أشكرك أستاذ خالد على طرح هذا الموضوع الحيوي في هذا الوقت الذي تتعرض فيه الفصحى لهجمة شرسة من اللهجات العامية واللغات الأجنبية . واسمح لي ان أطرح وجهة نظري في النقاط التالية :
أولا : لا مجال للموازنة بين الفصحى والعامية . فالفصحى خيار وهوية ، والعامية نتيجة لجهل الأمة بلغتها ، وبعدها عن التعبير القرآني . وهذا التشوه هو أحد تجليات انحرافها التدريجي الذي بدأ منذ القدم في كل المجالات حتى وصلنا إلى الواقع المزري الذي نتخبط فيه ، على كل الأصعدة الفكرية والعلمية واللغوية وغيرها . ولا يقارن بين الشكل الأصلي والشكل المشوه لشيء أيا كان . كما أنه لا يوازن بين عرض لمرض وبين وضع صحي ، ليبحث أيهما أصلح للجسد . وما العامية إلا عرض لمرض بعد الأمة عن مقومات عزتها ومنعتها في مختلف المجالات .
ثانيا : بما أن اللغة العربية جزء مهم وأساسي من هوية الأمة العربية والمسلمة - باعتبارها لغة العرب قوميا وعتبارها لغة القرآن الكريم إسلاميا - فقد كان ومازال حلما لأعداء هذه الأمة المتربصين بها أن تضرب . فهي عامل جمع قومي وديني ينتظم العرب والمسلمين ، كما أنها وسيلة رئيسة لفهم القرآن الكريم والسنة النبوية . ومتى ضرب عامل الجمع للأمة ورابطها بجذورها ، سهُل قتلُها وإنهاؤها على أعدائها .
ولنا ان نتسائل هنا ، من هم دعاة العامية في هذا العصر ؟
وإذا كنا نشك في صحة دعوة أو فكرة ، فعلينا أن ننظر إلى دعاتها من جهة وإلى معاديها من جهة أخرى . فمن هم دعاتها ومن هم معادوها ؟
نحن جميعا نعرف ان هذه الدعوة بدأت على يد المستعمرين بدءً بالقاضي ولمور ثم وليم ولكوكس وبعض أذنابهم كسلامة موسى وإسكندر معلوف وغيرهم .
أما من ناصبها العداء فهم كل المخلصين من مفكري الأمة وشعرائها وكتابها وعلمائها وشيوخها ومصلحيها .
ورحم الله الرافعي :
(وما ذلت لغةُ شعبٍ إلا ذل ، ولا انحطت إلا كان أمره في ذهاب وإدبار ؛ ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضا على الأمة المستعمَرة ويركبهم بها ، ويشعرهم عظمته فيها ، ويستلحقهم من ناحيته ، فعليهم أحكام ثلاثة في عمل واحد ، أما الأول فحبس لغتهم في لغته سجنا مؤبدا ، وأما الثاني فالحكم على ماضيهم بالقتل محوا ونسيانا ، وأما الثالث فتقييد مستقبلهم في الأغلال التي يصنعها ، فأمرهم لأمره تبع ) .
وما تشجيع الأجنبي للعامية إلا أنه وجدها خطوة أولى نحو سلخ الأمة عن لغتها وإلزامها بلغته .
ثالثا: لا تستطيع العامية ، ولا تستطيع لغات الارض جميعا حيها وبائدها أن تصل بتعبيرها واحتوائها للأفكار كما تفعل اللغة العربية . أقول هذا بناءً على أن تاريخ النبوات لم يشهد معجزة لغوية عبر تاريخه إلا مرة واحدة . كانت هناك معجزات مختلفة تناسب المجالات التي برعت فيها أمم مختلفة ، إلا أن المعجزة الوحيدة اللغوية هي القرآن . ولو علم الله أن هناك لغة أكثر إحاطة وتكثيفا وعمقا وقوة وفصاحة منها ، لاختارها ان تكون وعاءً لإعجازه اللغوي الفريد .
ورحم الله شاعر النيل :
وسعت كتاب الله لفظا وغاية
وما ضقت عن آي به وعظاتِ
وما كان للغة أن تسع كتاب الله ، إلا اللغة العربية .
والقارئ للترجمات الاجنبية للقرآن يرى مدى تفاهتها إذا قورنت بالقرآن وهو يتدفق بالعربية كأنه خمر ..
إلا أنه يهدي .
رابعا : أما ما يتعلق باللغة الثالثة فالمستخدم لها لا يخرج عن كونه أحد اثنين :
إما عالم يبسط لغته حتى يفهمها العوام . ونجد تحت هذا البند علماء أفذاذاً تضلعوا باللغة العربية كالشعراوي وعلي الطنطاوي . ولا شك أن هذا من باب تبسيط لغة الخطاب مع تمكن في اللغة العربية. واستخدام هذه اللغة ( الثالثة ) لا يكون عندهم إلا في نطاق ضيق ، وهو نطاق الحديث التلفزيوني إلى الجماهير ، ولم يستخدموها في كل إنتاجهم . فالقارئ لكتابات الشعراوي والطنطاوي يجد لغة من النسق الأعلى أبعد ما تكون عن ما تسمى باللغة الثالثة ، أما تبسيطهم للغتهم فقد كانت بسبب الغاية الآنفة الذكر . وبذا تكون اللغة الثالثة لغة من الدرجة الثانية يستخدمها العارف بلغة العرب لتبسيط أفكاره للعوام .
وأما الصنف الثاني من المتحدثين بها فهو جاهل يتذرع بها هربا من انكشاف عجمة لسانه . ولنا أن نتجول بين القنوات الفضائية لنرى إلى أي مدى بلغت بهؤلاء الجرأة الوقحة على لغة القرآن باسم اللغة الثالثة . وللدكتور نسيم الخوري كتاب رائع طبعه مركز دراسات الوحدة العربية بعنوان ( الإعلام العربي وانهيار السلطات اللغوية ) يبين كيف جُنيَ على اللغة العربية متخذا من لبنان نموذجا ومتهما العاميات واللغات الثالثة والرابعة (و إلى ما شاء الله) عند الإعلاميين ؛ كما بحث غيرها وغيرها من المواضيع الحيوية .
ولي عودة بإذن الله لبقية المحاور ..
تحياتي .