أدب المقاومة.. يفرض نفسه في ثقافة السلام
حوار: د. زينب العسال:
............................
د. العراقي: أعمالنا أقل قيمة من إبداعات الغرب
ريان: يرفع الروح المعنوية
رحيم: ثلاثية نجيب محفوظ مثل جيد
إذا كان الشعار الذي رفعته المؤسسات الثقافية المصرية هذا العام هو ثقافة السلام فإن ثقافة المقاومة في ظل التطورات الراهنة تفرض نفسها فعلاً مساوياً للدفاع عن التاريخ والتراث والهوية.. في الأدب العالمي نماذج مهمة من أدب المقاومة ومن الشخصيات التي تعّبر عن المقاومة ضد قوي الشر وفي أدبنا العربي نماذج لا تقل أهمية تطالعنا في الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية التي عبرت في نضالها عن مفهوم المقاومة عبر فترات الغزو التي استهدفت الأرض والشخصية الوطنية.
ومع اتجاه ثقافتنا إلي السلام باعتباره خياراً استراتيجياً فإن السؤال الذي يطرح نفسه في ضوء التطورات القومية الراهنة هو: هل عبرت الإبداعات العربية الحديثة عن أدب المقاومة؟القاريء في الأدب المصري والعربي المعاصر والحديث يستطيع والقول للدكتور عاطف العراقي أن يجد هذا الأدب إهمالاً كبيراً في ما يسمي بأدب المقاومة وأسرف في مجالات عادية لانستطيع منذ نكسة 1967 وانتصار أكتوبر 1973 أن نجد أعمالاً شامخة تذكرني بروائع الأدب الغربي لكننا لانجد وإذا قيل ان بعض هذه الروايات قد تم إخراجها في افلام سينمائية فإننا إذا حللنا هذه الأعمال علي أي نحو لايمكن أن نجد نوعاً من الأنواع الأدبية نسميه أدب المقاومة أو التحدي أو الصمود ورغم أن وسائل الإعلام تتحدث عن كل التفصيلات والقصص والروايات الواقعية التي تبين بالتفصيل جوانب الانتصار في بعض المعارك العربية الحربية الحديثة وايضا عوامل الهزيمة رغم ذلك كله فإنه لم يستغل حتي الآن في عمل أدبي شامخ يستحق تسمية أدب المقاومة. أدب المقاومة هو الذي يدفع ويحرض ويجعل الحياة في نظر صاحبها بلا قيمة ما لم يبذلها المرء دفاعاً عن الوطن. عن الأرض والعرض والشرف والهوية والكينونة.
الجمال والحرية
ويري الروائي أمين ريان أن اشتراك الفنان في المقاومة ضرورة عندما لا تصبح القيمة هي الجمال وإنما الحرية. الأدب في حد ذاته وفي حالة الفن عبارة عن مقاومة لأنه يدعم جهاز المناعة في الإنسان ذلك الجهاز القابل للتهاوي والاضمحلال وسواء كان الأدب يعني برفع الروح المعنوية أو انه أدب ترفيه يستهدف المرح والسرور فهو أدب مقاومة. عندما صدرت روايتي "حافة الليل" اتهمها النقاد بأنها تأملات داخل الجدران لا علاقة لها بالمجتمع حينها كتبت عن مشاركة الفنان خارج الجدران عن الحراك الاجتماعي الذي كان محوره حريق القاهرة وادي إلي ثورة يوليو كان النضال مشتركاً بين الفنانين..
ويري المستشار كمال رحيم أن المقاومة عمل عظيم. أعظم ما يؤديه الإنسان هو أن يقاوم الظلم. ان يدافع عن شيء عظيم لو رصدت صور المقاومة ستجد أن ثلاثية نجيب محفوظ سجلت المقاومة أيام الاحتلال البريطاني وثمة صور من المقاومة لم تأخذ للأسف حقها وهي صور لحرب الاستنزاف. كنت وقتها ضابطاً بالشرطة وشاهدت صوراً عظيمة للمقاومة اتمني ان يأتي اليوم الذي أكتب فيه عنها. أما عن مقاومة العدوان الصهيوني فمن المهم أن نشير إلي المقاومة الرائعة التي بذلها عسكريون ومدنيون عرب. هناك نماذج رائعة ضحت بنفسها من أجل تحرير أرض الوطن زمن احتلالها من جانب اليهود لكن لا يوجد علي سبيل المثال صور من المقاومة في لبنان منذ عام 1982 إلي هذا اليوم لا نجد صدي لمقاومة حماس أو حزب الله في الكتابات الأدبية لدينا.. المقاومة الفسلطينية سجلتها اقلام الأدباء الفلسطينيين والمقاومة المصرية عبر التاريخ سجلتها إبداعات الأدباء المصريين والقضية العربية الواحدة تفرض اهتماماً مشتركاً وتعبيراً فنياً يتعدد بتعدد المبدعين في امتداد الوطن العربي. إنها المقاومة العربية دفاعاً عن التاريخ العربي والحاضر العربي ويستشرف آفاق المستقبل العربي.
ويقول كاتب أدب الرحلات حسين قدري: أتصور أن الأدب لا يستطيع أن يكتب عن معركة أو حرب دائرة الآن بالفعل لكنه يكتب عنها بعد انتهائها وبفترة طويلة لأنه إذا كتب عنها وقت حدوثها لا يكون أدباً وإنما صحافة وأخبار ومقالات وتحليلات وانحياز إلي طرف من اطراف هذه الحرب.. الأدب كقصة ورواية ومسرحية لا يكون إلا من نظرة إلي ماض فات عليه عدد من السنين حتي تكون الحرب قد انتهت ودخانها قد انقشع وظهر منها المكاسب والخسائر والكاسب والخاسر. لكن أدب المقاومة يختلف عن ذلك إنه أدب تحريضي يدفع إلي النضال وإلي التضحية دفاعاً عن الوطن فهو بذلك يختلف عن أدب الحرب الذي يسترجع ويتأمل ويناقش ما جري ثم يحاول التعبير. أدب المقاومة تعبير عن اللحظة والآنية واستشراف للمستقبل الذي يجب أن يكون.
أما د. السيد نجم الذي يكاد يقصّر كتاباته النقدية علي أدب المقاومة فهو يذهب إلي أن العمل الأدبي المقاوم يعمل في اتجاهين اتجاه في تعضيد الذات الجمعية والاتجاه الثاني في مواجهة الآخر المعتدي في حالة الاعتداء علي بلد ما. في حالة تعضيد الذات الجمعية يتم إنماء مشاعر الانتماء والولاء وتأصيل القيم الأساسية بحيث تؤهل الأفراد والجماعة لمواجهة الآخر في لحظات الخطر. المفهوم الخاطيء عن المقاومة وعن دور الأدب بالتحديد في المقاومة. أنه لا يفعل شيئا في مواجهة الاعتداءات وفي اثناء فترات الحروب والحقيقة أن الأدب يبدأ دوره قبل قيام المعارك بحيث تتأهل الجماعة بالقيم والقواعد العامة في مواجهة لحظات الخطر في البلاد.. مع ذلك ففي لحظات الخطر يتفاوت دور أجناس الأدب في مواجهة الاعتداء ولايمكن أن ننسي دور أولاد الأرض اثناء فترة ما بعد حرب 67 أو 73 كما أن للأغنية والمقطوعة الموسيقية والمسرحية دورها المباشر في تعبئة الأفراد وثمة أجناس أدبية تعمل علي رصد التجربة الحربية وتبقي في ذاكرة التاريخ بعد المعارك في فترة تطول وتقصر مثل القصة القصيرة والرواية وربما الأفلام السينمائية وفي كل الأحوال يبقي للكلمة المبدعة دورها المقاوم في لحظات الخطر قبل وبعد المعارك.
ثقافة السلام
.................................
عن صحيفة "المساء" ـ في 12/8/2006م.