في ظلال رمضان
الحلقة الخامسة عشرة
بقلم: الدكتور محمّد حافظ الشريدة
صيام من سافر في نهار رمضان:
اختلف العلماء في جواز إفطار من أصبح صائماً ثم سافر في النهار، والراجح: جواز فطره أو صومه بشرط عدم السفر من أجل الفطر! والدليل على ذلك: حديث ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: (خرج رسول r في رمضان إلى حُنين وفي رواية إلى خيبر أو مكة، والناس مختلفون فصائم ومفطِر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء، فوضعه على راحلته أو راحته، ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصوّام: أفطروا). رواه البخاري.
وعن عبيد بن جبير (رحمه الله) قال: "ركبت مع أبي بُصرة الغفاري (رضي الله عنه) في سفينة من الفسطاط في رمضان فدفع، ثم قرّب غذاؤه ثم قال: اقترب، فقلت: ألست بين البيوت؟ فقال: أرغبت عن سنّة رسول الله r؟" رواه أحمد وأبو داود.
وعن محمّد بن كعب (رحمه الله) قال: (أتيت أنس بن مالك (رضي الله عنه) في رمضان وهو يريد سفراً وقد رُحّلت له راحلته ولبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنّة؟ فقال: سنّة، ثم ركب) رواه الترمذي.
وهذان الحديثان يدلّان على أنّه يجوز للمسافر أن يفطر قبل خروجه من الموضع الذي أراد السفر منه.
والصحيح: أنّ قول الصحابي: (من السّنّة) يدلّ على التوقيف، وهذان الحديثان مصرّحان بجواز إفطار المسافر قبل الخروج من البلد ومجاوزة البيوت.
صيام المسافر إذا لم ينوِ إقامة:
عن ابن عباس (رضي الله عنهما): أنّ النبي r غزا غزوة الفتح في رمضان وصام، حتى إذا بلغ الكديد -الماء الذي بين قديد وعُسفان- فلم يزل مفطراً حتى انسلخ الشهر). رواه البخاري.
وهذا الحديث الشريف يدل على أن المسافر إذا أقام في بلد غير ناوٍ الإقامة فيها: جاز له أنّ يفطر مدّة تلك الإقامة، كما جاز له القصر والجمع.
متى يجوز للمسافر في الطائرة أن يفطر؟
مما لا شكّ فيه: أن للمسافر أن يصوم وأن يفطر، فإن صام المسافر في الطائرة، فمتى يحقّ له الإفطار، مع أنّ الشمس قد لا تغيب يوماً كاملاً! وقد حصل معي شخصياً حين سفري من الأردن إلى أمريكا أن أقلعت الطائرة من عمّان قبيل العصر، فمكثتْ عشر ساعات في الفضاء والشمس طالعة. حتى نزلنا في هولنده. وقد اختلف العلماء في الإجابة عن هذا السؤال، وأرى -والله أعلم-: أن يحمل المسافر معه توقيت البلد الذي تسحّر فيه -إن اختار الصيام-، وأن يفطر في الوقت الذي يفطر فيه أهل البلد الذي تسحّر فيه.
الإفطار في ناطحات السحاب:
من سكن في الطابق المائة - مثلاً- من ناطحة السحاب، فهل يحقّ له أن يفطر – والشمس طالعة- بناء على إفطار الطابق الأول، مع أنّ ما بينهما يزيد عن ربع ساعة؟ وهل يجوز له أن ينزل في المصعد- إلى الطابق الأول فيفطر ثم يرجع لشقته؟ هذه مسائل خلافية بين العلماء!!
والراجح: أنّه لا يجوز له أن يفطر ما دام يرى الشمس من الطابق الأعلى.