معلومات
العضو |
|
|
إحصائية
العضو |
|
|
|
مشاركة: خواطر في العيد..العيد بهجة وفرح ومواعيد. دعوة مفتوحة لخواطركم في العيد.
أنا .. وكفا .. والعيد
ليلة العيد .. والبرد قارس , والمطر ينقر بلطف على نافذتي الشاعرة
وشاعرتنا الرقيقة ( كفا ) معي على الياهو ريحانة تنشر العبق والبِشر وتغرس روح الأمل
تسألني العزيزة :
ماتحضيراتك للعيد ؟ فأجيب : لم أفعل شيئاً , فقد اكتفينا بحلويات السوق ولم أصنع معمول العيد كعادتي
مع باقي الأصناف الجاهزة
أيضاً لم أشترِ ثياباً جديدة , ولم أصفّف شعري كعادتي أيضاً ليلة كل عيد منذ نعومة أظافري
تسألني كفا : لماذا مروة ؟
ـ لا أدري كفا لا أرى شيئاً يستحقّ أن أجلس في صالون الحلاقة لعدّة ساعات , فقط لأكون الأجمل وقد لا أكون .
ـ حتى ولو لم يكن مايستحقّ عزيزتي فمروة تستحقّ أن تفرح بالعيد
رنّت كلماتها في أذنيّ , قلت في نفسي : ولمَ لا ؟
أعذريني عزيزتي سأخرج الآن .. عيداً سعيداً لك ولأسرتك الكريمة
عيداً سعيدا مروة .. في أمان الله
أسرعت إلى السوق مع طفولتي الهاربة , انتقيت بعض الملابس وشريطة براقة جداً لشعري
في طفولتي كانت أمي الحبيبة تضفره وهو مايزال رطباً لأحصل صباح العيد على تموجاتٍ جميلة
كانت صباحا تسرّحه وتعقد لي شرائطي الملونة .. كنزي الذي مازلت أحتفظ به حتى الآن
كم كنت أضجر وأتذمر عندما تشده أكثر قليلا مما ينبغي
مرّة عاقبتني وكنت في الثامنة من عمري , قالت لي : لن أسرّح شعرك , ستذهبين دون تسريحة
اسودّت الدنيا في عيني بينما تراءت في ذهني شعور بنات الجيران والأقارب
ولولا أن أشفق عليّ أبي الحبيب وسرّح شعري بشكلٍ رائع متقن , لحبست نفسي في البيت
لم أكن لأسامح نفسي إن بدت بنت بشعرٍ أطول أو أجمل أو بثيابٍ أكثر أناقة
عندما كبرت قليلاً بدأت أستعمل المواد الكيماويّة , وفي مرحلة لاحقة صرت أذهب إلى صالون الحلاقة
والنتيجة واحدة , في العيد يجب أن أكون مختلفة لأكون أكثر فرحاً وإشراقاً
في مرحلة لاحقة أخرى , وعندما هربت السعادة من قمصاني الوردية وشرائطي الملونة أدركت أن الخارج ليس المَكمن .
صحوت صباحاً على تكبيرات العيد
الله أكبر الله أكبر ولله الحمد
لك الحمد ربي على نعمك وعلى هذه الحال وعلى كلّ حال ..
أمسكت بشعري المبلّل بينما سَرَت أصابع أمي مع قطرات الماء المتساقطة , ضفرتْ شعري
وفي الصّباح حصلت على تلك التموجات الجميلة , عقدتُ شريطتي البرّاقة
عدت إلى تلك الأيام الجميلة عندما كان العمر أخضر والأماني تسابق الفراشات
العمر مايزال على شيءٍ من الإخضرار لكنها الفراشات هجرتني مع الأماني
ماذا لو اقتفيت أثر تلك الفراشات هذا الصّباح
قرّرت أمراً
سأقوم بغامرة
تركت لزوجي العزيز رسالة أشرح فيها مغامرتي فلم يكن قد عاد من زيارة أهله الراقدين هناك في انتظارنا يوماً .. رحمهم الله .
لم أنس ذلك المفتاح الحديديّ الكبير
وقفت أمام الباب الحديديّ الذي أكله الصّدأ , أين باب بيت جدي الخشبيّ المزركش ببعض القطع النحاسية المثلثة والدائرية ؟!!
الله .. يابيت جدي كم حننت إليك وكم حننت إليه
اجتزت ذلك الباب القاسي , فوجدت الباب القديم , مددت يدي التي لم تعد صغيرة وأدرت المفتاح
انفتح الباب بيسر وسهولة هذه المرّة .. وانبلجت الأنوار
كان جدي يلبس ( فروته ) السوداء المخرّجة , ناداني .. تعالي ياقطتي ألا تشعرين بالبرد ؟
ـ نعم ياجدي , مروة تشعر بالبرد , لكم شعرت به بعيداً عن (فروتك) أو كما كنت أسميها عندما كنت قطّتك ( خروفك المسكين) .. ضمني جدي فأودعت على صدره حنين ألف عام .
مشيت إلى حوض الياسمين الدائريّ هززته فتساقطت بعض الياسمينات التي بقيت عصيّة على رياح كانون وبرده
انحنيت ولممتُها , ثمّ توجّهتُ إلى الحوض المستطيل حيث تتّكئ داليةٌ عتيقة وتتسلق على جدار باحة الجلوس الصيفيّة , وحولها أصص الزنبق والتمر حنة والمنثور والفلّ والنرجس والمليسة , والمفضّل عند جدتي وعندي (المغمّى ) وهو زهرٌ ناعمٌ ورديّ اللون يميل قليلاً إلى البنفسجيّ الفاتح كالذي أكتب به هنا ينام ليلاً ويتفتّح في الصباح , له سيقانٌ رفيعة بطول 15 إلى 25 سنتم طعمها حامضيٌّ لطيفٌ محبّب , أوراقه مروحيّة الشكل تتألف من ثلاثة فصوصٍ مزدوجة فوق سيقانٍ كالتي للأزهار
رنّ صوت جدتي عالياً : ( مروااااااا .. يقرف عمرك مابآى تشبعي تحميض بالمغمّى , هَبيتيه هَبِيْ ياعفريتة )
رددت عليها كما قلت مرة في تلك الأيام الحلوة الفريدة , ( ياستي .. أنا ماباكل المغمى , هي سعاد بنت الجيران بتاكلو , أنا بس بحفر قبر مشان لعبتي نورا إذا صارت تحكي كتير وتصيح فيني بدي أقبرها )
ـ ( يبعتلك الخفي والطفي تعالي كلي أتلة ياأم نص لسان ) .
ذات يومٍ ماتت نورا بل قُتلت ودفنتها في مقبرة العصافير تحت الياسمينة .
هممت بدخول الغرفة المفضّلة لدي , غرفة جدتي الحبيبة التي لم يسدّ مكانها أحد , تلك الغرفة شهدت ولادتي و9 سنوات من حياتي , لم يكن مسموحاً لأمي أن تأخذني للنوم في غرفتها خشية أن تخنقني وهي نائمة , ترى لو كان ذلك , هل سيتغيّر العالم كثيراً ؟!! لاأعتقد أنه سيتغيّر كثيراً , لكن ربما سيكون أقلّ شِعراً وشَعراً ..
وكيف ستسمح الجدة بذلك ألست الأولى لابنتها الوحيدة !! رباه .. كيف تتغيّر الدنيا .. لقد أتيت إلى الدنيا عيداً , ترى كيف سأذهب عندما يحين الوقت .
أردت أن أدفع الباب , لولا صوت امرأة تنادي ..( مروة .. مروة .. صار 10 مرات بناديكي ليش مابتردي )
انتبهت إليها بينما نظري معلّق على ذاك الباب الحديديّ الكئيب .
ـ سعاد .. كيف حالك ؟ بعد زمان والله !!
ـ مشتاقة , لكن مابك ؟ وماالذي جاء بك الآن والبيت مهجورٌ من سنوات , والله عرفتك قبل أن أنتبه إلى قامتك من الخلف , قلت لابد أن تكون هذه فتاة العيد , هل تذكرين .. يا الله كم مضى من الوقت وكم تغيرنا
دعتني إلى بيت أهلها لكنني كنت باكية ودموعي تذرف بغزارة , ولم أشأ الدخول هكذا وقفنا معاً بكينا وتذكرنا الغوالي رحمهم الله وسألتها عن أولادها وتمنيت لها عيداً سعيداً ومضيت .
هذه الدموع المدرارة أشعر أنها طهّرتْ روحي من شوائبها المتراكمة من سنوات .
عدت إلى بيتي , لم أجد أحداً .. مزّقت تلك الورقة التي تركتها لزوجي , ولم أتكلم حتى الآن عن تلك الزيارة التي ردّت إليّ شيئاً من الروح ضائعاً من زمن .تذكرت قول عزيزتي كفا ..
(تستحقّ مروة أن تفرح في العيد)
ابتسمت من كلّ قلبي , وبعد قليلٍ عاد زوجي ليرى ابتسامتي مع تلك الشريطة البراقة التي أوحت لي ما فعلت .
خرجنا لزيارة الأهل والأقارب مهنئين بعيد الأضحى المبارك .
أيّتها الأقلام الجميلة , حتى السّاعة , لم أخبر أحداً , فليكن هذا سرّنا الصّغير حتى صباح اليوم .
شكرا غاليتي ( كفا ) فقد منحتِني بقولك أفقاً قادني إلى ابتسامةٍ حقيقيّة مدّت جذورها في أعماق الرّوح , ونعمة الدموع التي تُطهّر النفس من شوائب هذا العصر / الضجيج .
ولتعذروني إن بدت شخصيّة للغاية , أوَليست ذكرياتنا من التراث الإنسانيّ أيضاً ؟
مروة
|