بدأ أبو أحمد رحلته . . لم يستغرب الصعوبات والمعوقات التي ستواجهه . . لكن ما استغربه أن الصعوبات أتت مبكرة جدا . . فالممر الآمن بين الضفة الغريبة وقطاع غزة مغلق تماما . . لذا أصبحت مغادرته إلى غزة حلما صعب التحقيق . . حتى لو تحقق حلمه هذا وجاء إلى غزة . . من سيضمن أن معبر رفح الحدودي سيفتح له ذراعيه ليذهب إلى مصر ويبدأ رحلته من هناك بالطائرة . .
لقد تغير مسار الرحلة تماما . . وعليه أن يبدأ من الشرق . . لكن كيف ؟! . . كيف سيجد الوسيلة المناسبة ليذهب إلى الأردن ؟ . . فلا داعي أن يستنتج أن طريق الجسر بين الضفة الغربية والأردن مغلقة . . كيف سيذهب إلى هناك إذا ؟ . . حسنا . . سيقنع بعض رجال المقاومة أنه يريد تنفيذ عملية استشهادية في عمق الكيان الصهيوني . . على الأقل سيجد الوسيلة المناسبة ليذهب هناك . . ولقد كان . . وصل إلى البحر الميت أخيرا . . والهضاب الأردنية تبدو غير بعيدة عنه . . طبعا الطريق الرسمية ستزج به في السجون الأردنية أعواما كثيرة إن لم يكن مدى الحياة . . فعليه أن يجد طريق آخر غير شرعيا . . ماذا يفعل ؟! . . الآن عليه أن يطلق فراسته الفذة ليبحث عن أي عربي في المنطقة . . ها هو ذا . . رجل من عرب إسرائيل ويمتلك قاربا صغيرا . . لم تخب فراسته أبدا . . وكان عليه أن يدفع . . وبسخاء . . على الأقل لتبدو الفكرة مقنعة للرجل العربي . . تماما كما فعل فيليس فوغ . . دفع بسخاء . .
انتظر أبو أحمد الليل بفارغ الصبر ليعبر البحر الميت تحت جنح الظلام . . لقد وصل أخيرا الحدود الأردنية . . وفي زمن يعتبره قياسيا . . البارحة كان في رام الله وهو الآن في الأردن . . لكن عليه أن يتدبر شؤونه وحده . . لا تبدو الأردن غريبة عليه مع أنها زيارته الأولى لها . . الأماكن مألوفة . . والوجوه مألوفة أكثر . . وكان التنقل فيها سهل أيضا . .
لكن حكم عليه دخوله الغير شرعي للأراضي الأردنية . . ألا يستقل الطائرات أبدا . . لقد أضاع وسيلة مهمة وسريعة . . لا بأس . . سيدور حول الوطن العربي قبل انتهاء الثمانين يوم بكثير . . وسيتغلب على فيليس فوغ . . لذا عليه التوجه للشمال الفلسطيني ليعبر الحدود إلى لبنان . . وعليه أن يبحث مجددا عن أناس مهنتهم التهريب . . تهريب البضائع والأفراد . . ولقد وجد . . لا لشيء . . لكن لأنه يدفع بسخاء كانت رحلته إلى الشمال الفلسطيني تمر بسلام وأمان . . لولا شيء واحد . . أن قبضت عليه القوات الإسرائيلية هناك . . وليت الأمر يصل حد هذا . . لقد قبضت عليه وبصحبته حزام ناسف . . الغبي . .لقد نسي التصرف بالحزام طوال هذه الرحلة . . وقد أعلنت بعض الفصائل أن هذا ابنها . . واستقالا وزيري الداخلية والدفاع الأردنيين لتقصيرهما الشديد . . وانقلبت الدنيا رأسا على عقب . . كل هذا بسبب أبو أحمد .
والعجيب العجيب . . أن مقاومة الجنوب اللبنانية قبلت التفاوض على الطيار الإسرائيلي المختطف لديها مقابل تسليم السلطات الإسرائيلية أبو احمد لها . . ولم تتوانى السلطات الإسرائيلية في قبول هذه المساومة . . فهي صفقة مربحة جدا لها . . تماما كإحساس المقاومة اللبنانية أنها كسبت رجلا شجاعا وصنديدا . .
تألق نجم أبو أحمد عاليا . . وأصبح نجم الفضائيات العربية بأكملها . . وازداد نجمه تألقا عندما غافل المقاومة اللبنانية وهرب للحدود السورية . . لم تجد السلطات السورية بدا من السماح لأبو أحمد من دخول أراضيها مقابل شرطان فقط . . أولا : توقيعه على وثيقة يعترف فيها أنه ضد الإرهاب . . ثانيا : اعترافه أنه من المناصرين لحزب البعث الإشتراكي .
لم يتوانى أبو أحمد في القبول بهذين الشرطين . . المهم رحلته . . يجب ان تمر بسلام . . لقد مرت سبعة أيام منذ بدء الرحلة . . ولن يفقد ثانية إضافية واحدة . . ولقد كسب أبو احمد شرعية دخوله الأراضي السورية . . وأصبح تنقله فيها سهلا للغاية .
لم يضيع المزيد من الوقت . . أسرع التوجه إلى الحدود السورية العراقية . . وكانت الفاجعة . . لا توجد وسيلة واحدة لدخول الأراضي العراقية . . لا يوجد غير مجموعة من المتطوعين العرب للقتال ضد القوات الأمريكية في العراق ستمر بعد وقت غير قليل من هنا . . وعليه أن يختار . . ولم يكن أبو أحمد من يتردد في اختياره . . فكل همه نجاح رحلته وبأي وسيلة كانت . . لذا عليه أن يقبل أن يعتبر نفسه من المقاومين العرب ضد الأمريكان . . وعليه أيضا ألا يستاء كثيرا عندما قبضت عليه القوات الأمريكية وزجت به في سجونها في العراق .
خبا نجم أبو أحمد الذي كان في يوم من الأيام متلألئ في السماء العربية . . ولقد ظل كذلك قرابة العام انقطعت أخباره في بلدته ومدينته والوطن العربي بأكمله .
لقد فشلت رحلته فشلا ذريعا . . واعتبر من ذلك الحين في عداد المفقودين . . لولا شئ واحد حدث في نهاية هذا العام .
حدث تناقلته القنوات والإذاعات والصحف العربية والعالمية . . لقد هرب أبو أحمد من السجن . . هرب بعدما حفر نفقا مع بعض رفاقه .
لقد هرب أبو أحمد . . ترك خلفه الأموال والأوراق والخرائط وهرب . . لكن العجيب في الأمر أنه قرر الاستمرار برحلته للدوران حول الدول العربية . . حتى بعد انقضاء الأربعمائة يوم على بدء رحلته المشئومة .
توجه إلى الحدود العراقية الكويتية . . لم يكن صعبا أبدا الدخول إلى الأراضي الكويتية . . لسبب واحد بسيط . . لقد أقنع أبو أحمد السلطات الكويتية بأن لديه معلومات عن الأسرى الكويتيين داخل العراق . . ومنذ اللحظة . . أصبح أبو أحمد محط اهتمام الحكومة الكويتية وكبار المسئولين فيها . . ووفرت له كل سبل الراحة للإقامة في أراضيها . . مقابل الإدلاء بما يعلم .
حين قدوم الموعد المرتقب للإدلاء بشهادته . . لم يكن أبو أحمد موجودا في الأراضي الكويتية كلها . . لقد كان يستقل قاربا في عرض الخليج العربي متجها إلى الأراضي البحرينية .
يتبع . . .