يبــــــــــــــــاب الأسودين
حين فتحنا صندوق باندورا صغارا...لم نكن نعلم بأن أكاذيب كثيرة سوف تُرافق انبهارنا الغض ...الذي ظلَّ كذلك إلى هذا الحين ...!
"نحن محكومون بالحنين " ...
بهكذا عبارة مدجَّجة ...ينتهي كتابُك الأخير يا صديقي،و إنني أتساءل اليوم ، و سط رُكام كبير من الأسئلة التي تتبطنُ الواعيَ فيَّ و اللاَّواعي، كاختزال للقوَّة الشاملة التي تنام فينا بانتظار الدينامو الحقيقي ، لا الواهي الذي سيُحرِّكُها أخيرا ، و يجعلها تخرج عن قمقم المسكوت عنه ...ذلك القمقم الزَّنخ الذي غرسته فينا سياسات الباطريارك الذليل الذي ولَّد فينا أجيالا و أجيالا من الخنوع و القوادة لسلطان المدينة ، صاحب الأحصنة المخصية، و حاشيته من التُّجار و المهرّْبين و العسكر و دكاترة الإيلام و الأنبياء المزيفين ..و الشعراء البلداء و الكتَّـــاب المُكَرَّرين و لصوص الأسواق البالية و كلاب الزبـــالة التي خانها الحظ و المومسات المربوطات دائما إلى خيط رفيع من نوستالجيا الوفاء......! أتساءل عن مكانتي وسط سوق هذه الخرق البالية ؟
"نحن محكومون بالحنين " ...
نحنُ يا صديقي سارق النار لا نختِلِفُ كثيرا في حنينا الجارف إلى الصدق و الكلمة الشُجاعة و عبير الحرية ،عن تلك المومس التي تستجدي نوستالجيا الوفاء بالعودة أخيرا، بعد أن أحكمت سياسة العُهر إغلاق بابها علينا و منعتنا من الخروج عنها.... إلا بالكلمة المُجازِفة....!
فمن هو العاهر يا تُرى ؟هل هي السياسة أم المومس،أم من يستجدي السياسة عن طريق نوستالجيا مثالية ، لم يعد لها مكانا وسط وجود الإنسان المادي بامتياز ؟
إن الشُعراء و الكُتاب الذين يقتاتون من ثمار السياسة التي يربُضً على بطنها المنتفخ ،حاكمٌ أكثر انتفاخا، ويحلُمُــون لاُمَّتهم بحياة كريمة -
لم تجئ أبدا- من مصدر دنيئ لا تعرفُ الإنسانية مكانا فيه ، لهم من السذاجة و البلاهة إلى درجة لا تستطيعُ الكلمات إنعاتها و لا الفيضانات غسلها...إنهم هم ، لُبُّ العُهر في هذا الوطن العربي الكليم...! فلتندثر إذن تلك الأحكام الخاطئة التي تجعلُ من الأبيض أسودا و من الأسود أبيضا ، ولتندثر معها ،تلك السذاجة التي تُفرق بين الألوان و تعتبر الأبيض سيد الطبيعة البشرية ، و الأسود شيطانُها...و ككل مساءلة بيني و بين ذاتي ، سوف اُذكِرُ نفسي بمدى عظمة تلك الخسارة الكبرى التي تضربُ الإنسان كل يوم ، نتيجة للأحكام الجاهزة التي تنخرُ رؤيتنا للأشياء و قيمتها فينا و مكانتها الحقيقية التي من الممكن أن تكون عليها ،لو أننا استطعنا ، فقط بقليل من الذكاء ، تغيير أحكامنا عليها ،و افتَــــرَضنا -
مُجرَّد افتراض فقط ..!- بانَّ الأسود ليس أسودا ، و بأن الأبيض ليس أبيضا ، و بأن الطبيعة قد تحتوي على ما هو أكبر من هذين اللَّونين المتناحرين و الذين شكلا منذ عقود غائرة في البُعد، خراب الإنسان الدائم من جهة و سعادته السريعة الإستهلاك من جهة ثانية ؟
ماذا لو نام الذئب في سريري ، و سار الأسدُ في الشارع ،و تكلَّمتُ إلى الحاكم دون وجل و أكلتُ ما اشتهيتُ و قلتُ ما أردتُ ...ماذا لو أغلقتُ أبواب المدينة نهارا في وجه الشَّمس ، و أشرعتُها لعيون الليل الكحلي التي لا تنام و صادقت المومس ثم تزوَّجتُها برضى من اُمي و أحببنا أبناء السَّليقة و أطلقنا العنان المُطلق للغناء و الحياة الخالصة و حرَّرنا
أبولو و ليباكوس عند مطلع كل فجر... لكي يبتدئ ميلاد الكون... جديدا في كل صباح ... ؟
"نحن محكومون بالحنين " ...
و لكننا محكومون أكثر... بالحنين الذي عليه أن يجئ ، وليس بالحنين الذي كان ....و الذي لا شيئ فيه يستفزُّ الذاكرة ..!.