الموضوع
:
مختارات من قصصي
عرض مشاركة واحدة
05-12-2007, 02:08 AM
رقم المشاركة :
35
معلومات
العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
إحصائية العضو
مشاركة: مختارات من قصصي
(5)
صعد عارف إلى التلال، مر بموقع من جنود العدو، تتمركز فيه كتيبة من حرس الحدود.. تناول الشاي وتحدث مع الكابتن شلومو قليلاً وانصرف ... كانت خمس نساء ينتظرن عارف في مكان وضعهن فيه.. .ثلاث منهن من قرية (أبو ديس) وواحدة من (الطور) والأخرى من (العيزرية) وجميعهن يرغبن في الالتحاق بأزواجهن الذين يعملون في عمان والكويت والسعودية.. باستثناء فتاة ديسية عذراء أرسلها أهلها إلى خطيبها الذي يعمل في الخليج.. وكانت إحدى النساء الديسيات، تصحب طفلها الذي لم يتجاوز العام بينما العيزراوية تصحب طفلة تقارب الأربعة أعوام، وأما الطورية فكانت تصحب طفلين، أحدهما في الثانية من عمره والآخر يقارب الخامسة... أما الديسية الأخرى فكانت عاقراً...سار عارف والنساء من خلفه، يحملن صررهن وأطفالهن، إلى أن بلغ وردة.. وقال لهن أن يأخذن قسطاً من الراحة قبل أن تغرب الشمس، إذ يتحتم عليهن أن يسرن حتى بلوغ النهر.
أسبلت الفتاة العذراء جفنيها، بينما استلقت المرأة الطورية وتنهدت من قلب مفجوع وهي تضم طفليها.. عرّى عارف في مخيلته النساء الخمس والفتاة وأخذ يقلبهن بطناً وظهراً..
*********
.جنحت الشمس إلى الغرب،فأخذت الظلال تغمر الوادي .. أفاقت طيور الحجل من قيلولتها فانتشرت بين الصخور.. وفّرت أسراب الحمام من السدود وأخذت تحلق في السماء وتحطّ على المروج .
قال عارف: انهضن يا بنات..
نهضت النساء. نفضن التراب عن أثوابهن وأخذن يطعمن الأطفال.
. قالت وردة:
كم يبعد النهر من هنا؟
قال عارف:
اذا شددتن الهمة سنصل خلال ثلاث ساعات .
ونهض واقفاً.. حملت النساء صُررهن وأطفالهن وانطلقن خلف عارف بقوى واهنة ومئات الأفكار القلقة والهواجس تطرق مخيلاتهن..
**********
<ما أوحش الجبال في الليلل ! والله إني لا أعرف لماذا هذا التعب والشقاء والتهريب ودفع النقود.. فلو قطعنا النهر في النهار أمام أعين اليهود ماذا سيفعلون بنا؟ ماذا يريدون غير أن نرحل عن بلادنا ونتركها لهم؟..>
.ونظرت المرأة الطورية حولها علّ إحدى النساء تجيبها..
قالت العيزراوية:
- يا وليّة ألم تسمعي عن البنت العذراء التي اغتصبها حرس الحدود بعدما قتلوا شقيقها وتركوها ملقاة على جانب الوادي إلى أن ماتت وهي تنزف؟
وقالت الديسية العاقر:
- ألم تسمعن عن العائلة التي سلبوها نقودها؟
وأخذت كل واحدة تردد ما سمعته من قصص عن الناس الذين ينزحون أمام أعين جنود العدو. ولم تتفوه وردة بشيء إذ كانت منهكة والطفل يلتصق بصدرها منكمشاً كالقط، وعيناه تتلصصان فيما حوله وقد انهك ذراعيها..وحسدت المرأة الديسية التي كانت تضع طفلها في الحذل الذي يتدلى على ظهرها. وتحمل صرة الملابس بيديها، لكنها تراجعت عن ذلك بعد أن جزمت أن طفلها كبير ولا يستقر في الحذل إلا إذا نام.
كان طفل المرأة الطورية الكبير، يدرج إلى جانب أمه، بينما تضم شقيقه الصغير إلى حضنها، أما طفلة المرأة العيزراوية فكانت تدرج هي الأخرى، وتتعثر بين الفينة والأخرى وتقول لأمها:
-أين بابا يا ماما؟
تقول لها الأم إنه ينتظرهم على حافة النهر!وتكثر أسئلة الطفلة وتتكرر: متى نصل النهر؟ لماذا نسير في الليل؟ أين سننام؟ إذا صادفنا اليهود فهل يذبحونا؟ تعبنا لو نستريح، أو تحمليني؟ عدا عشرات الأسئلة التي تدور حول اليهود والنساء اللواتي معها... فتحملها الأم وتطلب منها أن تسكت فتسكت! !
تعبت وردة وهي تنقل الطفل من كتف إلى كتف ومن يد إلى يد وتمنت لو أن عارف يدعهن يسترحن بعض الوقت، ونظرت إلى السماء فشاهدت القمر يطل من بين صخرتين عاليتين.
********
عرج عارف جانباً وأخذ يسير مع سفح جبل ..التفت إلى النساء قائلاً:
- عندما نطل على السهل سنرتاح..
وفر سرب من طيور الحجل من أمامه فأحدث اصطفاق أجنحته صوتاً مرعباً.. التصق الأطفال بأمهاتهم ، وقف شعر رأس عارف واستنجدت الطورية بيسوع المسيح.. أخذوا يصعدون مع السفح باتجاه الشرق، فانجلت لهم بعض التلال، وتمنت وردة أن يقرب الله من نهاية هذا الصعود إذ خارت قواها وباتت تشعر أن الطفل سيسقط من يديها.
ما أن أشرف عارف على التلال المنبسطة حتى أشار إلى النساء أن يلتقطن أنفاسهن ، إذ ستبدأ المرحلة النهائية كما قال.تنفست النساء الصعداء واستلقين إلى جانب أطفالهن الذين هدّهم النعاس.. أجسام منهكة، عطشى إلى الراحة، لكن من أين يا حسرة؟ يا ليت هذا الدليل يدعهن يأخذن غفوة، غفوة صغيرة يسترددن أنفاسهن خلالها.
*********
< خمس نساء وفتاة عذراء،وأنت والليل والسماء والأرض، ولا تستطيع أن تفعل شيئاً.. تبا لك،جبان، جبان، سيقتلك الظمأ ولن ترويه مدى حياتك.. قال لك شلومو ماذا لديك اليوم؟ فقلت له خمس نساء وفتاة عذراء . قال لك هذا صيد دسم! ! فرفضت حرصاً على تجارتك وسمعة العائلة بينما صورة الفتاة العذراء التي ماتت من استمرار النزيف بعد أن قتل شقيقها واغتصبتماها وبعض الجنود تمثل في مخيلتك.. والآن ماذا ستفعل؟ ! ! اقترب من هذه العذراء ..أنظر كيف تضطجع على جنبها، إنها ممتلئة .. تمدد خلفها، حاول أن تتحرش بها، أملس بيدك على فخذها.. جبان لا تستطيع أن تفعل ذلك.. إذن عريهن في مخيلتك وضاجعهن في آن واحد أيها الجبان، دعهن يستلقين على بطونهن تحت ضوء القمر.. هكذا..يا سلام..، إنها ليست المرة الأولى التي تعرّى فيها النساء على ضوء القمر، أنظر إلى سحر الأجساد المستلقية أمامك.. بمن تبدأ؟ بالعذراء؟ والأخريات؟ فيما بعد، ليكن ! ما أجملك أيها القمر! ! وما أجمل الأجساد عندما تتعرى على نورك! >
تهرب الصور من مخيلته،يعود إلى وعيه.. لا يشعر بأنه أروى عطشه.. ينظر إلى النساء، يشعر بشبق كبير في داخله يدفعه إلى الحقد على النساء، ويندم لأنه لم يوافق شلومو على اغتصابهن .. تنتابه موجة من الغضب..يحتضن رأسه بيديه ويصرخ بالنساء:انهضن !
تنهض النساء وقد اعتراهن الذعر، ويصرخ الأطفال..
ينحدر عارف مع تلال منبسطة ..تحمل النساء أطفالهن وصررهن وينطلقن في اثره وهن يتساءلن في سريرتهن عن السبب الذي جعله يصرخ بهذا الشكل.. غير أن أيا منهن لم تكشف السبب في ذلك، وإن كانت وردة قد فكرت بأن لذلك علاقة بما حدث لها مع عارف قبل أن تحضر النساء..
تلال صغيرة وشعاب، ثم أرض منبسطة، السير هنا أفضل من صعود الجبال.. القمر أخذ يجنح إلى الغرب، قال عارف أنهن لن يعبرن النهر إلا بعد أن يغيب القمر.
محمود شاهين
مشاهدة ملفه الشخصي
زيارة موقع محمود شاهين المفضل
البحث عن المشاركات التي كتبها محمود شاهين