منتديات مجلة أقلام - عرض مشاركة واحدة - قاهرة الجدران الإسمنتية (رواية) ـ تقديم
عرض مشاركة واحدة
قديم 12-01-2006, 05:21 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
محمد غالمي
أقلامي
 
إحصائية العضو







محمد غالمي غير متصل


افتراضي قاهرة الجدران الإسمنتية (رواية) ـ تقديم

مقدمة الطبعة الأولى بقلم الكاتب:



لم تكن المرأة في سائر الأزمنة الظلامية، وفي طوق شرائع وأعراف رجولية جانحة، سوى كائن مكبل بمنطق الأنانية والاستعلاء، وعبد قاصر خاضع لأحلام سيده، وتحت رحمة أهوائه واستهاماته. إذ هي مجرد تحف تؤثث الأنحاء، أو فصوص ورد تعبق في الأجواء إلى أن يعتريها الذبول ويلاحقها الأفول، كما أمست مفرغا لترسبات انتفضت في جموح بعد اختمار. كذلك كان حال المرأة وقدرها المقدور عبر الأزمنة وعلى مر العصور، وسواء عليها داخل الأبراج العاجية أو تحت المضارب ذات العمد الذهبية، أو في مراتع الرعاع و محافل السوقة والغوغاء. على هذه الشاكلة الرتيبة والصورة النمطية الممجوجة، ترسخت في الضمائر السقيمة، والنفوس الواهية العليلة، حتى جردت من شخصيتها وانطمست هويتها، بل انسلخت عن آدميتها السوية، فاختير لها من الألقاب المشؤومة ما ينم عن أحقاد دفينة، ويشي بعنصرية بغيضة رائدها العتو والاستكبار، من قبيل: حواء الغاوية والمذنبة الماكرة، والجنية الساحرة، ربيبة الشيطان وخليلته وخادمته في السر والعلن. ولا مناص من أن تغدو لدى العتاة المارقين مأدبة من المآدب الشهريارية الطافحة بدماء البراءة.

واقع مرير دام قرونا، وانهالت فيه معاول القمع والتسلط تنكل بالعواطف وتحبط المشاعر، وتجهض العقول كلما دبت فيها الحياة، أو تهيأت لاستقبال الحياة. وكل ذلك يحدث باسم الأخلاق وتحت غطاء الفضيلة. كانت المرأة على الدوام رافضة هذا الواقع إلى أن سنحت لها الفرصة، فسارعت إلى رفضه جهرا، وثارت على من كرسه، ونقمت على من عمل على تصهيرها و تشكيلها وفق أهوائه الشاذة ورغباته الحمقاء الطائشة.. وكأن المصهر الممعن في التشكيل يعمه في عوالم الصم البكم التي أصبح فيها نداء الشرائع السماوية خارج دائرة الغاب.

واستيقظت "حواء الغاوية" بعد لأي، إذ منحتها الأصوات الداخلية والخارجية دعما قويا أجج في نفسها الإصرار، وشحذ في كيانها العزيمة والتأهب لفداء الثأر. لبت النداء العلوي، وانسلت من قبوها المعتم تتلمس سبيل النور الذي ظل حكرا على الأسياد في مملكة الأسياد. حتى إذا اندمجت في غماره، واستوفت نصيبها من عصارته، حملت المشاعل وامتشقت المعاول، فانطلقت غير هيابة تطارد فلول الظلام حيثما يرخي سدوله، وتمكنت من تطهير العقول والأبدان من فحمته، وتحرير العواطف والأعراض من سطوته ورهبته. وكان حريا أن تجذبني مثل هذه الصور البطولية الدافقة بتلويناتها الأنثوية النادرة. وانجذبت بكل تلقائية كما انجذب سواي من الأدباء والمبدعين، ممن سكنهم عشق السباحة في بحور السرد والرواية، فراحوا يبحثون في سعي حثيث عن ملهماتهم، ليخلدوا بنات أخيلتهم وزبدة عقولهم. والتمسوها في أجل النساء شأنا وأكثرهن باعا وجاها، وأقواهن دهاء ونباهة. عثروا على ضالتهم في كليوباترا الفرعونية، التي ظلت في ضمائر الصفوة ساحرة النيل. وآخرون ألفوا بغيتهم في شهرزاد الحكيمة في عالم زمانها النسائي، والتي كانت بلسما لجراح الضغينة والانتقام، وخلاصا للصبايا من آلة الموت المحقق. وما أكثر الملهمات اللائي وقع في أسرهن أساطين الفكر والإبداع في مشارق الأرض ومغاربها! أجل، انجذبت كما غيري، وما كنت أدري أن منبع إلهامي الذي سوى "قاهرة الجدران الإسمنتية" يركن في خضم مجتمع غريب الأطوار، وعلى أهمية من التعقيد..

إني لمدين لمن ألهمتني من نبعها السيال ما زود معامل خيالي ومخابره بمواد خام، مستقاة من مناجم سيرتها المشرقة "هذه قصتي"..

مدين للسيدة التي ظلت تؤمن بأن الحب طاقة خلاقة تمنح الإنسان القدرة على تنظيم حياته، والاستمتاع بها إذا أحسن استثمارها..

مدين لمن تستهجن الحب حين ينقلب قوة شيطانية مدمرة تحيل الحياة جحيما..

مدين لمن كرست زمانها وحياتها ناكرة ذاتها، لتظل إلى جانب من حكم عليهم بالغربة في وطنهم.. إلى جانب من استحال الوطن في وجوههم منفى واستحق، في نظرها، أن يتبوأ سدة المهزلة في زمان المهازل..

مدين لمن ظلت لفارس ذرعا واقيا تكسرت عليه ألاعيب السفلة وأساليبهم الحربائية البغيضة..

مدين لمن ظلت أغوار نفسها تشع تفاؤلا وأملا إلى آخر لحظة، على الرغم من قصف الرعود ودوي الرياح الهوج..

مدين لصوت تفنن عن دربة ومراس، في إخراس ألسنة رموز الشر، ودحر زبانية الطابور الحربائي عديم اللون..

مدين لمن هدت معاولها قلاع الخزي ودكت جدران الأباطرة الأشرار..

مدين لمن جرفت فؤوسها دروب العار واستجابت لنداء نزار..

مدين لسيدة القفص الذهبي الأولى التي عرفت كيف تدبر شأن التركيبة الفسيفسائية المعقدة في سائر الجزيرة الأم..

مدين لمن ارتضيت لها من التسامي غزال. .

مدين أنا وممتن للسيدة: ه. ر. ك

وحسبي هذه الذرر نبراسا يغمر بضيائه الوهاج سائر أحياز"قاهرة الجدران اللامتناهية.."



قصبة تادلة في 02 مايو 2005

محمد غلمي






 
رد مع اقتباس