ـ نستأنفُ حوارنا مع الأخ الكريم نايف ذوابة الذي يتساءل:
ما محفزات الإبداع لدى شاعرنا إبراهيم سعد الدين وهل للحظة الإبداع طقوس ومراسيم؟
بالتأكيد هناكَ مُحَفّزاتٌ تُلامسُ الحِسَّ وتستثير الوجدان والمُخَيّلة فيفيضُ عطاءُ الشّاعر وتتولَّد القصيدة. لكنني أعتقدُ أن الأصول النفسية لعمليّة الإبداع الفنّي والأدبي أكثر غموضاً وتعقيداً من أن يُدركها الشاعر إدراكاً معرفيّاً ويُسَمِّيها باسمها كمثيراتٍ أو مُنَبِّهاتٍ أو مُحَفِّزاتٍ للإبداع. الدكتور مصطفى سويف ـ على سبيل المثال ـ له كتابٌ بعنوان "الأصول النفسية للإبداع الفَنِّي" وهو مُؤلَّفٌ على قَدرٍ كبير من الأهميّة من حيث فرضياته ومقولاته النظريّة، لكنني أعتقدُ أنه جانبه الصَّواب حين أضافَ جزءاً تطبيقيّاً للكتاب حاول فيه استقصاء لحظاتِ الإلهام والوحي عند مجموعةٍ من الشعراء من خلالِ شهاداتهم الحَيَّة، لأنَّ لكُلِّ شاعرٍ أو قاصّ أو فنّان مُنبّهاته الحِسِّيّة ولحظاته المُلهمة والأجواء النفسية المُهَيِّأة للإبداع، وهكذا فإنَّ شهادات عَيِّنةٍ من الشعراء ـ مهما كثر عددهم أو بلغَتْ درجة الصِّدق في شهاداتهم ـ لا يمكن تعميمها أو حتى استقراء نتائجَها بشكلٍ علميّ موثوقٍ به. فما زِلتُ على يقينٍ بأنَّ عملية الإبداع أكثر تشابكاً وعمقاً وتعقيداً مما نتصوّر، وما يزال الطريقُ طويلاً أمام العِلْم ليكتشف ديناميّة هذه العملية وخصائصها ومحفّزاتها.. و.. وكل ما يحيط بها من ظروفٍ وملابساتْ.
أعودُ إلى سؤالكِ ـ أخي الكريم ـ لأقول إن لحظاتِ ميلاد القصة أو القصيدة عندي تداهمني من حيث لا أحتسب، قد يكون ذلك في لحظة الصَّحو أو لحظة الخلود للنومِ أو أثناء سيري بالشارعِ أو خلال ساعاتِ السَّفرِ أو القراءة أو مشاهدة التلفاز.. حيث ينبثقُ هاجسٌ أو تتردّدُ أصداءُ بيتٍ أو فقرةٍ أو جملةٍ ما.. تأخذ في التشكل والنُّموّ حتى تكتمل القصيدة، وقد يستغرق ذلك بضع ساعاتٍ أو بضْعة أيامٍ أو شهورْ، وأحياناً يتطلّبُ الأمرُ سنواتْ. وقد تظلُّ القصيدة جنيناً في رحمِ الغيبِ لا يخرج إلى الوجودِ أبداً. كثيرٌ من القصائد راود مُخَيِّلتي وما يزال ـ حتَّى الآن ـ مشروعَ قصيدةٍ غير مُكتمل، وربما يطويه النّسيان ولا يُقَدَّرُ له أن يولدَ أبداً.
لكنني ربما جاز لي أن أقول ـ من واقع التجربة ـ إن حالات العُزلة والوحدة والقراءة والتدخين وساعات السفر الطويل ـ بالقطار على وجه الخصوص ـ هي من أكثر ما ييسّر ميلاد القصيدة وأحياناً القصة أو حتى المقال، ربّما لأنّ الذِّهن يكون أكثرَ صفاءً وتركيزاً ومقدرةً على التأمّلِ والاستبطان والخلق، ويكون الخيالُ أكثرَ قابلية للاستثارة وأوفرَ طاقةً وتحرّراً ومقدرةً على التحليقْ.
أمّا طقوسُ الكتابة وشعائرُها فليسَ لي أية طقوسٍ أو مراسم للكتابة سوى الاستغراق الكامل والتوحّد مع هذه اللحظة لأنها تكون أشبه بطائرٍ نَزِق إذا فَرَّ من المُخَيِّلة عَزَّ اصطياده ثانيةً.
من أكثر ما أعجبني في هذا السِّياقْ ما كتبه شاعرنا الكبير الراحل صلاح عبد الصَّبور في كتابه المُهِمّ "حياتي في الشِّعر" إذ يُقاربُ ـ في لماحيةٍ فَذَّة ـ بين حالة الإبداعِ الشِّعري وسكراتِ الوَجْدِ عند المُتَصَوِّفة. ولنا عودةٌ إلى ما كتبه صلاح عبد الصبور في كتابه، فهو جديرٌ بالاطّلاعِ حقّاً.
لقاؤنا متجدّدٌ وحوارنا موصولٌ ـ بإذن الله ـ مع الأخ الكريم نايف ذوابة.