الموضوع
:
مختارات من قصصي
عرض مشاركة واحدة
01-12-2007, 04:00 AM
رقم المشاركة :
33
معلومات
العضو
محمود شاهين
عضوية مجمدة
إحصائية العضو
مشاركة: مختارات من قصصي
(2)
تمر الأيام قاسية مريرة ولا يُسمع أي خبر عن محمد، وتظهر تجارة تهريب الناس إلى الضفة الشرقية.. كان الدليل يأخذ خمسة دنانير على الفرد في البداية ، ومع مرور الأيام، ارتفع السعر إلى عشرة، ثم خمسة عشر وأخيرا ً إلى ثلاثين .. من أين لعائشة العلان هذا المبلغ لتدفعه إلى مهرّب يصحب زوجة ابنها وطفلها إلى الضفة الشرقية؟
ينطلق لحن النزوح كئيباً مبكياً من ناي محمد عودة.. فتحمله الريح.. تتكسر ألحانه عبر التلال فيبلغ مسامع عائشة العلان .. تمر صور عشرات المآسي في مخيلتها ثم تستقر عند صورة (محمد) فتأخذ بالغناء والبكاء وهي تنسج على النول، فتختلط أغاني السفر بأغاني الغياب وأغاني المساجين بأغاني الندب:
يا ريتكم تروحوا وأعيد حنايا تروحوا سالمين وأعيد أنا منايايا
يا ريتكم تروحوا وأعيد ملبوسي تروحوا سالمين تايقوى ناموسي
ونتو غايبيــن محرمـــة الغيّــة لما تروحـــــوا يا نور عينيّــه
ونتو غايبين محـــرم اللبــس لما تروحـــوا وتلفوا عالقـــدس
ونتوا غايبين محرم الملبوس لما تروحوا وتطلعوا من لحبوس
************
بعيدين عني وأنا في العين ما ريهم وأنا اشتاق قلبي تني أحاكيهم
طارت الطيارة والهوا يوحـــي تيجوا بالسلامة يا بعـــد روحـي
***********
يتسرب صوت عائشة العلان إلى مختلف البيوت... تذرف النساء الدموع ووردة تنتحب بصمت كعادتها وتحضن طفلها وتضمه إلى صدرها.. تنهض وتجلس صامتة بالقرب من عمتها ثم تأتي الحاجة ذوابا وتنضم إليهما... لقد بعثها غناء عايشة العلان .. تنهض وردة لتجلسها مكانها:
- ابق جالسة يا بنتي، الله يجمعك بزوجك بالسلامة.
- الله يسلمك يا أمي.
تجلس الحاجة ذوابا إلى جوار ابنتها:
- كيف حالك يا عايشة؟
- الله يسلمك يا حجة
- يا وليّة إلى متى الندب والنعي، الغائب علمه معه، إن شاء الله ما يصير إلا الخير، لماذا تعمي عينيك من البكاء؟
- أنا عارفة يا حجة، الله يرضى عنّه ويحن إليه ويسهل الصعاب في وجهه، لو إنه طمأنني بكلمتين عن حاله، ولو امرأته وابنه عنده، والله يا حجة لخفّت مصيبتي.. يا بني من يغسل له ملابسه، من يطبخ له، يا ترى كيف عيشته؟ جوعان، عريان، حي،ميت؟! الله أعلم...
- الموت لاعدائه.. طوّلي بالك، الله مع الصابرين.
-إلى متى نصبر يا حجة؟ حرمنا من أولادنا وأهلنا، وتشتتنا وتفرقنا، وانهدّ حيلنا وحملنا، قلت له لما جاء آخر مرة قبل الحرب بثلاثة أشهر، يا بني خذ زوجتك وابنك معك، قال لي ريثما استأجر بيتاً مقبولاً يا أمي، ليرضى الله عنه ويحن اليه، كانت يده مجروحة من الأزميل..
.وانحنت عائشة على حجر مصقول كان محمد قد صقله بأزميله وشاقوشه لتستعمله أمه، فكانت تعمل منه مقعداً تارة، وتارة تضع عليه كؤوس الشاي والابريق.
انحنت عليه وأخذت تقبله وهي تقول لتسلم اليد التي دقّته.
فكرت الحاجة ذوابا قليلاً وهي تحدق في وجه ابنتها ويبدو أنها وصلت إلى نتيجة ، فقد نظرت إلى عايشة العلان:
- عايشة؟
- نعم يا حجة. .- معي عشر ليرات وسأجعل محمد الله يسلّمه يجلب عنزة إلى السوق ويبيعها ، وحاولي أن تحصّلي باقي المبلغ، لنرسل البنت والولد إلى عنده ، حتى إذا طال الاحتلال كل واحد يكون عند أهله.
ارتسمت علامات العرفان على وجه عايشة العلان.- الله يكثر خيركم يا حجة، لكن لماذا هي الحياة إذا طالت أيام الاحتلال وظل أولادنا بعيدين ونحن هنا، الله يرضى عنّه، أنا قلت سيأتي ولن يظل هناك، وليحدث ما يحدث.
- أتريدين من الشباب أن يأتوا ليذبحوا ذبح الغنم يا عايشة، انسيتي ما عمل اليهود في الثمانية وأربعين؟ لماذا نزح الناس؟ خوفاً من المذابح،وإلا ما كانوا نزحوا.
ووجمعت عايشة العلان قليلاً وتوقفت عن النسيج.
- ومن المهرّب الذي سنرسلها معه؟
- سنرسلها مع عارف العلي، منذ الحرب وهو يشتغل في التهريب، لقد أرسل وأحضر الكثير من الناس..
ألم تجدي غيره يا حجة، أنسيت الأعمال التي عملها عمه فينا، أيام الانكليز، صفيحة الماء كان يبيعنا أياها بخمسة قروش؟
- ماذا سنفعل يا عايشة، مع من سنرسلها إذن؟
- ما أعرف، الله يعيننا على الذين كانوا السبب! !
(3)
<اتكلي عليّ يا حجة، والله إنني سأضعها في عينيّ حتى أقطّعها نهرالشريعة... هل انقطعت الدنيا، باطل، مازال فيها خير يا حجة! ! !>
- كم تريد يا عارف؟
- والله يا حجة اسمعي لأقول لك
- قول يا بني؟
- صلي على النبي !
- عليك ألف صلاة يا نبي..
- والله فقط من أجلك يا حجة، ومن أجل عايشة العلان!!
- الله يسلمك يا بني ، كم يلزمك؟
- أنا أقبض خمسين دينار على النفر، إنما لكنّ أقدّم عيني، ويكفي ثلاثين للبنت وعشرة للولد، أربعين دينار .. والله هالمبلغ لا أقبله من أحد غيركن أبداً؟
أخرجت عايشة العلان ثلاثين دينارا من صرّتها وقالت :
.- والله وحياة ابني الذي لا يوجد أعز منه في الدنيا، إننا لم نقدر أن نجمع هذا المبلغ إلا بطلوع الروح، ماذا أقول لك، باع أهل الحجة ذوابا عنزة بعشر ليرات، وأخذت خمس ليرات سلفة من الحاج علي العطا، لأنسج له مفرشين، واستدنّا من هنا وهناك حتى جمعنا الثلاثين ليرة.
- امتعض عارف العلي قائلاً:
- والله لا يكفي يا حجة، لما كان ناس كثير، كان ذلك يكفي، إنما أنت عارفة، اليوم على الواحد أن يتحمل المخاطر ويمشي على دمه من أجل خمسة أنفار على الأغلب ، وفي العودة لا يجد أحداً يحضره.
نظرت عايشة العلان إلى وجه الحاجة ذوابا ثم إلى وجه كنّتها:
- والله يا أخي ما معنا غيرها ، والطفل ستحمله أمه، هل ستحمله أنت؟
- الله يسامحك يا شيخة، وهل أحمل غير نفسي، كل واحد يحمل نفسه والله يحمل الجميع، أنا أحاسب على النفر، على كل حال إذا كان هذا غير مناسب سلام عليكم...قد يرخص السوق، وأعاهدك يا حجة سأصحبها معي يومها، إنما الآن والله لا يناسبني هذا السعر!!
.وانثنى عارف العلي سائرا<الآن ستناديني الحجة وتقول إرجع يا عارف>
غير أن أيا من الحجتين لم تنده له..< لكن كيف اترك هذا الغزال من بين يدي، غزال يا عارف غزال، لحم كالفستق المقشر، أرداف، آه، كيف تتركها؟ بشرفك ألا تقبل أن تصحبها، بلا أجر؟! آخ، سمكة يا عارف، ما فيها جنس العظام وأنت الصياد، لا أحد ينادي ارجع، إرجع هذا يكفي >
واستدار عارف العلي عائداً إلى الحاجة ذوابا وعايشة العلان:
- لعنة الله على الشيطان، والله يعز علي أن أذهب وأترك البنت، وهذا الطفل الذي حرم من مشاهدة والده، وشأنكن عندي غير قليل يا حجة!!
- الله يسلم شأنك يا عارف، متى السفر يا أخي؟
- غداً صباحاً بعونه تعالى.
- خذ يا أخي.
وأخذت عايشة العلان تعدّ النقود في يد عارف.
***************
أقبل عارف منفرداً، فارتابت عايشة العلاّن أن ترسل ورده معه لوحدها.
- صباح الخير يا حجة.
- الله يسعد صباحك يا عارف، شايفك وحدك؟
- أي والله.
- ما حدا معك؟
- الله يسامحك، أمن المعقول أن أسافر مع بنت لوحدها؟ لن تناسبني السفرة أبداً، معي خمس نساء، إنما تركتهن على الطريق ريثما أحضر ورده.
اطمأنت عايشة العلاّن لكلام عارف.
- متى تقطعون النهر بالسلامة إن شاء الله؟
- الليلة، وغداً في مثل هذا الوقت ستكون عند زوجها إذا سهّل الله.
- إن شاء الله لن يأتي إلا التسهيل، وداعتك ورده يا عارف يا بني ، أنا أضعها أمانة في رقبتك إلى أن تقطعها النهر وتركبها في تكسي، لا ترسلها لوحدها يا بني، وإذا وصّلتها لزوجها تكون عند الله فاعل خير.
- الوداعة على الله يا حجة، لا تهتمي للأمر، ورده أختي وأعز من عيني؟
- إذا كان في الدنيا خير يا بني.. الله يسلم عينيك ويسهل دربك.
وانثنت إلى الخشّة وقد تناست كل الماضي الأسود لآل العلي.. وجاءت الحاجة ذوابا لتودع ابنتها...صرتّ عايشة العلاّن بعض ملابس ورده وملابس الطفل وبعض ملابس محمد في شرشف كبير، وربطته من طرفيه، بحبل لفّت عند منتصفه بعض الشرائط حتى لا يؤلم رأس ورده.. ووضعت صرّة صغيرة فيها قليل من الزيتون والبصل والخبز لتأكل ورده.. والطفل في الطريق ولتطعم محمد من زيتون البلاد وبصلها وخبزها الذي خبزته بيديها.. كما وضعت مطرة ملأتها بالماء... ونهضت إلى كنّتها تقبلها مودعة...<الله يرضى عليك يا بنتي، سلمي على محمد وخذي بالك منه، إسهري على راحته يا بنتي ولا تناكديه. قبّليه عني يا بنتي، قول له أمك تقبلك، وما تنسي المحرمة التي وضعتها له يا بنتي.وضعت لك فيها ليرتين، لتصرفي على نفسك إذا احتجت لشيء في الطريق.. قولي له، هذه المحرمة من رائحة أمك، وضعتها لك في الملابس.. اعتنوا بأنفسكم يا بنتي، الله يسهل طريقك، ويعمي عيون العدا عنك ، ويجعل لك في كل طريق رفيق.. >
وأخذت تضم الطفل وتقبله بدموعها.. بينما وردة تودع أمها...
حملت وردة الصرّة على ظهرها وحملت الطفل بيديها وضمته إلى صدرها وانصرفت خلف عارف العلي وعبرات ساخنة تنحدر من مقلتيها...
لاحقتها كلمات والدتها وحماتها... قالت الحماة: لا تنسي عنوان محمد يا بنتي، الله يرضى عليك ويحن اليك ويجعل الخير ما بين يديك، سلمي على كل الأهل والأحباب يا بنتي، قولي لهم أن عقولنا سارحة معهم في الليل والنهار، وتنتظر قدومهم ..
وقالت الأم: الله يجعل طريقك سهل ما فيها وعر يا بنتي ويوصلك بالسلامة .
وكانت وردة قد ابتعدت فتوقفت المرأتان عن الدعاء وظلتا ترقبانها حتى اختفت خلف تلة مرتفعة.
شاهد محمد عوده شقيقته تحمل طفلها وتسير خلف عارف العلي فترك القطيع الصغير وهرع إليها والدموع تترقرق في عينيه:
مع السلامة يا أختي – وضمها إلى صدره وقبّلها ثم قبل الطفل – سلّمي على محمد، قولي له أخي محمد يعزف على نايه طول اليوم، يتذكرك مع كل طلوع شمس.. واليهود اللعنة عليهم.. قولي له إنا لن نخاف منهم ، وبعد وصولك أرسلوا لنا سلامكم بالإذاعة...
وعاد إلى القطيع بينما تابعت وردة سيرها خلف عارف العلي.
(4)
محمود شاهين
مشاهدة ملفه الشخصي
زيارة موقع محمود شاهين المفضل
البحث عن المشاركات التي كتبها محمود شاهين