السماء تمطر وأنا قابعةٌ قرب النافذة أرقَبُ بخار الماء المتكاثف بأناقةٍ فوق الزجاج
أحركُ أصابعي ببطءٍ وأعكرُ صفو الزجاج !
كانت أمي تقول وقبلها جدَّتي أنَّ الفتاة كالبلّور !
كم أكن أعي ما ترمي إليه جلَّ ما كان يهمني هو أن أخرج الى الساحة خلفَ بيتنا
كي ألهو مع الولاد
وغالبا" ما كان يأتي أبي لأعادتي الى المنزل قائلا" :
كل ألعاب الفتيات لديك , لِمَ اللعب في الخارج وتلطيخ ثيابك بالغبار ؟؟!
فأجيب بجملتي الدائمة: لا أملكُ أُخوهْ..
بعد سنتين أتى أخي وتبدَّلت معهُ الأمور
أصبحتُ في الصفت الثالث الابتدائي, وما زلتُ غير قادرةٍ على فهم عبارة البِّلور تلك !
جاءَ الأول الاعدادي شعرتُ أن جسدي بدأ بالنمو فأخذتُ أخفيه بخجلٍ مفضوح
وأمي ترقَبني بسعادةٍ مزعجةْ.
لم أغيّر عاداتي , فقد كنتٌ الأولى بين شلّةِ (الحارة) بلعب الدَّحل
يوم الخميس كان المفضل لدَّي , أخرج خالية الوفاض مع أخي الصغير وأعودُ محمَّلة"
بكيس مملوءٍ بغنيمتي من الكرات الملونة..
فتيات (الحارة) كن يضحكنَّ دوما" عليَّ ..!
فقد ألحيّتُ على والدي كي يقصَّ لي شعري مثله, فشعري الطويل كان يشعرني بالسأم..
وبالفعل أصبحت أطولُ غصلةٍ تصلُ حدود شحمةِ أُذني .
في المدرسة كنتُ الأولى بكُرَةِ القَدم
نادتني يوما" المديرة , كانت ترقبني من نافذتها وأنا ألعبُ كرة القدم مع الفتيات
وقفتُ أمامها بوجهٍ متعرق وكنزة فضفاضة تسعُ اثنين معي
-ألستِ فلانة ابنةُ فلان ؟؟
أجبتها وأنا أحكُّ أنفي بيدي اليسمنى واليسرى خلف ظهري
-نعم!
صمتت قليلا" وهي تتمعن بملابسي ووقفتي
- أنت متفوقة , لم أحسبْ أن تكون هذه هيئتك,يجبُ أن تكوني أكثر نعومة
انظر للطالبات هنا !,وضعك مقلق
انصرفتُ وأنا أفكر في كلامها الغريب , ثم ذهبتُ الى صنبور الماء وشربت.
جاء الصيف , وأصَّرتْ أمي أن أتعلم العزف.
تحطمت آمالي في دوري كرة القدم (بحارتنا)
في يومٍ حار من أيام دمشق ,أوصلتني حافلةُ النادي الموسيقي الى المنزل كالعادة
ولكني على غير العادة , كنت أعاني ألما" غريبا" في بطني .
قبّلتُ أمي التي قالت لي :
-هيا بدّلي ملابسك سنذهبُ عند خالتك.
دخلتُ غرفتي , وبعد لحظات حضرت أمي على صوت صراخي ,كنت أبكي بذهول
ضمتني أمي بعمق قائلة" : لقد أصبحت صَبيَّة" يا حبيبتي ..
ماذا كنتُ قبلَ هذا اليوم ؟؟ صبيا".
لم أسامح أمي لأنها لم تهيئني للموضوع ..لم أخرج من المنزل لثلاث أيام متواصلة
وفي مساء اليوم الثالث دخل والدي غرفتي وأغلقَ الباب بهدوء
-ما بكِ يا صغيرتي ؟
-أصبحتُ صَبيَّةْ!
- أعلم , أخبرتني أمك ولكن لِمَ هذه العزلة ؟
-لأني لا أريدُ أن أصبح صَبيَّة .
أمسك يدي برفق
-أنا فخورٌ بكِ لأنك فتاة
-حقا" !!
-حقا",ثم أنني أسعدُ أبٍ لدَّي فتاةٌ رائعة تجيدُ الدحل وكرة القدم , وفوق هذا تشبهني
- هل أستطيعُ أن ألعب معهم ؟؟
-كما تريدين يا صغيرتي
ارتميتُ بين ذراعيه وبدأتُ النحيب
في بداية الثاني الإعدادي كان شعري قد طال قليلا" ,وجسدي تغّير كثيرا" .
لم أعرف كيف سأخبئه,بدأتُ أسمعُ كلمات غزل عابرة , لم أعد ألعبُ (بالحارة)
أخذ الوقتُ ينفذ بتعلم العزف على السكسافون بدل البيانو الذي لم أطقهُ
كبرتْ , أصبحتُ في المرحلة الثانوية
شرعتُ بارتداء ملابس ضيقة والخروج مع صديقاتي ,ضعفت نبرةُ صوتي الصبيانية
بدأتُ أطيلُ النظرَ للمرآة , حتى أصدقاءُ طفولتي تبدّلت نظرتهم لي .
أخذتِ أفهم معنى الأنوثة جيدا" , وكيف اذا كانت طاغية حدَّ الدَّهشة مثلي !
أمي كانت تحتفي بوجودي قربها أثناء زيارات الجارات والصديقات
يعجبها وقعُ عبارات الاعجاب والمديح والتسبيح , عندما تنهالُ عليّْ.
وأنا أحتمي دوما" بذاكرتي الطُّفوليةْ
بدأتُ أحبُّ البلور !
{جميلةٌ الأنثى التي تشبه البلور ولا تنكسر ..}
كان أبي يقولها لي كثيرا" دونما سبب.
أحبُّ ذاكرتي جدا"
ورغمَ كلِ المحاولات كي أحافظ على كينونتي كفتاة, إلا أنني كنتُ أرتكبُ دوما"
حماقات الصِبيَّة .
وللحديث بقية....