأولادها ، تحاول ان تسعدهم بتفهّم آرائهم وموافقتهم عليها إلى أي حد ممكن. ان الحب يجعل هذه الأم مرنة ومطاوعة فتتطور . لتماشي أولادها حتى قالت لأبنتها هدى: (أني أفهم موقفك يا هدى. أن جيلكن غير جيلنا.)(26)
أن التستّر والكذب وعدم مجابهة الواقع مما أتصفت به الأم في رواية (الخندق الغميق) يعلل تماماً للنتائج الوخيمة التي أنتهت إليها الأسرة . ولعل أفظع هذه النتائج انها كانت أسرة لا يتبادل أفرادها الحب تمام التبادل. ولعلها أسرة مفككة. كان فوزي ، الولد الأكبر ، يقوم دائماً بدور النمّام الواشي ، ويساعده الصغير وسيم. وكان الأب أنانياً متسلطاً لا يثق بزوجته حتى أنه لم يكن يسلمها أي مبلغ من المال مهما صغر(27) وقد شهدنا كيف كان يسافر تلك السفرات المريبة إلى حلب، وإلى أي مدى كان يعد نفسه مسؤولاً عن أسرته وأولاده. ولا يقوم صفاء حقيقي في الأسرة الا بين سامي وهدى اللذين منحهما سامي الرقة والحنان والتعاطف الجميل. وتنتهي الأمور بموت الأب الذي لم يملك من المحبة والعطف ما يخفف عليه التطور الصاعق الذي سارت إليه الأمور في أسرته.
وأما فوزي فأن شخصيته ثانوية. وكان المؤلف يبرزه في اللحظة المناسبة لكي يقوم بدور (العذول) الذي يعكّر على الآخرين صفوهم وخاصة على سامي . أنه صورة للأخ الفاشل في الحياة ، الذي يغار من أخيه الأصغر ويحاول ان يعكّر عليه. ولكن فوزي يملك جوهراً طيباً ، فهو ما يكاد يرى نتائج تدخله حتى يرق ويسرع إلى سامي يواسيه ويحنو عليه . والحقيقة ان فوزي يمتلك كل صفات عذول غير سعيد يحاول ان يجد لنفسه منفذاً من الفشل والألم بأن يرغم الآخرين على أن ينتهوا مثله إلى بعض الفشل والألم. واذا كان سامي يملك الذكاء والشخصية المستقلة والإرادة الصلبة فان فوزي قد أخذ ضعف أبيه ، ولعله الولد الأكبر الذي دلل في طفولته وفشل في شبابه . وأنه لواضح ان حياة الليل التي يعيشها فوزي ليست الا مهرباً من فشله ومن قلة المحبة والأحترام التي يلقاها بين أهله . وخلاصة القول أن كل ظروف فوزي تؤهله لأن يكون عذولاً . ولو كانت أمه تفهم النفسيات . لرأت أن تمنحه بعض حبها وأعجابها فلا يستأثر سامي بهما جميعاً .
وأما سميا فهي شخصية عذبة فيها براءة وعفوية وجرأة ، ان لها طبيعة بريئة بسيطة لا تصنّع فيها . ولذلك تألقت بالنسبة إلى هدى التي تحب ، مثل أخيها سامي ، ان تسير وفق قواعد الأخلاق المثالية ، ولو إلى حد معيّن . ولكن سميا لا تفرض شخصيتها على ظروفها . وانما تبدو لنا صورة للفتاة العربية التي تبدأ شبابها أصيلة فيها حيوية البراءة وجرأة العفوية ، ثم تنتهي بالرضوخ لأهلها وأقتباس مفاهيمهم المصطنعة ومنها القناعة بأي شيء يعرض عليها. ذلك ان سميا اللطيفة سرعان ما تتزوج رجلاً لا يلائم ميولها ، تاركة سامي الذي تحبّه. وتجد نفسها ، بعد مرور سنين ، مندفعة مع عواطفها القديمة إلى لقاء سامي الذي ما زالت ترتاح إلى رؤيته. وقد كان واضحاً أن سميا أحبت أن تنشئ صلة بسامي وربما مستعدة لخيانة زوجها ، وإن لم تصرّح بذلك . وانما أوقفها ان سامي رفض ذلك منها وغادر المطعم ساخطاً.
وفي شخصية هدى بعض الثغرات . أن المؤلف لم يمنحها الأبعاد اللازمة التي تكفي لجعلها بطلة القسم الثاني من الرواية.
غير ان قصتها مع رفيق فيها حرارة العاطفة وبساطة الحياة ، وانما كان ينقص هدى شيء من عمق الفكر الذي يعوّض للقارئ عن تنحّي سامي عن دور البطولة.
ولا بد لنا من كلمة عن شخصية (سامية) التي وردت في الرواية ، وهي أخت سامي وهدى وفوزي(28). ان المؤلف لا يتحدث عن سامية هذه الا في النادر ، ونحن لا نرى لها أي أثر في الأحداث. وذلك يجعلها شخصاً (تأريخياً) ليس له واقع فني ..
ولعل سهيل يشير بها إلى أخت فعلية له يتذكّر وجودها في بعض أحداث هذه الرواية. وكان الأنسب أن يحذف أسمها ويفترض ان في الأسرة أربعة أخوة وحسب دونما تقيّد بالواقع الفعلي لحياته ، خاصة وان أحداث الرواية كاملة من دون سامية بحيث لا تحتاج إلى وجودها.
بيروت نازك الملائكة
· مجلة (الآداب) بيروت
ع 3 ، آذار 1960 م .
الهوامش ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
(21) ص 55 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(22) ص 19 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(23) ص 32 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(24) ص 20 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(25) اليس (رضى الله من رضى الوالدين) وأحاديث أخرى يا شاعرتنا الكبيرة (رحمك الله) ؟ (المعد)
(26) ص 176 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(27) ص 15 (هامش من وضع كاتبة الدراسة).
(28) ووسيم ، أصغر الأشقاء (المعد).
أنتهت طباعة كامل الدراسة أعلاه
صبيحة يوم الأربعاء الموافق 4 يونيو/ حزيران 2008
عذراً لكل هفوة أو خطأ وقعت فيه
فالكمال لله وحده
احترامي واعتزازي بالجميع
أخوكم وليد محمد الشبيبي