في ظلال رمضان
الحلقة الثامنة عشرة
بقلم: الدكتور محمّد حافظ الشريدة
من آداب الإفطار:
1- التمر أو الماء:
عن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: "كان رسول الله r يفطر على رطبات قبل أن يصلّي، فإن لم تكن رطبات فتمرات، فإن لم تكن تمرات حسا حسواتٍ من ماء". رواه أحمد وأبو داود والترمذي. [ومعنى حسا: شرب].
وعن سلمان بن عامر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله :
r "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرٍ فإن لم يجد فليفطر على ماءٍ فإنّه طهور". رواه الخمسة إلاّ النسائي.
وهذان الحديثان الشريفان يدلّان على مشروعية الإفطار بالرطب (التمر اللّين)، وإلاّ فبالتمر (اليابس)، وإلاّ فبالماء. ومعلوم طبيّاً: أنّ التمر مغذٍ حلو سهل الهضم غني بالفيتامينات التي فقدها الصائم خلال النهار. والماء كذلك مطهّر ومليّن للمعدة ومفيد للكبد والجهاز الهضمي.
2- كراهية الوصل:
عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله r: "إياكم والوصال"، قيل: إنّك تواصل يا رسول الله ! قال: "إنّي أبيتُ يطعمني ربّي ويسقيني، فاكلُفوا من العمل ما تطيقون". متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله r: "لا تواصلوا فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر. رواه البخاري وأبو داود.
وعن أبي ذرّ الغفاري (رضي الله عنه) قال: "نهى النبي r عن الحجامة والمواصلة ولم يحرّمهما". رواه أبو داود والطبراني في الأوسط وصحّح إسناده ابن حجر في فتح الباري.
وقد ذهب بعض العلماء إلى تحريم الوصال، وذهب بعضهم إلى كراهيته، وذهب بعضهم إلى جوازه، بشرط عدم الجهد والمشقة، والراجح من أقوال العلماء: جواز الوصال إلى وقت السحر، وذلك لحديث جابر بن عبد الله (رضي الله عنهما) أنّ النّبي r كان يواصل من سحرٍ إلى سحرٍ" رواه أحمد والطبراني وعبد الرزّاق.
قال الإمام الشوكاني (رحمه الله) في نيل الأوطار: "إن كان اسم الوصال إنّما يصدق على إمساك جميع الليل، فلا معارضة بين الأحاديث، وإن كان يصدق على أعمّ من ذلك، فيُبنى العام على الخاصّ، ويكون المحرّم ما زاد على الإمساك إلى ذلك الوقت".
3- تجنّب التخمة:
"كثرة الأكل" كما يقول الإمام الغزالي: "من أعظم المهلكات"! ومقام العدل في الأكل: رفع اليدين مع بقاء شيء من مشتهاه، وخير من ذلك: "ثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفسه". فالأكل في مقام العدل يُصحّ البدن وينفي المرض. ومن استكثر من الطعام والشراب: أورثه ذلك: كثرة النّوم، وبلادة الذهن، والكسل، وعرّضه لكثير من الأمراض. فالحمية رأس كلّ دواء، والمعدة بيت كل داء -كما يقولون-.
وعن عُقبة الراسبي (رحمه الله) قال: "دخلت على الحسن البصري (رحمه الله) وهو يتغذّى فقال: "هلمّ"، فقلت: أكلتُ حتى لا أستطيع! فقال: "سبحان الله! أوَ يأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟؟!!