في ظلال رمضان
الحلقة الثالثة
بقلم: الدكتور محمّد حافظ الشريدة
صيام يوم الشك:
لا يجوز للمسلم أن يصوم آخر يومٍ من شبعان -احتياطاً- على أنّه أول أيام شهر رمضان!
قال الإمام مالك (رحمه الله): "سمعت أهل العلم ينهون عن صوم اليوم الذي يُشكّ فيه أنّه من شعبان أو رمضان إذا نوى به الفرض. ويروْن أنّ على من صامه على غير رؤيةٍ ثم جاء الثّبْتُ أنّه رمضان: القضاء. ولا يروْن في صيامه تطوّعاً بأساً".
وقال الحكيم الترمذي (رحمه الله):"وأمّا النّهي عن صيام يوم الشكّ: فمن أجل أنّه إذا صام: فكأنّه زاد في الفرض - وهذا إذا صام على أنّه من الفرض-، وأمّا إذا صامه تطوّعاً: فقد فعله رسول الله r، فكان يصوم شعبان كلّه يصله إلى رمضان".
وقد ورد النّهي عن صيام يوم الشكّ في أحاديث صحيحة منها: عن ابن عبّاس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله r: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحابة أو ظلمة: فأكملوا العدّة؛ عدّة شعبان، ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً، ولا تصلوا رمضان بيومٍ من شعبان". رواه النّسائي. وعن أبي هريرة (رضي الله عنها) قال: قال رسول الله r: "لا تقدّموا رمضان بصوم يومٍ أو يومين، إلاّ رجلاً كان يصوم صوماً فليصمه". متفق عليه.
ولعلّ الحكمة من ذلك: التمييز بين الصوم المفروض والصوم المندوب، والتمييز كذلك بين العبادة والعادة، والاستعداد كذلك لاستقبال شهر رمضان بنشاط وصحّة جيّدة. أمّا من كان له عادة في صيامه: كصيام نافلة أو نذر أو كفارة أو قضاء.. فلا حرج عليه إن شاء الله.
هذا، وقد اختلف العلماء في حكم صيام الثلاثين من شعبان إذا كان في مغيب الهلال غيم أو ما يمنع من رؤيته، فذهب الإمام أحمد (رحمه الله) إلى وجوب صومه، من باب الظنّ والاحتياط، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر(رضي الله عنهما) في الصحيحين:" ..فإنّ غُمّ عليكم فاقدروا له".
وفسّروا كلمة (فاقدروا له) بمعنى: ضيّقوا على شعبان فقدّروه تسعة وعشرين يوماً.
وذهب الجمهور: إلى أنّه لا يجب صيامه، ولو صامه عن رمضان لم يجزئه، وفسّروا كلمة (فاقدروا له) بمعنى: قدّروا حسابه بجعل شعبان ثلاثين يوماً. واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة (رضي الله عنه) في الصحيحين: "..فإن غُمّ عليكم فأكملوا عدّة شعبان ثلاثين يوماً".
قال الإمام ابن تيمية (رحمه الله): "إنّ إيجاب صوم يوم الشكّ لا أصل له في كلام الإمام أحمد، ولا كلام أحد من أصحابه، وإن كان بعضهم قد اعتقد أنّ من مذهبه إيجاب صومه، ومذهبه الصريح المنصوص عليه: هو جواز فطره وجواز صومه، وهو مذهب أبي حنيفة ومذهب كثير من الصحابة والتابعين، وأصول الشريعة كلّها مستقرة على أنّ الاحتياط ليس بواجب ولا محرّم".