وأما النوع الثاني من الإتباع : فهم اتباع المؤمنين من ذريتهم الذين لم يثبت لهم حكم التكليف في دار الدنيا ، وإنما هم مع آبائهم تبع لهم ، وقال الله تعالى فيهم : { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء } . أخبر سبحانه انه الحق الذرية بآبائهم في الجنة كما اتبعهم إياهم في الإيمان ، ولما كان الذرية لا عمل لهم يستحقون به تلك الدرجات قال تعالى : { وما ألتناهم من عملهم من شيء } والضمير عائد إلى الذين آمنوا ، أي وما نقصناهم من عملهم بل رفعنا ذريتهم إلى درجتهم مع توفيتهم أجور أعمالهم فليست منزلتهم منزلة من لم يكن له عمل بل وفيناهم أجورهم فألحقنا بهم ذريتهم فوق ما يستحقون من أعمالهم .
ثم لما كان هذا الإلحاق في الثواب والدرجات فضلاً من الله فربما وقع في الوهم أن إلحاق الذرية أيضاً حاصل لهم في حكم العدل ، فلما اكتسبوا سيئات أوجبت عقوبة ، كان كل عامل رهيناً بكسبه لا يتعلق بغيره شيء فالإلحاق المذكور إنما هو في الفضل والثواب لا في العدل والعقاب وهذا نوع من أسرار القرآن وكنوزه التي يختص الله بفهمها من شاء .
فقد تضمنت هذه الآية أقسام الخلائق كلهم : أشقيائهم و سعدائهم ، السعداء المتبوعين والأتباع ، والأشقياء المتبوعين والإتباع . فعلى العاقل الناصح لنفسه أن ينظر في أي الأقسام هو ، ولا يغتر بالعادة ويخلد إلى البطالة فإن كان من قسم سعيد انتقل إلى ما هو فوقه وبذل جهده والله ولي التوفيق والنجاح . وإن كان من قسم شقي انتقل منه إلى القسم السعيد في زمن الإمكان قبل أن يقول يا ليتني اتخدت مع الرسول سبيلا .
والمقصود بهذا أن من أعظم التعاون على البر والتقوى والتعاون على سفر الهجرة إلى الله والرسول باليد واللسان والقلب والمساعدة والنصيحة تعليما وإرشاداً ومودة ، ومن كان هكذا مع عباد الله فكل خير إليه أسرع ، واقبل الله إليه بقلوب عباده وفتح على قلبه أبواب العلم ويسره لليسرى ، ومن كان بالضد فبالضد .
فإن قلت : قد أشرت إلى سفر عظيم وأمر جسيم فما زاد هذا السفر وما طريقه وما مركبه ؟
قلت : زاده العلم الموروث من خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم ولا زاد له سواه فمن لم يحصل هذا الزاد فلا يخرج من بيته وليقعد مع الخالفين . فرفقاء المتخلف البطالون أكثر من أن يحصوا ، فله أسوة بهم ، ولن ينفعه هذا التأسي يوم الحسرة شيئا كما قال تعالى : { ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون } فقطع الله سبحانه انتفاعهم بتأسي بعضهم ببعض في العذاب ، فإن مصائب الدنيا إذا عمت صارت مسلاة ، وتأسى بعض المصابين ببعض كما قالت الخنساء :
ولولا كثرة الباكين حولي * على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن * أسلي النفس عنه بالتأسي
فهذا الروح الحاصل من التأسي معدوم بين المشتركين في العذاب يوم القيامة .
وأما طريقه : فهو بذل الجهد واستفراغ الوسع ، فلا يُنال بالمني ، ولن يدرك بالهوينا ، وإنما هو كما قيل :
فخض غمرات الموت واسمُ إلى العلا * لكي تدرك العز الرفيع الدائم
فلا خير في نفس تخاف من الردى * ولا همة تصبو إلى لوم لائم
ولا سبيل إلى ركوب هذا الظهر إلا بأمرين :
أحدهما : أن لا يصبو في الحق إلى لوم لائم فان اللوم يصيب الفارس فيصرعه عن فرسه ويجعله صريعا في الأرض .
والثاني : أن تهون عليه نفسه في الله ، فيقدم حينئذ ولا يخاف الأهوال فمتى خافت النفس تأخرت و أحجمت وأخلدت إلى الأرض ، ولا يتم له هذان الأمران إلا بالصبر ، فمن صبر قليلاً صارت تلك الأهوال ريحا رخاء في حقه تحمله بنفسها إلى مطلوبه ، فبينما هو يخاف منها إذ صارت اعظم أعوانه وخدمه ، وهذا أمر لا يعرفه إلا من دخل فيه .
وأما مركبه فصدق اللجأ إلى الله وانقطاع إليه بكليته وتحقيق الافتقار إليه بكل وجه والضراعة إليه وصدق التوكل والإستعانة به والانطراح بين يديه انطراح المسلوم المكسور الفارغ الذي لاشيء عنده فهو يتطلع إلى قيّمه ووليه أن يجده ويلم شعثه ، ويمده من فضله و يستره فهذا الذي يرجى له أن يتولى الله هدايته وأن يكشف له ما خفي على غيره من طريق هذه الهجرة ومنازلها .
ورأس الأمر وعموده في ذلك إنما هو دوام التفكر وتدبر آيات الله حيث تستولي على الفكر وتشغل القلب فإذا صارت معاني القرآن مكان الخواطر من قلبه وجلس على كرسيه ، وصار له التصرف ، وصار هو الأمير المطاع أمره ، فحينئذ يستقيم له سيره ويتضح له الطريق وتراه ساكنا وهو يباري الريح { وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون } .
فان قلت : إنك قد أشرت إلى مقام عظيم فافتح لي بابه ، واكشف لي حجابه ، وكيف تدبر القرآن وتفهمه والإشراف على عجائبه وكنوزه ؟ وهذه تفاسير الأئمة بأيدينا ، فهل في البيان غير ما ذكروه ؟
قلت : سأضرب لك أمثالاً تحتذي عليها وتجعلها إماماً لك في هذا المقصد ، قال الله تعالى : { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين ، إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً ، قال سلام قوم منكرون ، فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين ، فقربه إليهم قال إلا تأكلون ، فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم ، فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم ، قالوا : كذلك قال ربك انه هو الحكيم العليم } .
فعهدى بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون وبشروه بغلام عليم ، وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك . ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك .
فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار .
وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم . . .
وكيف جمعت الضيافة وحقوقها . . .
وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة . . .
وكيف تضمنت علما عظيماً من أعلام النبوة . . .
وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة . . .
وكيف أشارت إلى دليل إمكان المعاد بألطف إشارة وأوضحها ثم أفصحت وقوعه . . .
وكيف تضمنت الأخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة . . .
وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما . . .
وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الآخر . . .
وتضمنت انه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوف من عذاب الآخرة وهم المؤمنون بها . . .
وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الآيات . . .
فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة : قال الله تعالى : { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } افتتح سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام ، وليس المراد بها حقيقة الاستفهام ، ولهذا قال بعض الناس : إن ( هل ) في مثل هذا الموضع بمعنى ( قد ) التي تقتضي التحقيق . ولكن في ورود الكلام في مثل هذا بصيغة الاستفهام سر لطيف ، ومعنى بديع ، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطب بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به ، وإحضار الذهن له صدر له الكلام بأداة الاستفهام لتنبيه سمعه وذهنه للمخبر به ، فتارة يصدره بألا ، وتارة يصدره بهل ، فقول : هل علمت ما كان من كيت وكيت ؟ إما مذكرا به ، وإما واعظاً له مخوفا ، وإما منبها على عظمه ما يخبر به ، وإما مقرراً له ، فقوله تعالى : { هل أتاك حديث موسى } و { هل أتاك نبأ الخصم } و { هل أتاك حديث الغاشية } و { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين } متضمن لتعظيم هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفتها ما تضمنته .
ففيه أمر آخر . وهو التنبيه على أن إتيان هذا إليك علم من أعلام النبوة فانه من الغيب الذي لا تعمله أنت ولا قومك فهل أتاك من غير أعلامنا وإرسالنا وتعريفنا ؟ أم لم يأتك إلا من قبلنا ؟
فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام ، وتأمل عظم موقعه من جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا . وقوله ضيف إبراهيم المكرمين متضمن لثنائه على خليله إبراهيم فإن في المكرمين قولين .
أحدهما : إكرام إبراهيم لهم ففيه مدح إبراهيم بإكرام الضيف .
والثاني : انهم مكرمون عند الله كقوله تعالى : { بل عباد مكرمون } وهو متضمن أيضاً لتعظيم خليله ومدحه ، إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافاً له ، فعلى كلا التقديرين فيه مدح لإبراهيم . وقوله : { فقالوا سلاما قال سلام } متضمن بمدح آخر لإبراهيم حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيوه به ، فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره : سلمنا عليك سلاماً . وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية تقديره سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم ، ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم والفعلية تقتضي التجدد والحدوث فكانت تحية إبراهيم أكمل واحسن . ثم قال { قوم منكرون } وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في المدح .
إحداهما : أنه حذف المبتدأ والتقدير : انتم قوم منكرون ، فتذمم منهم ولم يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش . وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجه أحدا بما يكرهه بل يقول : " وما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا " .
الثاني : قوله { قوم منكرون } فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم كما قال في موضع آخر ( نكرهم ) ولا ريب أن قوله ( منكرون ) ألطف من أن يقول أنكرتكم .
وقوله { فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال إلا تأكلون } متضمن وجوها من المدح وآداب الضيافة وإكرام الضيف . منها قوله : { فراغ إلى أهله } والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف ، والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألا يعرض للحياء ، وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ ، ويتناول الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه فلفظة ( راغ ) تنفي هذين الأمرين . وفي قوله تعالى : { إلى أهله } مدح آخر لما فيه من الإشعار أن كرامة الضيف معدة حاصلة عند أهله ، وأنه لا يحتاج أن يستقرض من جيرانه ، ولا يذهب إلى غير أهله إذ قرى الضيف حاصل عندهم .
وقوله : { فجاء بعجل سمين } يتضمن ثلاثة أنواع من المدح :
أحدها : خدمة ضيفه بنفسه فإنه لم يرسل به وإنما جاء به بنفسه .
الثاني : انه جاءهم بحيوان تام لم ياتهم ببعضه . ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا .
الثالث : انه سمين ليس بهمزول ، وهذا من نفائس الأموال ، ولد البقر السمين فإنهم يعجبون به ، فمن كرمه هان عليه ذبحه وإحضاره . وقوله { إليهم } متضمن المدح وآداباً أخرى وهو إحضار الطعام إلى بين يدي الضيف ، بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه .
وقوله { ألا تأكلون } فيه مدح وآداب أخر ، فإنه عرض عليهم الأكل بقوله : { ألا تأكلون } وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول : : ضعوا أيديكم في الطعام ، كلوا ، تقدموا ، ونحو هذا .
وقوله : { فأوجس منهم خيفة } لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم خوفاً أن يكون معهم شر ، فإن الضيف إذا أكل من طعام رب المنزل اطمأن إليه وأنس به ، فلما علموا منه ذلك قالوا : { لا تخف وبشروه بغلام عليم } وهذا الغلام اسحق لا إسماعيل ، لأن امرأته عجبت من ذلك فقالت : عجوز عقيم ، لا يولد لمثلي ، فأنى لي بالولد ؟ وأما إسماعيل فإنه من سريته هاجر وكان بكره وأول ولده . وقد بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } وهذه هي القصة نفسها .
وقوله تعالى : { فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها } فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها ، إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار . وقوله : { عجوز عقيم } فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة ، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل أنا عجوز عقيم ، واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره ، وأما في سورة هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب .
وقوله تعالى { قالوا كذلك قال ربك } متضمن لاثبات صفة القول له . وقوله { إنه هو الحكيم العليم } متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق والأمر ، فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته ، وكذلك أمره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته .
والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال ، فالعلم يتضمن الحياة و لوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام ، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان والجود والبر ، ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها ، ويتضمن إرسال وإثبات الثواب والعقاب .
كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة ، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسُدى وباطلاً فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب والعقاب ، ولهذا كان اصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته .
ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك . وانه سبحانه يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى ، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه .
ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها ، كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة ، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس . وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفراً كبيراً لما رأيت في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشقاء والهدى وسرعة الإنصاف ، وحسن البيان ، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له ، الصدر ويكثر معه اليقين ، بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل .
والمقصود : أن صدور الخلق والأمر عن علم الرب وحكمته . واختصت هذه القصة بذكر هذين الإسمين لاقتضائهما لتعجب النفوس من تولد مولود بين أبوين لا يولد لمثلهما عادة ، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد وكون الحكمة اقتضت جريان هذه الولادة على غير العادة المعروفة فذكر في الآية اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلال بموجب الحكمة .
ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط ، وإرسال الحجارة المسومة عليهم . وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عياناً في هذا العالم ، وهذا من اعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم .
ثم قال تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام ، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو ، إخراج نجاة من العذاب و لا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطناً .
وقوله تعالى : { فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر ، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين ، وقد اخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط ، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم ، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهراً وليست من المؤمنين الناجيين .
ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد .
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو : أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص ، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود ، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون .
وقوله تعالى : { وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم } فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة } ، وقال تعالى : { سيذكر من يخشى } فان من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول : هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة . وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ .
والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره ، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء .
والمقصود أن القلب لما تحول لهذا السفر طلب رفيقاً يأنس به في السفر فلا يجد إلا معارضاً مناقضاً ، أو لائماً بالتأنيب مصرحاً ، أو فارغاً من هذه الحركة معرضاً ، وليت كل ما ترى هكذا فلقد أحسن إليك من خلاَّل وطريقك ولم يطرح شره عليك كما قال القائل :
أنا لفي زمن ترك القبيح به * من أكثر الناس إحسان وإجمال
فإذا كان هذا المعروف من الناس فالمطلوب في هذا الزمان المعاونة على هذا السفر بالإعراض وترك اللائمة والإعتراض إلا ما عسى أن يقع نادراً فيكون غنيمة باردة لا قيمة لها . ولا ينبغي أن لا يتوقف العبد في سيره على هذه الغنيمة بل يسير و لو وحيداً غريباً فانفراد العبد في طريق طلبة دليل على صدق المحبة .
ومن نظر في هذه الكلمات التي تضمنتها هذه الورقات علم أنها من أهم ما يحصل به التعاون على البر والتقوى وسفر الهجرة إلى الله ورسوله ، وهو الذي قصد سطرها بكتابتها وجعلها هديته المعجلة السابقة إلى أصحابه ورفقائه في طلب العلم . وشهد الله وكفى بالله شهيداً ولو توافي أحداً منهم لقابلها بالقبول ولبادر إلى تفهمها وعدّها من أفضل ما أهدى صاحب إلى صاحبه ، فإن غير هذا من جريانات الركب الخيرية وان تطلعت النفوس إليها ففائدتها قليلة وهي في غاية الرخص لكثرة جالبها ، وإنما الهدية النافعة كلمة يهديها الرجل إلى أخيه المسلم .
ومن أراد هذا السفر فعليه بمرافقة الأموات الذين هم في العالم أحياء ، فإنه يبلغ بمرافقتهم إلى مقصده ، وليحذر من مرافقة الأحياء الذين هم في الناس أموات ، فإنهم يقطعون عليه طريقه ، فليس لهذا السالك أنفع من تلك المرافقة ، وأوفق له من هذه المفارقة ، فقد قال بعض السلف : شتان بين أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم ، وبين أقوام أحياء تموت القلوب بمخالطتهم . فما على العبد أضر من عشائره وأبناء جنسه فنظره قاصر وهمته واقفة عند التشبه بهم ، ومباهاتهم والسلوك أين سلكوا ، حتى لو دخلوا جحر ضب لأحب أن يدخله معهم .
فمتى صرف همته عن صحبتهم إلى صحبة من أشباحهم مفقودة ، ومحاسنهم وآثارهم الجميلة في العالم موجودة ، استحدث بذلك همة أخرى وعملا آخر ، وصار بين الناس غريباً وإن كان فيهم مشهوراً ونسيباً ، ولكنه غريب محبوب يرى ما الناس فيه و لا يرون ما هو فيه ، يقيم لهم المعاذير ما استطاع ، ويحضهم بجهده و طاقته سائراً فيهم بعينين : عين ناظرة إلى الأمر والنهى ، بها يأمرهم وينهاهم ويواليهم ويعاديهم ، ويؤدي لهم الحقوق و يستوفيها عليهم . وعين ناظرة إلى القضاء والقدر بها يرحمهم ويدعو لهم و يستغفر لهم ، ويلتمس وجوه المعاذير فيما لا يخل بأمر و لا يعود بنقض شرع ، وقد وسعهم بسطته ورحمته ولينه ومعذرته ، وقفاً عند قوله تعالى : { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } متدبراً لما تضمنته هذه الآية من حسن المعاشرة مع الخلق وأداء حق الله فيهم والسلامة من شرهم . فلو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم وشفتهم فان العفو ما عفى من أخلاقهم وسمحت به طبائعهم ووسعهم بذله من أموالهم و أخلاقهم .
فهذا ما منهم إليه ، وأما ما يكون منه إليهم فأمرهم بالمعروف ، وهو ما تشهد به العقول وتعرف حسنه ، وهو ما أمر الله به . وأما ما يلتقي به أذى جاهلهم فالإعراض عنه وترك الإنتقام لنفسه والانتصار لها .
فأي كمال للعبد وراء هذا ؟ وأي معاشرة وسياسة لهذا العالم أحسن من هذه المعاشرة والسياسة ؟ فلو فكر الرجل في كل شر يلحقه من العالم - أعني الشر الحقيقي الذي لا يوجب له الرفعة والزلفى من الله - وجد سببه الإخلال بهذه الثلاث أو بعضها ، وإلا فمع القيام بها فكل ما يحصل له من الناس فهو خير له وإن شراً في الظاهر ، فإنه يتولد من الأمر بالمعروف ولا يتولد منه إلا خيراً وان ورد في حالة شر وأذى ، كما قال الله تعالى : { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شراً لكم بل هو خير لكم } ، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر ، فإذا عزمت فتوكل على الله } وقد تضمنت هذه الكلمات مراعاة حق الله وحق الخلق ، فإنهم إما يسيئوا في حق الله وفي حق رسوله ، فإن أساءوا في حقك فقابل ذلك بعفوك عنهم وإن أساءوا في حقي فاسألني أغفر لهم واستجلب قلوبهم ، وأستخرج ما عندهم من الرأي بمشاورتهم ، فإن ذلك أحرى في استجلاب طاعتهم وبذل النصيحة ، فإذا عزمت فلا استشارة بعد ذلك بل توكل وامض لما عزمت عليه من أمرك فإن الله يحب المتوكلين .
فهذا وأمثاله من الأخلاق التي أدب الله بها رسوله ، وقال تعالى فيه { وإنك لعلى خلق عظيم } قالت عائشة رضي الله : " عنها كان خلقه القرآن " ، وهذا لا يتم إلا بثلاثة أشياء :
أحدها : أن يكون العود طيباً ، فأما أن كانت الطبيعة جافية غليظة يابسة عسر عليها مزاولة ذلك علماً وإرادة وعملاً بخلاف الطبيعة المنقادة اللينة السلسة القياد فإنها مستعدة إنما تريد الحرث والبذر .
الثاني : أن تكون النفس قوية غالبة قاهرة لدواعي البطالة والغي والهوى فان هذه الأمور تنافي الكمال ، فإن لم تقو النفس على قهرها و إلا لم تزل مغلوبة مقهورة .
الثالث : علم شاف بحقائق الأشياء وتنزيلها منازلها يميز بين الشحم والورم ، والزجاجة والجوهرة .
فإذا اجتمعت فيه هذه الخصال الثلاث وساعد التوفيق فهو القسم الذي سبقت لهم من ربهم الحسنى ، وتمت لهم العناية .
والله سبحانه وتعالى أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً أبداً إلى يوم الدين . والحمد لله رب العالمين